انقلاب

عرض المادة
انقلاب
1040 زائر
20-09-2015

المهمة الأساسية لأي موظف في الدولة، سواءً كان هذا الموظف وزيراً أو خفيراً هو تقديم الخدمات للشعب دافع الضريبة والرسوم بأشكالها المتعددة، لكن للأسف الشديد حدث انقلاب عنيف في هذه الأدوار وتبدلت المفاهيم تماماً، ففي العالم الإسلامي حدث الانقلاب بعد نهاية عهد الخلفاء الراشدين، والخليفة عمر بن عبد العزيز، إذ تحول رجال الدولة وموظفوها إلى أباطرة وملوك يستأثرون بموارد الدولة ويحتكرون كل شيء حتى الصواب والحقيقة، ولم يتركوا للشعب إلا الفتات وما يسد الرمق، وهو ما ظل يحدث في كل بلادنا الإسلامية إلى يومنا هذا، وإذا قارنَّا واقعنا بالغرب نجد أن الذي حدث هو العكس تماماً بعد القضاء على "الإقطاع" والتمكين للديمقراطية فأصبح موظفو الدولة في خدمة الشعب بعد أن كان الأخير يعامل معاملة الرقيق، والقطيع إبان عصور الظلام، حينما كان النور يشِّع من وجوه حكامنا الأتقياء الأنقياء.. الانقلاب الذي حدث لوظيفة الدولة في العالم الإسلامي بعد نهاية دولة الخلفاء الراشدين، ما زالت الشعوب الإسلامية تعاني منه حتى يومنا هذا، وإلا أروني دولة إسلامية واحدة فيها الشعب هو سيد الكلمة، وهو صاحب الكرامة الموفورة، وهو الذي يسهر الحاكم لراحته، ويجوع ليشبع شعبه، لكن في المقابل ستجدون حكاماً، يستعبدون شعوبهم وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً، وستجدون أباطرة جاءوا إلى الوظيفة العامة حفاة عراة فبنوا أمجاداً وشهرة، وأصبحوا أعلاماً في غفلة الزمان.. الانقلاب الذي حدث في مفاهيم الوظيفة العامة في الدولة بدأ من خلاله موظفي الدولة صغاراً وكباراً بدءاً بالوزير وانتهاءً بالخفير، يتعاملون مع الوظيفة العامة، وكأنها "ملك خاص"، ومن أمثلة التشوهات التي تحتاج إلى ثورة عارمة للتصحيح، أن الحصانة الممنوحة للموظف لتسهيل مهامه المتعلقة بأدائه في الدولة، يستغلها للحماية "الشخصية" في حال ارتكاب المخالفات، وتجاوُز القانون وحماية "المصالح" سواءً كانت تجارة أو "جزارة"، وبسبب المحسوبية تحولت بعض المؤسسات الحكومية إلى مؤسسات وهيئات "عائلية" قد تجد في المؤسسة أكثر من عشرة يشتركون في اسم "الوالد" و"الجد"، والجواز الرسمي الذي يمنح للموظف يُستغل في الأسفار والتنقلات والتجارة.

إذن في رأيي أن المعضلة الأساسية التي تعاني منها الأجهزة التنفيذية في الدول الإسلامية بلا استثناء هي استغلال الوظيفة أو بمعنى أدق استغلال النفوذ والسلطة المستمدتين من الوظيفة الحكومية.. لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بقوة، ما الذي أوصل الدول الإسلامية إلى هذا التردي الأخلاقي وحالة الفساد بعد أن كانت الأنموذج الأفضل على الإطلاق في صدر الإسلام؟

عندما نتحدث عن هذه الأوضاع التي تندرج تحت قائمة الفساد، فإننا ندرك تماماً أن السودان – كما قال النائب الأول – ليس استثناءً من هذه الظاهرة.. نعود للسؤال المطروح: ما الذي أوصلنا إلى هذا الدرك السحيق؟!!! والإجابة في تقديري هي: حالة الإفتتان بالسلطة، هذه الحالة المرضية في رأيي غذَّت شهوة الحكم والتسلط في النفوس، بعد أن أفرغتها تماماً من الجوانب الروحية، فحدث التردي الأخلاقي والسلوكي وكل هذه التشوهات وهو ما أدى إلى الانقلاب على مفهوم الوظيفة العامة.

× نبضة أخيرة:

ضع نفسك دائماً في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين..

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
3 + 4 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية
جديد المواد
جديد المواد
ولا الحكاية معاندة !! - أحمد يوسف التاي
تطالب بإيه يا سعادتك؟! - أحمد يوسف التاي
الإهدار والسفه - أحمد يوسف التاي
مدارسنا.. أوكار المخدرات - أحمد يوسف التاي
صناعة الطغيان - أحمد يوسف التاي