هل القانون حمار؟ (6)

عرض المادة
هل القانون حمار؟ (6)
8518 زائر
20-12-2015

في المقال السابق سردنا جزءاً من حكاية المواطن "أحمد" الذي امتلك قطعة أرض سكنية من خلال تقنين السكن العشوائي في أم بدة بأم درمان.. وكيف أن "أحمد" بنى منزله بعد استلام العقد للقطعة 811 التي خصصت له، وبموجب العقد أدخل الماء والكهرباء، ودخل أبناؤه المدارس بالحي، وشارك في لجان الخدمات بالحي، وذكرنا كيف جاء أحد المواطنين يحمل اوراقاً مدعياً امتلاكه للقطعة 811.

وصل النزاع للمحكمة، المواطن أحمد مدعى عليه، وصاحب الأوراق مدعياً.

وفي مقال اليوم نواصل أحداث النزاع الذي أشرنا إليه.

المواطن (أحمد) يحكي كيف بدأت الحكاية، فقال: أحمد صاحب السكن العشوائي أدلى بأقواله التي جاء فيها:

"انضممت للسكن العشوائي في السبعينات وعانيت كثيرًا للحصول على قطعة أرض سكنية صبرت على شدة الحياة إلى أن قنن السكن العشوائي بواسطة سلطات الأراضي وتم حصر المستحقين وتم تخطيط المنطقة وكانت الحارة العاشرة، منح كل المستحقين عقودات وبموجبها أدخلت الماء والكهرباء وأصبحت عضواً مع أهل الحي في لجان المناشط الخدمية. اكتمل بناء منزل من ثلاث غرف وصالون ومطبخ وبرندات ومنافع. أولادي بمدارس المنطقة والكبار في الجامعات وأحدهم طالب في الكلية الحربية واثنان من اولادي ولدوا في هذا المنزل عندما حضر المواطن (......) وطرق باب منزلي وقدم أوراق "عقد وشهادة بحث" يدعي ملكيته للقطعة بموجب تعويض منح له. لم نجد حلاً مع سلطات الأراضي الشيء الذي وصل بنا إلى المحكمة.

هذه قصة المواطن أحمد المزارع الأغبش الذي خاطر بإيواء أسرته في السكن العشوائي إلى أن قنن له كما رأينا.

أمام المحكمة ذكر المواطن (.......) الذي ادعى ملكية القطعة، انه كان يملك قطعة في أم بدة حارة أخرى ونزعت لأغراض الخطة الإسكانية وطالب بتعويض وتم تعويضه بالقطعة 811 الحارة العاشرة أم بدة ومنحت عقدا وقمت بتسجيل القطعة، وذكر أنه لم يكن من ضمن السكن العشوائي. وعندما وصلت للقطعة الممنوحة لي وجدت منزلاً كاملاً مبنياً بصورة جيدة وأسرة كبيرة تسكن في ذلك المنزل وصاحب المنزل بيده عقد بموجب تقنين السكن العشوائي. ولذلك رجعت لسلطات الأراضي التي لم تجد لي حلاً وعليه ذهبت للمحكمة وقدمت عريضة بالدعوة التي نحن بصددها.

هذه هي باختصار قصة المواطن الذي ادعى ملكية القطعة 811 كما سمعتها منه. ماذا قالت سلطات الأراضي بأم بدة التي جيء بمسؤولها شاهداً أمام المحكمة؟.

"اعترفت أراضي أم بدة بالخطأ الذي وقعت فيه، والمتمثل في إصدار عقدين لقطعة واحدة، وأكدوا تحملهم للخطأ بتعويض المدعي بقطعة أخرى حتى لا يتضرر "أحمد" الذي أصبح له منزل مكتمل في القطعة المذكورة والتي خصصت له بموجب تقنين السكن العشوائي.

مستخلص الأقوال من الأطراف الثلاثة المدعي والمدعى عليه وسلطات الأراضي أن القضية أصبحت واضحة وحلها واضح، إلا إذا كان القاضي يتعامل مع القانون بأنه حمار جامد النصوص والمواد.

"القانون باختصار يقول: من بيده شهادة بحث فهو الذي يكسب، او كما جاء في النص". ولكن منطق الأشياء ينظر في متى كانت شهادة البحث، ومن الذي يستحق، الساكن عشوائي ومنح الأرض، أم المعوض بسبب آخر، وما هو الوضع الآن، وهل القانون وضع لإقامة العدل بين الناس، أم جاء لظلم الناس بنصوصه الجامدة ومواده الخرصانية؟.

شهادة البحث ليست شيئاً منزل وإذا قيد التعامل معها إلا بواسطة سلطة عليا فليس هنالك ما يمنع من رفع الأمر للسلطة العليا. وفي ظني أن القانون أعطى الحق لشهادة البحث بغرض ضبط الأمور، اما القاضي فمن واجباته إقامة العدل بين الناس بحيث لا يقع ضرر أو ضرار.

أما إذا تمسك القاضي بحرفية القانون فعلينا أن نبحث أين نجد حمرنة القانون. الشيء الغريب أن سلطات الأراضي كلما عرضت قطعة لتعويض المدعي خرج لهم بعيب في القطعة "من شاكلة: هذه ليست في شارع رئيسي"، وغير ذلك. والرجل كان قاضياً تقاعد على المعاش!!!.

طلب أحمد صاحب المنزل أن تقوم المحكمة بزيارة القطعة لتقييم ما بني عليها ولكن المحكمة رفضت، مر على القضية عدد من القضاة خلال عدد من السنين، ومن المفارقة أن جميع القضاة كانوا من النساء!!

عندما تعددت الجلسات وفشلت سلطات الأراضي في اقناع المدعي بالتعويض في موقع آخر، وعندما نفد صبر إحدى "القاضيات" بالقانون حمار، صدر الحكم وجاء كالآتي:-

"حكمت المحكمة على المواطن أحمد علي الذي منح القطعة 811 بموجب خطة تقنين السكن العشوائي بالآتي:-

إزالة منزله وإزالة الأنقاض.

التكفل بمصاريف المحكمة.

تسلم القطعة للمدعي.

يتم تعويض المواطن أحمد بقطعة بديلة.

من هنا يظهر للمتابع دور القاضي في الوصول إلى حكم عادل. فإذا تعامل بالقانون على أنه نصوص ومواد جامدة، يصبح من حق الناس وصف القانون بأنه حمار، وليس في ذلك عدل، أما إذا تعامل القاضي بالقانون على أنه نصوص ومواد وضعها المشرع لتحقيق العدل وليس لظلم الناس، فالقانون ليس منزلاً وسيجد القاضي كيف يحقق العدل دون الإضرار بطرف من الأطراف وعليه يصبح لا وجود للحمار.

صدر الحكم وأصبح نافذاً وعلى المواطن "أحمد" الذي أمضى 16 سنة يسكن في تلك القطعة أن يقوم بهدم المباني وإزالة الأنقاض ودفع الرسوم، فماذا حدث؟ توفي صاحب الدعوى رحمة الله عليه، وكان قد وصى أبناءه بالوصول إلى حل مع أحمد بمساعدة أهله، اشترى المواطن أحمد القطعة 811 التي منحت له كما ذكرنا ودفع قيمتها بالكامل بعد أن فرزت المساحة التي قامت عليها المباني "كنت من ضمن الوسطاء" ووفقنا الله للوصول إلى حل بالتراضي يقبل به الطرفان، على أن يعوض المواطن أحمد بقطعة بموجب الحكم الصادر.

هكذا أسدل الستار على قضية كانت بين يدي عدد من القضاة من النساء ولمدة وصلت إلى ما يقرب من الخمس سنوات، لم تخرج أي منهن عن دائرة التمسك بحرفية القانون فجعلت من القانون حماراً وهو بريء من كونه حماراً.

نواصل

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
5 + 7 = أدخل الكود
جديد المواد
جديد المواد
خيركم خيركم لأهله - ابراهيم الرشيد
مصر يا عداوة الأشقاء !! - ابراهيم الرشيد
السياحة.. بنيات تحتية - ابراهيم الرشيد