هل القانون حمار؟ (4)

عرض المادة
هل القانون حمار؟ (4)
7818 زائر
15-12-2015

في المقال السابق تحدثت عن تجربتي كصديق لمتهم أمام مجلس عسكري عالٍ تم تشكيله لمحاكمة الملازم أول فؤاد محمد علي الدفعة عشرين، وتطرقت لمدى تخوفنا من حمرنة القانون.. وتحدثت عن سير المحاكمة وتعامل أعضاء المجلس مع القضية، وتطرقت للحيثيات الرصينة والمتماسكة التي قدمها نائب الأحكام مفنداً الادعاءات التي قدمت ضد المتهم، الشيء الذي جعلنا نطمئن يومها أن القانون بريء من أن يوصف بأنه حمار، متى ما كان الذين كلفوا بتطبيقه أصحاب خبرة وخلق وتجرد ونزاهة. وفي ختام المقال وضحت كيف انتصرت قضية الدفاع على قضية الاتهام.

نواصل اليوم ما انقطع من حديث.

وعدنا في المقال السابق بالكتابة عن تجربتي الثانية في مجال التقاضي بعد الحديث عن التجربة الأولى كصديق للمتهم ومدى الخبرة التي اكتسبتها من تلك التجربة.

بعد استيلاء الإنقاذ على السلطة يونيو 1989م تم تعطيل عمل المحاكم بمستوياتها المختلفة وتم تشكيل عدد من المحاكم الميدانية، سميت محاكم الأسواق، وتشكيل أربع محاكم عليا، سميت المحاكم الخاصة "1،2،3،4" موزعة على العاصمة ومحكمة استئناف عليا. تم تشكيل محكمة الاستئناف من شخصي "العميد الركن وقتها، إبراهيم الرشيد رئيساً، والعقيد الركن حقوقي ميرغني البيلي عضو يمين، والعقيد الركن ملاح جوي عبد الوهاب عضو يسار، ومولانا الأستاذ عوض الحسن النور نائباً للأحكام.

هذه التجربة بالنسبة لي في مجال التقاضي جاءت بعد خبرة تراكمية امتدت إلى عشرين عاماً رأت الجهة الآمرة بتشكيل المحكمة أنني يمكن أن أقوم بذلك التكليف ولدي من الخبرة ما يؤهلني لذلك. كان المسؤول عن هذه المحاكم العميد الركن التجاني آدم الطاهر عضو المجلس العسكري ورئيس الدائرة القانونية.

نظرت المحكمة عددًا كبيراً من قضايا المحاكم الميدانية وأصدرت فيها قرارات نافذة، وكذلك ورد للمحكمة عدد من القضايا التي نُظرت بواسطة المحاكم الخاصة مطعون في قراراتها. كانت أشهر تلك الطعون الطعن المقدم من هيئة دفاع السيد إدريس البنا عضو مجلس رأس الدولة ضد الحكم الصادر بحقه من المحكمة الخاصة رقم (2) بالسجن عشرين عاماً.

بعد استلام الطعن وملف القضية ومراجعة سلامة الطعن شكلاً ومضموناً، واستيفائه شروط الوقت والتاريخ، بدأت المحكمة بكامل عضويتها فتح ملف القضية والبدء في النظر في الطعن.

الشاهد أنني اتبعت أسلوباً قد يكون مختلفاً عما هو متبع في المحاكم المماثلة المدنية. وضعنا السرية مبدأ أساسياً لتحييد أي مؤثرات خارجية "وهذا لا يحدث في المحاكم المدنية اليوم". وبناء على ثقتي التامة واطمئناني على كفاءة ومصداقية ونزاهة وتجرد أعضاء المحكمة ونائب أحكامها، وثقة فيما يوصفون به من خلق واستقامة بعيدًا عن أي تأثير سياسي أو جهوي أو قبلي "بخلاف ما يحدث اليوم" وبصفتهم القانونية وقدراتهم المهنية وإلمامهم بالقانون دراسة ومعرفة وعلماً وتخصصاً، وبما لمسته فيهم من تعامل مع القانون بأنه ليس كما يوصف بأنه حمار، بناء على ذلك تم ترتيب التداول في أوراق القضية، أعضاء المحكمة أولاً ثم رئيس المحكمة ونائب الأحكام، وبعد ذلك التداول كهيئة محكمة للوصول إلى القرار النهائي.

لقد كانت الآراء متقاربة جداً الشيء الذي وفق المحكمة في إصدار قرارها موحداً بموجب الحيثيات التي وضعت وكان القرار على النحو الآتي:

  • إلغاء الأحكام الصادرة في حق المتهم السيد إدريس البنا.
  • شطب القضية موضوع البلاغ.
  • إطلاق سراح المتهم.

في نظري وقد أكون مخطئاً أن تلك التجربة كانت في قمة نزاهة وتجرد التعامل مع القضايا للوصول الى قرار عادل.

وما نراه يحدث اليوم أن أي قاض في محكمة استئناف عليا يمكن أن يوقع على قرار المحكمة نيابة عن قاض آخر، وقضاة في دائرة من دوائر الحكم يوقع على قرار دون إبداء رأيه كتابة وموثقاً بتوقيعه، يشكك ذلك في أن البعض يتعامل مع القانون بأنه حمار، أو أن ما يطبق عليهم القانون هم حمر جاهلة لا تعرف حقوقها وبكل أسف أن ما نشير إليه واقع ونافذ. فهل هؤلاء فعلاً يتعاملون بمفهوم، القانون حمار؟؟ أم ماذا؟؟.

في المقال القادم سأتناول فيه قضية مواطن حكايتها ستوضح للقارئ الكريم، ما إذا كان القانون حماراً، أم الحمير على أشكالها تقع!!.

ونواصل..

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
9 + 8 = أدخل الكود
جديد المواد
جديد المواد
مصر يا عداوة الأشقاء !! - ابراهيم الرشيد
السياحة.. بنيات تحتية - ابراهيم الرشيد
الأحزاب مقطوعة الطاري - ابراهيم الرشيد