الفساد والـ "50" ورقة

عرض المادة
الفساد والـ "50" ورقة
1267 زائر
31-10-2015

جاء في الأخبار أمس أن اللجنة الاقتصادية التابعة للحوار الوطني تلقت "50" ورقةً لمحاربة الفساد، والإصلاح المؤسسي وضبط الإنفاق العام.. خمسون ورقة تتحدث وتقترح طُرقاً لمحاربة الفساد ولجمه، طالما أصبح أمراً يشغلُ كل القوى السياسية، وتتناوله أحاديثُ المدينة، ويسيرُ به الركبان، وفي تقديري المتواضع أن محاربة الفساد لا تحتاج إلى "50" ورقة أو "60" ولا قوانين جديدةٍ ولا آلياتٍ ومفوضياتٍ جديدةٍ ولا جيشٍ جرارٍ من الموظفين والمسؤولين يتم تعيينهم بأجورٍعاليةٍ ومبانٍ وأثاثاتٍ ومخصصاتٍ وحوافز تُغني صاحبها عن راتبه طوال العام..

محاربة الفساد لا تحتاج إلا إلى أمرين فقط لا ثالث لهما: إرادة سياسية، والتحرر من الخوف.. أما الإرادة السياسية يجب أن تتوافر في مراكز صناعة القرار، ومؤسسات الدولة المعنية بتنفيذ القانون وكل الأجهزة الرسمية المختصة بذلك، وأما التحرر من الخوف، أعني به أن يتحرر كل الناس من قيود الخوف من جهابذة الفساد وأباطرته، وشبكاته ومخالبه وأظافره وأنيابه، وإلا فإنهم بصنيعهم الممقوت هذا يُغذَّون أغواله وتماسيحه وحيتانه بخوفهم وجبنهم وضعفهم.. فكم من واحدٍ يملك الأدلة الدامغة على فسادٍ قاتلٍ ومُدمرٍ لاقتصاد البلاد وشعبها فيصمتُ خوفاً من أن يصيبه أذى، وكم من شاهد يرى بأم عينيه مُفسداً يهلك الحرث والنسل، ويتطاول في البنيان وفي اللسان، ويأمر الناس بالعدل والإحسان، فيصمتُ خوفاً من بأسه وعلى أهل بيته من أن يصيبهم مكروها، وكم من صحيفةٍ يقع في يدها من السند والدليل فتخشى العواقب والمكاره فيظل سندها قابعاً في الأدراج والأضابير، ألم أقل إن الخوف من جهابذة الفساد هو الذي يغذي الفساد ويرعاه، ولا شك أن كثيراً من الناس لن يستطيعوا من الخوف فكاكاً ولن يقْدِروا على التحرر منه إلا بمساعدة الدولة التي بمقدورها أن تفعل وتحفزهم وتشجعهم على ذلك أن هي أرادت، لكن السؤال الجوهري والأهم: هل فعلاً تريد؟؟!! .

محاربة الفساد تحتاج فقط إلى إرادة سياسية قوية وصدقٍ في النوايا، فهل صدقت النوايا حقاً في محاربة هذا الأخطبوط القاتل؟ ومحاربة هذا الداء العقيم يحتاج منا جميعاً أن نتحرر من الخوف والمطامع والأهواء، وليعلم الناس أن القلب الذي يملأه الخوف من الله رب العالمين الرازق ذي القوة المتين، لن تُوجد فيه مكانةٌ لخوف من مخلوق مهما بلغت سطوته وبأسه، فالله أشدُّ بأساً وأشدُّ تنكيلاً، ألم أقل إن الأمر لا يحتاج إلى "50" ورقة عمل أو "60".. في عهد الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز الذي صدقت نواياه في الحرب على الظلم والفساد وامتلك الإرادة السياسية لذلك، كان المُبلِّغ عن الفساد يُكافأ على صنيعه، ويُأمَّن له في نفسه وماله وولده وأهل بيته حتى لا يصيبنه شرُّ من بلّغ بفسادهم، فهل ضمنت الدولة هذا العهد لـ "المُبلغين" الخائفين الذين يعجزون عن التحرر من الخوف.. اللهم هذا قسمي فيما أملك..

× نبضة أخيرة:

ضع نفسك دائماً في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين..

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
5 + 7 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية
جديد المواد
جديد المواد
الأوقاف.. يحليلك - أحمد يوسف التاي
القمة... قراءة أولى - أحمد يوسف التاي
احترامي للحرامي - أحمد يوسف التاي