هل القانون حمار؟؟ (5)

عرض المادة
هل القانون حمار؟؟ (5)
8307 زائر
17-12-2015

في المقال السابق تحدثنا عن محاكمة السيد إدريس البنا بواسطة المحكمة الخاصة والحكم الذي صدر في حقه، وكيف تعاملت محكمة الاستئناف العليا مع ملف القضية على ضوء الطعن المقدم من المتهم، والقرار الذي أصدرته محكمة الاستئناف بعد فحص حيثيات القضية بواسطة أعضاء المحكمة ونائب الأحكام. وخلصنا إلى حقيقة متى يكون القانون حماراً.

في مقال اليوم سأكتب عن قضية مواطن أمام القضاء والتي انتهت بنزع منزله تعويضاً لشخص آخر.

وفي نهاية الحكاية على القارئ أن يجيب على السؤال، هل القانون حمار ؟.

وإلى حكاية المواطن أحمد.

أحمد مزارع امتهن الزراعة رغبة وحباً وهو في الأصل ابن مزارع ونشأ في الحقل والبستان. صادق مشاريع النيل الأبيض والدالي والمزموم وأصحابها وعمالها وأصبح رقماً بين أولئك الغبش.

جاء بأسرته من الشمال واختار العاصمة ليقيموا فيها في بيت إيجار صعب عليه الوفاء بالإيجار. سعى لامتلاك أرض سكنية ولكن شهادة السكن للأعوام السابقة وعدم الإقامة بالعاصمة لا تعطيه الحق في امتلاك قطعة سكنية. فاختار الطريق الشاق وانضم في أوائل السبعينات للغبش في السكن العشوائي وحط رحاله ورحال أسرته بقطعة أرض في الحارة العاشرة أم بدة غرب مجمع استيم الآن.

امتد السكن العشوائي في تلك المنطقة جنوباً وشمالاً وغرباً إلى ما لا نهاية ووجدت السلطات ضرورة تقنين سكن هؤلاء الأسر. تم تخطيط الحارات شوارع رئيسية وفرعية وميادين خدمات وحصرت أعداد القطع السكنية بداية بمربع واحد ومربع عشرة وتم حصر المقيمين على الأرض عشوائياً في كشوفات بواسطة سلطات الأراضي واستخرجت العقودات للمستحقين.

صاحبنا أحمد كان من ضمن المستحقين وعندما زارته اللجنة وقتها وجدته يقيم في منزل مبني به غرف ومنافع وسور وتقيم أسرته وبناته وأولاده في المدارس وزوجته حبلى بابنها قبل الأخير. باركت له اللجنة بتقنين سكنه وسلم العقد للقطعة (811) وسط فرحة ابنائه وجيرانه.

بدأ أحمد في تحسين منزله فأصبح له صالون وغرفة لأبنائه و(برندة) ومطبخ وحمامات وسور لمنزله وفي الجزء الفاضي زرع فيه نخلة وليمونة وشجرة جوافة. وأصبح عضواً في لجنة الحي وعضوا في لجنة الجامع المجاور له وبموجب العقد أدخل أهل الحي الكهرباء والماء بعقودات. ونمت الألفة بين أصحاب الحي في الأفراح والأتراح.

وفي رمضان بصوانيهم في الشارع أمام ديارهم والأبواب مشرعة بينهم مفتوحة لتداخل الأسر والأطفال.

هذه قصة أحمد خلال السبعينات والثمانينات، كبر الأولاد ودخل بعضهم الجامعات وتخرج بعضهم ودخل أحد الأبناء الكلية الحربية. كان ذلك عندما بدأ سيناريو الفصل الثاني من القصة وكان مسلسل هذا الفصل تحت عنوان: هل القانون حمار، أم تشابهت الحمر على الناس؟؟.

والحكاية بدأت بحضور مواطن موظف في الخدمة المدنية في جهاز سيادي، طرق باب منزل أحمد، المنزل الذي قنن له بعد أن كان عشوائياً واستلم عقده وأدخل الكهرباء والماء بموجب العقد وأصبح أحمد عضواً نشطاً في لجان الحي.

والطارق يحمل في يده أوراقاً وقال مخاطباً أحمد هذه القطعة التي أنت عليها خصصت لي بموجب هذا العقد وشهادة البحث المرفقة.

تجمع أهل الحي الذين شاركوا أحمد قسوة الحياة عشوائياً لسنين عدداً، وشرب الماء من ظهر الحمير، وظلام الليل وهم يحسبون النجيمات البعيدة التي تضيء لهم عتمة الأسحار وهم يتحسسون طريقهم لصلاة الفجر في مصلاهم العشوائي الذي بنوه بالقنا وسعف الجريد.

بهت أحمد وهو يسمع كلمات الرجل، وأهل الحي يتندرون، تعالوا اسمعوا الزول ده بيقول شنو؟.

ويضيف آخر، خلاص الأرض ضاقت على اتساعها وما فضل لي ناس الأراضي غير بيت أخونا أحمد ليعطوه لك تعويضاً؟.

الشاهد القضية وصلت المحاكم وفتح لها ملف وأصبح النزاع أمام منصة القضاء، وأطرافه هم:-

الطرف الأول:

أحمد صاحب السكن العشوائي الذي قنن له وأصبح في يده عقد أنجز به احتياجات أسرة من خدمات، كهرباء وماء وزرع في بيته وحصد وأكل ووسع في مرافق سكنه.

(الطرف الثاني):

المواطن الذي منح تعويضاً عن حق طالب به ووقع التعويض على القطعة التي يقيم فيها أحمد.

(الطرف الثالث):

سلطات الأراضي التي أصدرت عقدين لقطعة واحدة العقد الأول لصاحب السكن العشوائي الذي قنن وأصبح خطة إسكانية، والعقد الثاني لاحقاً لمواطن استحق تعويضاً ما، على حق ما..

والقضية أمام محكمة أم درمان استمرت لعدد من السنين ومر عليها عدد من القضاة جميعهم نساء.

وبما أن الحديث سيطول ومساحة المقال لا تتسع للوقائع سنقف اليوم عند هذا الحد ونواصل في المقال القادم الذي سنتطرق خلاله لما دار في بعض الجلسات، ونتناول بعضاً من أقوال صاحب المنزل وأقوال صاحب التعويض وإفادة سلطات الأراضي. ثم نخلص إلى قرار المحكمة وكيف كانت المفاجأة بالقرار وماذا حدث بعد ذلك.ويظل السؤال قائماً :هل القانون حمار ؟!.

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
7 + 6 = أدخل الكود
جديد المواد
جديد المواد
خيركم خيركم لأهله - ابراهيم الرشيد
مصر يا عداوة الأشقاء !! - ابراهيم الرشيد
السياحة.. بنيات تحتية - ابراهيم الرشيد