قبل مقتله .. العقيد أبوشنب يفضح حقيقة الحرب!

قبل مقتله .. العقيد أبوشنب يفضح حقيقة الحرب!
علي أحمد
ظل جميع السودانيين متيقنين من أن (الكيزان) هم من أشعلوا الحرب، وأن مهاجمة البرهان في منزله و مقتل (35) من حرسه الشخصي، كما رُوي وتم تكراره، لم تكن سوى مسرحية سخيفة، إلى أن بدأ الإعلام الكيزاني في الترويج لسردية جديدة عنوانها انقلاب الدعم السريع، وشرع البُلابسة، بمساندة كيزانية، في ترديدها ليل نهار حتى تترسخ في أذهان الناس، وتزيح الحقيقة، وتصبح الرواية الرسمية للحرب.
كادت الأمور أن تذهب في هذا الاتجاه إلى أن جاء تلفزيون حكومة بورتسودان (الكيزاني) الأسبوع الماضي بالعقيد عوض الكريم موسى أبو شنب ضيفًا على برنامج بعنوان “إخوان مكاوي”، قبل مقتل العقيد بأيام قليلة – الخميس الماضي – فيما سموه “التحام المدرعات بالقيادة العامة”، وذلك في كمين بالقرب من موقف شروني، حيث قُتل مع عشرات الجنود وأفراد مليشيا البراء الإرهابية.
اعترف الرجل، مشكورًا، بأن الحرب قد بدأت في المدينة الرياضية عندما هاجم الجيش قاعدة عسكرية للدعم السريع كانت هناك. فلنستمع لإفادته في البرنامج التلفزيوني قبل مقتله:
“أنا ضابط مدرعات، وكنت وقتها قائد اللواء أول مشاة آلي في الباقير. الحرب بدأت عندما انفتحت وحدة من قواتي نحو المدينة الرياضية، ومن هناك بدأت الاشتباكات. قواتنا من المشاة كلها جاءت إلى المدينة الرياضية باعتبار أن ذلك كان انفتاحًا جديدًا، ونتيجة لذلك تحركت قوات كبيرة من الدعم السريع من معسكري سوبا وطيبة نحو معسكر الجيش بالباقير، ولم يكن به غير بعض الدبابات وبعض قطع المدفعية، لأننا حركنا جميع المشاة نحو المدينة الرياضية حيث هاجمنا معسكر الدعم السريع، وبالتالي سقط معسكر الباقير في نفس اليوم على يد الدعم السريع، فيما سحبنا الصالح من الدبابات والقطع العسكرية إلى جياد.”
هذه رواية العقيد الموثقة بتلفزيون السودان، وكأن الله قد أنطقه لقول الحقيقة قبل موته، خصوصًا أنه الضابط الذي أوكلت لقواته مهمة إطلاق الطلقة الأولى وإشعال الحرب. فعن أي انقلاب للدعم السريع يتحدث البُلابسة والكيزان، وضباط الجيش أنفسهم يعترفون بأنهم من بدأوا الحرب؟ بل إن الرجل الذي أصدر الأوامر للجنود بالانفتاح نحو معسكر الدعم السريع في المدينة الرياضية يعترف بلسان فصيح مبين، ويمضي أبعد من ذلك، فيذكر أنه أصيب في المعركة التالية في جياد وتم إخلاؤه إلى مستشفى ود مدني.
لماذا يكذب الكيزان إذًا؟
يكذبون لأنهم يعلمون أنه عندما تضع الحرب أوزارها، ويُصعق الناس بحجم الدمار والخراب الذي حلَّ ببلادهم ودورهم وممتلكاتهم، وتذهب سكرة الأناشيد الحماسية، ويفيق الجميع من غيبوبتهم، ستخطر إلى أذهانهم الأسئلة الكبرى، وعلى رأسها: من الذي بدأ الحرب وأشعلها وسط السكان المدنيين في عاصمة يقطنها نحو 8 ملايين نسمة؟
حينها، لن تجدي رواية قائد الجيش عن استشهاد 35 من حرسه شيئًا، ما لم يأتِ بأسمائهم، ويذهب الجميع إلى أسرهم لتقديم واجب العزاء. ولن تجدي الرواية الضعيفة الهشة التي يحاول الكيزان ترسيخها، بأن قوات الدعم السريع هي من قامت بانقلاب عسكري، صدىً ولا أذنًا صاغية. فقد هشمها العقيد عوض الكريم أبو شنب، وانتشر اعترافه انتشار النار في الهشيم، واحتفظ الجميع بمقطع الفيديو كوثيقة إدانة مستقبلية لقيادة الجيش، التي أطلقت الطلقة الأولى من معسكرها بالباقير عندما أمر العقيد أبو شنب جميع وحدات المشاة بمهاجمة معسكر الدعم السريع في المدينة الرياضية.
هذه هي الحقيقة: ساطعة، بهية، نضرة، لا تشوبها شائبة، ولا يخالطها شك.
إن مسؤولية الدمار والخراب وكل ما حدث ستقع على عاتق من أشعل الحرب أولًا، ثم يُحاسب جميع من ارتكبوا جرائم، لكن القدح المعلى في ذلك سيكون لأولئك الذين قرروا وضع المواطنين في العاصمة الخرطوم تحت النيران، والاحتماء بهم كدروع بشرية، بإصدارهم الأوامر للعقيد أبو شنب بتحريك قواته إلى المدينة الرياضية ومهاجمة معسكر الدعم السريع. هذا باعترافه شخصيًا، وهو في كامل حالته العقلية، والمعتبرة شرعًا، دون ضغط من أحد، وقد بث تلفزيون بورتسودان اعترافه على الهواء مباشرة. يا لها من وثيقة إدانة محكمة وقوية!
الآن، يقولون بألسنتهم ما ظلوا يكذبون حوله ويخفونه في دواخلهم: أن الجيش هو من أطلق الرصاصة الأولى وأشعل الحرب.
ويقيني أنه كلما تقدموا خطوة في الخرطوم، واختالوا بسكرة “النصر المتوهم”، أخذتهم العزة بالإثم. ولا بأس، فلن يمر وقت طويل حتى نعرف منهم قصة التآمر لإجهاض التحول الديمقراطي من بدايتها: من إغلاق موانيء البلاد ومن ثم الانقلاب على الحكومة المدنية الانتقالية، إلى أن جاءت الأوامر للعقيد المرحوم أبو شنب بشن الحرب، وبينهما توفير السكن والحماية للمجرم الهارب علي كرتي طوال الفترة الانتقالية، داخل منازل الأجهزة العسكرية والأمنية وتحت حمايتها!
إن الكذب أصله كيزاني.