هل القانون حمار؟ (3)

عرض المادة
هل القانون حمار؟ (3)
7822 زائر
13-12-2015

ذكرنا أن الناس تصف القانون بأنه حمار، وحتى القضاء الواقف عندما يدور نقاش حول إحدى مواد القانون أو نصوصه "اختلافا" يقولون، ألم نقل لكم إن القانون حمار، وإن حمرنته لا تعفي من يجهل بنصوصه ومتاهات دروبه وما نؤدي إليه.

وخلصنا إلى أن خريجي الكلية الحربية من الضباط يتم تأهيلهم في مجال التقاضي وإجراءات المحاكم وتتواصل خبرات الضباط خلال تدرجه في الرتبة والتأهيل وبذلك تكون له قدرات تراكمية في مجال التقاضي تمكنه من ممارسة العمل القضائي في أعلى مستويات المحاكم.

وعدت في المقال السابق بالكتابة عن تجربتين، من عدد من إجراءات التقاضي شاركت فيها، مارست في إحداهما القضاء الواقف كصديق للمتهم وفي الثانية رئيس لمحكمة الاستئناف العسكرية العليا التي تم تكوينها مع بداية حكم الإنقاذ.

ونبدأ بالتجربة الأولى:

كان المتهم في القضية المشار اليها الملازم أول فؤاد محمد علي، الدفعة عشرين وكانت التهمة الموجهة إليه قد يصل الحكم فيها إلى السجن المؤبد مع التجريد من الرتبة والحرمان من الحقوق والطرد من الخدمة.

اتهم الملازم أول فؤاد بعصيان أمر قانون صادر له من ضباطه الأعلى، وعدم تنفيذ مهام الطوف المكلف به ليلا للمشاركة في تأمين منطقة أم درمان، بما يعني التعاطف مع الحركة الانقلابية كان رئيس المجلس العسكري العالي لمحاكمته وقتها،

سيادة العقيد الركن فوزي الفاضل الذي أصبح لاحقا القائد العام للقوات المسلحة، وكان عضو اليمنى سعادة المقدم الركن بكري المك موسى الذي أصبح لاحقا المدير العام لشؤون الضباط وواليا للإقليم الشرقي، بالإضافة لعضو آخر ونائب للأحكام "مدني" وممثل للاتهام.

رشحني الأخ فؤاد وهو دفعتي لأقوم بمهام صديق المتهم ورفض تعيين محامٍ بالرغم من النصائح التي نصح بها باختيار محامٍ له خبرة في مثل هذه القضايا.

حاولت إثناء الأخ الملازم أول فؤاد من ترشيحي باعتبار أن خبرتي في مجال التقاضي وقتها لا زالت في بداياتها لا سيما أن المجلس مشكل من ضباط مشهود لهم بالخبرة الطويلة والمعرفة الواسعة وأن الحديث عن هذه القضية أصبح رأيا داخل القوات المسلحة سلبا أو إيجابا.

كان إصراره بالتمسك برتشيحي شديدا ورفض مشاركة أي محامٍ للدفاع عنه.

لم يسبب ذلك الإصرار فقط كان يقول لي إنني متفائل بكسب قضيتنا.

بعد اطلاعي على مجلس التحقيق ومستخلص الأقوال ورأي المجلس، وبعد الرجوع لخلاصة البينات وورقة الإدعاءات، شعرت بأن المسألة ليست ببساطة نظرة الأخ فؤاد لها، وإن الأمر حقا عظيم.

بدأت اراجع بعض السوابق والقضايا المماثلة، وجلست إلى عدد من المحامين الكبار استرشد بخبراتهم واتلمس الأسئلة التي تعينني في مهمتي.

لقد كان خلاصة ما خرجت به عن كيفية أو طرق إلقاء ظلال من الشك في صحة الاتهامات الموجهة للمتهم وتماسكها للوصول بالمنصة إلى ضعف حيثياتها.

عقدت عددا من الجلسات وعند بداية كل جلسة كنت اتطلع بحرص على اوجه أعضاء المحكمة وفي ذهني مقولة: "إن القانون حمار، وتتوقف مدى حمرنته، إلي من كلف الحكم به"!!

كنت اقول للأخ فؤاد بعد كل جلسة ممازحا له، والله يا فؤاد إذا كان القانون كما يصفونه حمارا، فأنت في أمر ضيق، وإذا كان الذين يحكمون به يعتبرونه حمارا، فأنت أيضا في أمر ضيق.

ويعلق الأخ فؤاد قائلا ما اراه في أعضاء هذه المحكمة ونائب الأحكام أنهم أكبر من أن ينظروا للقانون ويتعاملوا به على أنه حمار. دعنا كما خططنا أن نلقي بظلال من الشك على الإدعاءات واحد تلو الآخر.

لقد كان ثبات الأخ فؤاد كبيرا وكان جداله عظيما وكان كل ما اشتد الضغط علينا طلبنا رفع الجلسة لكي نرجع لمذكراتنا ونراجع خط دفاعنا. لقد كانت ملحمة ضرام، واكتسبنا من خلالها خبرة عظيمة وأداء متميز وتحقق لنا بكل المقاييس الانتصار في قضيتنا.

استطعنا أن نجعل من اقوال شاهد الاتهام الأول قائد كتيبة المدفعية الملحوق عليها المتهم استطعنا أن نجعلها داعمة لقضية الدفاع وكذلك شهادة آخرين.

لقد كانت المفاجأة كبيرة عندما قدم نائب الأحكام وهو قاضي مدني مشهود له بالمعرفة الواسعة بالقوانين وبالنزاهة والتجرد فاجأ المحكمة والاتهام ونحن أيضا بقوة الحيثيات التي خرج بها وتماسكها تفنيدا للاتهامات المقدمة ضد المدعى عليه بأنها لا تقوم على أي بينة تثبت الفعل والنوايا وبذلك أصبح لا صحة للتآمر وعصيان الأوامر، فقط أن إهمالا وقع من جانب المتهم بعدم متابعة جدول الدوريات والتأكد من توقيتاتها.

فصدر الحكم على الملازم أول فؤاد محمد علي بالتكدير الشديد الذي يفقده اقدميته في دفعته. هنا سقطت مقولة إن القانون حمار ورفع عن أعضاء المحكمة ونائب أحكامها الفهم بأن القانون حمار!!

وهكذا خرجنا من تلك التجربة والممارسة بزخيرة كبيرة من المعرفة بإجراءات التقاضي، وجزء من الإجابة على السؤال، هل القانون حمار؟

القراء الكرام ليس لدى متسع من المساحة لأواصل الكتابة عن التجربة الثانية التي ذكرتها في المقال الأول ونواصل ذلك في المقال القادم إن شاء الله، تحت عنوان هل القانون حمار؟

نواصل..

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
8 + 4 = أدخل الكود
جديد المواد
جديد المواد
مصر يا عداوة الأشقاء !! - ابراهيم الرشيد
السياحة.. بنيات تحتية - ابراهيم الرشيد
الأحزاب مقطوعة الطاري - ابراهيم الرشيد