الحوار الوطني السوداني

عرض المادة
الحوار الوطني السوداني
9001 زائر
11-05-2014

أمين بناني

على المؤتمر الوطني أن يتخلى عن روح السلطة ويجلس مثله مثل الأحزاب الأخرى ويدلي بدلوه في أي قضية مطروحة للحوار

الحوار الذي انطلق وتوقف يجب ألا يكون بين (معارضة) و(سلطة) بل لا بد أن يكون بين اتجاهات متباينة

توحيد السودانيين عبر الحوار المدخل السليم لإعادة بناء السودان على قيم الحرية والعدالة الاجتماعية

الحوار قيمة إنسانية عظيمة وممارسة اعتقادية وفلسفية عريقة شهدها الإنسان الأول وهو يستمع إلى المولى الكريم يخاطب الملائكة المكرمين ويتقبل الجدال من إبليس اللعين، وهي نفس الذات الإلهية التي تستمع على مستوى الغيب والشهادة لحوار عجيب بين تلك السيدة الأنصارية المظلومة مع سيد الخلق وخاتم المرسلين (والله سميع بصير).

وقد حققت الأمم المتحضرة بالحوار ما لم تحققه بالحرب أو بالمكابرة والإعراض – فكل الذين رفضوا الحوار عبر التاريخ خسروا أنفسهم وقضيتهم وأضاعوا مكاسب كبيرة يمكن أن تتحقق لهم ولشعوبهم وللبشرية من ورائهم، وهذا واضح في التجارب الحضارية التي يحكيها القرآن من عصر نوح عليه السلام إلى يومنا هذا. الأمة الإسلامية هي أمة الحوار والجدال بالتي أحسن والحوار هو سبليها لإبلاغ الإنسانية بأسمى المعاني والمضامين الأخلاقية والعقلية والفلسفية في لغة هادئة وهادفة وغنية كتلك التي تُقرأ في حوار الأنبياء مع أقوامهم الضالين.

وقد ينطلق المتحاوران من قاعدة واحدة ومن مسلمات واحدة كحوار المسلم للمسلم ويصبح الحوار في هذه الحالة في قضايا فرعية وينحصر الحوار في الأمور الظنية التي تحتمل أكثر من معنى بواسطة منهج التفسير والتأويل، ويكون للأسلوب في الحوار الإسلامي ـ الإسلامي مكانة خاصة إذ يجب على المسلم أن يخاطب أخاه المسلم بروح طيبة ينشد كلُّ واحد منهما (الحق) ويدعم كل واحد منهما رأيه لا الهزيمة أخيه المحاور وإفحامه والانتصار عليه- لكن للأسف الشديد طغت روح المناظرة على روح الحوار في تراثنا الإسلامي المتأخر، وأصبح الحوار الإسلامي ــ الإسلامي على جميع الأصعدة لا ينتج خيراً ولا يثمر ثمرة وسادت روح التعصب واحتقار الآخرين فانتهت الأمة المسلمة الواحدة إلى فرق ومذاهب تختلف على الأصول والثوابت، انطلاقاً من الفروع حتى انتهى بهم الأمر أن ينقسموا إلى مئات الفرق المختلفة حتى في (العقيدة) الدينية ناهيك عن الأيدلوجيات الفكرية، وهذا عين ما نهى عنه الإسلام حين خاطبهم (أن أقيموا الدين) ــ العقيدة ــ ولا تتفرقوا فيه وأخبرهم بأن هذا النهج من الحوار سينتهي حتمًا إلى فرقة وفشل وضعف (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ).

وقد يكون الحوار بين طرفين بينهما مشتركات أساسية وتقارب في المواقف تدعمه شواهد من الفكر والتاريخ كما هو الحال في الحوار بين المسلمين وأهل الكتاب ــ إذ يناديهم المسلمون أن (تعالوا) من موقع الاعتراف بهم (يا أهل الكتاب) وإذ يطلب منهم الارتقاء بالحوار إلى تحقيق الوحدة الدينية على مستوى مرحلة التأسيس وهي ملة إبراهيم أبو الأنبياء ــ ويأمر القرآن المسلمين أن يجادلوهم بالتي هي أحسن وبالتي هي أقوم ما لم يتجاوزوا هم حدود المألوف والمعروف من آداب الحوار في خطابهم اللغوي الذي يسميه ظلمًا: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ).

وقد يكون الحوار مع طرف لا تجمعك معه ثوابت ولا مشتركات كالحوار بين المسلم والكافر بالله تعالى ــ وهنا فإن منهج الحوار لدى المسلم لا بد أن يقوم على قاعدتي العقل والصبر حتى يتمكن من توصيل معاني التوحيد لتلك الأعين العمي والآذان الصم والقلوب الغلف، ويحق للمسلم بما يؤمن به من حقائق قطعية ويقينية أن يحاور الكافر بأدب العالم مع الجاهل، والكبير مع الصغير وأن يتقبل منطق الآخر بقدر عالٍ من المسؤولية العلمية الأخلاقية فلا يلجأ للمهاترات والمناقشات التي تدنس دينه ومعتقداته (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ).

الحوار الوطني السوداني يندرج تحت الصنف الأول وهو الحوار الإسلامي الوطني إذ أن الكل ينطلقون من قاعدة فكرية واحدة ــ ولا يتوهم الناس أن طرح العلمانية والدولة المدنية يعني أن الأساس الفكري للعلمانيين يقع خارج إطار الدائرة الإسلامية الوطنية ــ فالعلمانية والدولة المدنية ما هي إلا أطروحات جزئية تحاول الفكاك من أسر التحيزات الدينية الضيقة والمتعصبة أو محاولة لاستيعاب مفاهيم إنسانية وكونية سائرة اليوم ويعتبرها بعض الإسلاميين خروجاً عن النص الإسلامي، وكل هذه الأمور تتلاشى عند بداية أي حوار فكري وسياسي جاد وسوف يمهد هذا الحوار لكتابة دستور دائم للبلاد يحترم ثوابت الأمة الدينية ويؤكد التزاماتها الوطنية ويجعل السودان وطناً لأبنائه بمختلف سحنهم وإقاليمهم ونزعاتهم الفكرية ــ دستور يجعل الحوار داخل مؤسسات المجتمع والدولة هو السبيل الأوفق للتوافق.. على كلٍّ الأمر يتعلق بوحدة البلاد وسلامتها وتحقيق الأمن والاستقرار والتقدم لشعبها.

الحوار الوطني الذي انطلق وتوقف يجب ألا يكون بين (معارضة) و(سلطة) بل لا بد أن يكون بين اتجاهات متباينة تجتمع للوصول إلى توحيد الرؤى إن أمكن أو إلى تقارب يضيِّق فجوة الخلاف ويؤدي إلى (تعايش) سلمي بين هذه التيارات المتباينة وتصبح الحرب محرمة كوسيلة لحسم نقاط النزاع.

إن على المؤتمر الوطني أن يتخلى عن روح السلطة ويجلس مثله مثل الأحزاب الأخرى ويدلي بدلوه في أي قضية مطروحة للحوار، ويتقبل النتائج حتى ولو كانت مخالفة لرؤيته بقدر كبير.

كذلك يجب على الحزب الحاكم أن يوحد إرادته الداخلية للحوار ويكبح جماح القوى التي تعارض الحوار ليس بقمعها أو طردها من صفوفه ــ ولكن بجرها إلى مائدة الحوار لعلها تتذكر أو تخشى. يجب أن يكون هدف نظام الحكم الوصول إلى حلول تجعل الآخرين يشاركونه في إدارة شؤون البلاد وتحمل المسؤولية كاملة معه خاصة قضايا الحرب والسلام ومواجهة التردي الاقتصادي الذي يواجه البلاد.

إذا اشترط المؤتمر الوطني على بعض القوى المحاورة له أن تعمل على وقف الحرب الدائرة والمساعدة في استجلاب أموال من الخارج فإن النتيجة ستكون فشل هذا الحوار لأنه ليس بمقدور الأحزاب السودانية وقف الحرب الدائرة ضربة لازب ولا توفير أموال لإدارة أمور البلاد ــ لكن المطلوب أن يكون هدف الحوار هو توحيد الإرادة الوطنية لمجابهة الأخطار الداخلية والخارجية وتحمل الكل مسؤوليات النجاح والفشل.

إن توحيد السودانيين عبر الحوار هو المدخل السليم لإعادة بناء السودان الحديث على قيم الحرية والطهارة والعدالة الاجتماعية.

وإذا ادعت بعض القوى السياسية أنها قادرة على وقف الحرب واستجلاب موارد مالية للبلاد مقابل مشاركتها في السلطة بصورة أساسية لا شكلية فإن مصير مثل هذه القوى هو الفشل الذريع، لأن تحديات الحياة تتجدد والمشاهد على مسرح الحياة تتغير، فأمر السودان كل يوم هو في شأن ولا سبيل لمواجهة هذه التحديات المتجددة والمشاهد المتغيرة إلا بالتحاور البنّاء مع هذه التحديات والتفاعل الإيجابي مع هذه المشاهد ضماناً لمسيرة السودانيين الهادفة إلى التغيير.

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
9 + 6 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية
جديد المواد
جديد المواد