مفهوم الدولة من منظور إسلامي

عرض المادة
مفهوم الدولة من منظور إسلامي
8463 زائر
25-01-2016

الحلقة الثانية

الدولة الحديثة هي التي قامت على ركائز الفكر السياسي الإنساني والتي تدعي إنّها تحقق مقومات الحكم الراشد وحقوق الإنسان ، ومن سمات هذه الدولة ، البناء المؤسس واقتسام السلطات ، ما بين التنفيذية والتشريعية والقضائية ، والتبادل السلمي للسلطة ،وإن اختلفت الترتيبات، فهناك دول حديثة، مازالت تعتمد الملكية مع تقلص دور الملك إلى رمز من حاكم "حال بريطانيا والسويد وأسبانيا وهولندا الخ" بينما دول أخرى كأمريكا الذي يمثل الاستمرارية هو الكونجرس مجلس النواب والشيوخ ولا تكاد رئاسة الدولة تتجاوز صلاحياتها الدفاع والسياسة الخارجية والمالية الفدرالية .

وتعود نسبيا جذور الدولة الحديثة إلى صلح وستفاليا -1648 – Peace of Westphalia أول اتفاق دبلوماسي يرسي مبدأ سيادة الدول وفصل سلطة الكنيسة عن الدولة والتمهيد لقيام الدولة الأمة Nation state ومع ذلك فإن استبداد البابوات والكنيسة ذهب في بعض الحالات إلى الملوك ورؤساء الحكومات، كما ظهر في حركة الاستعمار وملوك الاستبداد كنابليون فرنسا أو ليبولد بلجيكا حتى ظهور النازية على يد هتلر ودولة البروليتاريا على يد لينين وستالين، والفاشست على يد موسوليني، مما أدى إلى الحربين العالميتين الأولى والثانية، وكان أساسها كيفية اقتسام تركة الرجل المريض، كناية عن اقتسام أملاك الدولة العثمانية، والتي انتهت نتائجها في الحرب الأولى، بأيلولة ممتلكات الدول العثمانية للحلفاء المنتصرين في الحرب وإلغاء الخلافة العثمانية وقيام دولة تركيا حديثة على مبدأ الدولة الأمة.

ومن إشكالات الفكر الإسلامي، إنها تفصل ممارسة المسلمين التاريخية وتجاربهم السياسية عن النص، وكأنما الممارسة الإسلامية التاريخية في قطيعة مع النص وليس استلهاما للنص، ويبدو أن التعلق بالحدث التاريخي في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، والخلافة الراشدة، حجب مغزى البناء على الحدث وتطوير هذا البناء، فمثلا فترة المدينة المنورة كانت حافلة بمجالات تطبيق الشورى، سواء في سلوك النبي صلى الله عليه وسلم أو أحاديثه أو تفاهماته مع أصحابه في الغزوات والحروب، كما حدث في بدر والماء، وأحد والخروج أو البقاء في المدينة والحديبية والتنازلات والتسوية وما فيها من مرونة، إلا أن هذه التطبيقات متفرقة أو مجتمعة لا تفيد فكرة الدولة الحديثة التي تقوم على العقد الاجتماعي "الدستورية" والمساواة بين كل أهل الدولة مسلمين وغير مسلمين "المواطنة" والوحدة الترابية وليست الأخوة العقائدية والفصل بين السلطات "تنفيذية وتشريعية وقضائية" والعدالة والحريات – الخ – مما لم يوجد في التجربة التاريخية المنسوبة للمسلمين كما أن الجزئيات المنتزعة من هنا وهناك لم يتم البناء عليها لتأسيس وتأصيل فكرة الدولة وأن الفكر الإسلامي التاريخي اجتهد في تأصيل دور وصلاحيات الحاكم أو الأمير – الخليفة، السلطان. وإهمال الحكومة أو الإمارة أو دولة الخلافة أو السلطنة، ومن هنا تبرز مأزومية الفكر السياسي الإسلامي مع الأفكار الجديدة كالديمقراطية والاشتراكية والتعددية السياسية والحريات .

الاستبداد والدولة الحديثة:

قامت الدولة الإسلامية التاريخية، على قاعدة العصبية، حيث كان الأمويون أساس الدول الأموية، وأهل البيت "العباسيون" أساس الدولة العباسية وآل عثمان أساس الدولة العثمانية، وتم اختزال أهل الحل والعقد في عصبية الدولة، مما أدى إلى الملك العضود، ففي الدول الأموية السلاطين والأمراء من البيت الأموي، والبيت العباسي أساس الملك في الدولة العباسية، والفاطميون، دستورهم الإمارة في قريش وفي قريش الدوحة النبوية ممثلة، في نسل فاطمة، وحينما سعت الدولة العثمانية لتحديث نظمها وتحديث جيشها، لجأت للاستدانة من مخزون التجربة الغربية، في تكوين الجيش الحديث ثم أنشأت مجلس المبعوثان "أي البرلمان" في إطار استلهام النظم الغربية وإيجاد قاعدة سياسية واقتصادية للانعتاق من التخلف، كما صدرت مجلة الأحكام العدلية لمحاولة تنزيل فقه دولة وهل النظام يقوم على المركزية أو اللامركزية، ولكن تم السكوت ماذا عن فوائد البنوك، كيفية التعامل مع النظام الاقتصادي العالمي القائم أساس على الفائدة وحرية رأس المال! وهل الفقه الحنفي التقليدي يستطيع الإجابة على متعلقات الدولة الحديثة في السياسة والاقتصاد والاجتماع، هل يستطيع مجلس المبعوثان محاسبة السلطان وكيف وماهي آلياته؟ وبينما كانت الدولة العثمانية عاجزة عن الإجابة عن هذه الأسئلة، التهبت في داخلها الثورات الداخلية إلى أن أكلتها الدول الأوربية المتحالفة في عام 1919م نهاية الحرب العالمية الأولى، وبذلك سقط المشروع السياسي التقليدي المنسوب للإسلام وحل محله نموذج الدولة الوطنية العلمانية حتى في أرض الخلافة تركيا وفي مراكز الإشعاع في العالم الإسلامي مصر والعراق والشام. وأصبحت المناداة بالدستور الإسلامي والدولة الإسلامية شعارات لترقيع نموذج الدولة الوطنية العلمانية دون تحديد لمفهوم الدولة.

برز المشروع الإسلامي، في ظل حاضنتين لسياستين، إحداهما تبنت نموذج الدولة الغربية الشمولية، كما هو في تجربة الدول الشيوعية وعلى غرار نظام الحزب الواحد في تجربة النظم الاشتراكية بعثية وناصرية: أو النظم التقليدية القائمة على عصبية تاريخية، حال دول الخليج والنظم الملكية بينما فشلت تماما التجارب الديمقراطية في العالم العربي وحتى في لبنان أصبحت الديمقراطية تكريس للطائفية وتحالف الملل الدينية في واجهات سياسية .

وأضحت الديمقراطية في العالم العربي شكلية والإسلاميون فيها غير مقبولين، ومصنفين كأعداء للغرب ورصيد محتمل للإرهاب وأصحاب قابلية للاستبداد، ففي انتخابات عام 1992م، فازت جبهة الإنقاذ الإسلامي في الجولة الأولى من الانتخابات بنسبة 47.5 من الأصوات محرزة 188 مقعدا من أصل 231، بينما نالت جبهة التحرير الجزائرية التي حققت استقلال الجزائر فقط 15 مقعدا، مما دعا الجيش للقيام بانقلاب عسكري وقائي دون وصول الإسلاميين للسلطة، مما أدى إلى حرب أهلية تجاوز ضحاياها المائة ألف قتيل وسجين، وذات الشيء حدث بعد حوالي عشر سنوات حينما أطاحت المؤسسة العسكرية المصرية بحكم الرئيس محمد مرسي، في إطار شعار محاربة الإرهاب، ومما ساعد على قبول إبعاد الإسلاميين وإقصائهم تصويرهم بأن الدين عندهم خطة وبرمجة للعقل في اتجاه السلطة واتجاه التحكم في الشأن العام، مثلهم مثل التائيات الاستبدادية "الشيوعية، الماركسية، الاشتراكية، العلمانية، العولمية :" وغيرها حيث ما يزال الرأي العام نسبيا وخائف ومتوجس من حكم الإسلاميين وأنهم لا يؤمنون بالديمقراطية وحكم الشورى ويسعون للهيمنة باسم الدين دون أن يعرف لهم برنامج سياسي واقتصادي محدد القسمات. بالإضافة إلى الروح الصليبية المتوطنة في الغرب والخائفة من الإسلام على إسرائيل.

ومن الملاحظ أن حظوظ الإسلاميين في النظم الملكية نسبيا أفضل من حظوظهم في النظم الجمهورية، حيث وصلوا للسلطة في المغرب، كما لم تتم محاصرتهم في دول الخليج باستثناء الطاريء الإماراتي، دولة الإمارات العربية، بينما تم إبعادهم في تونس ووضعهم في السجن في مصر ومحاربتهم في سوريا والعراق ومراقبتهم في اليمن والجزائر، ودولتهم محاصرة عالميا في السودان، وإلى الآن اشكالية الخطاب الإسلامي تظل تأصيل فكرة الدولة وليس الحاكم فقط في ظل نظام إسلامي متكامل الرؤية حول الديمقراطية كآلية للوصول للسلطة "لعبة التكاثر بالأوراق الانتخابية" والفوائد الربوية في الإطار المحلي والعالمي، وقضية الدولة وأهل الحل والعقد بالانتخاب أم التعيين، ورئاسة الدولة" نظام رئاسي أم برلماني، أم مختلط، وعلى أية معايير في الثقافة والتاريخ الإسلامي تم ترجيح الكفة .

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
6 + 3 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية