أضحية على الطريقة السودانية..!

عرض المادة
أضحية على الطريقة السودانية..!
785 زائر
12-09-2015

إذا كان الوضع الاقتصادي في تمام عافيته، وفي كمال صحته، لما خرج علينا – أو إلينا – رئيس هيئة علماء السودان، البروفيسور محمد عثمان صالح، ليبيح للناس شراء خروف الأضحية بالدين، وليقول للناس – كل الناس إن اقتناء الأضحية بالتقسيط لا يتنافى مع صحيح العقيدة ولا مع أصل الدين..!

وظني، أن هذه الفتاوى الحديثة – ولا اقول المستحدثة – تعتبر ابناً شرعيا للأزمة الاقتصادية والضائقة المالية، إذ لم نكن على عهد بشراء الأضحية بالتقسيط، أو الاستدانة، حينما كانت الأمور على القدر الكافي من الرخاء.

عذراً، فأنا لستُ هنا من أجل تصويب أو مراجعة الفتوى، فذاك مضمار لا أملك الأرجل الراسخة والراكزة لتجري عليه، لكنني استطيع المشي بخيلاء مسنود بالمنطق، في ميادين تشريح الفتوى من منظور مجتمعي واقتصادي، وربما سياسي. ذلك أن شراء خراف الأضحية لم يكن هماً، حينما كانت العقيدة نفسها هماً، ولم تكن تشغل بال أحد، فقد كانت الخواطر والضمائر والأفئدة عاكفة على التقرب إلى الله بالطرق الصحيحة، المبرأة من الشبهات..! نعم لم يكن الحصول على الأضحية هماً، بل كان الهم ينصب في كيفية التعبد بها إلى الله، وكان الهم محصورا في الاقتداء بمواصفات الأضحية، وتحقق شروطها، وفقاً للمنظور الشرعي، وتجنبا لشراء الأضحية غير المستوفية لتلك المطلوبات.

الآن، وقد تبدلت السعادة بؤساً وشقاءً، واستحالت القدرة المالية إلى عوز خيّم على رؤوس أكثرية المواطنين، فإن واقع الحال يمضي في اتجاه إيجاد تخريجات فقهية، لتلافي الحالة الاقتصادية الماثلة حالياً. لكن بالمقابل هناك من يرى أن الاستدانة تقدح في فكرة التقرب إلى الله من خلال الأضحية، لكونها سُنة، وبالتالي لا يجوز تحويلها إلى فرض أو واجب. وهؤلاء يستدلون - في رأيهم هذا - بأن الحج يعتبر ركناً من أركان الإسلام، ومع ذلك لا يجوز أداؤه من خلال الاستدانة، كما أنه يسقط في حال عدم توفر القدرة المالية، فما بالك بالسُنة النبوية الهادفة إلى التقرب إلى الله تعالى.

وبالعودة إلى الواقع السوداني القريب، نجد أن الفقهاء أنفسهم قد أوصدوا باب الاستدانة لشراء الأضحية، وأغلقوا منافذ اقتنائها من خلال البيع بالتقسيط. وبالتالي ليس من دواعٍ لتكليف النفس فوق طاقتها. الشاهد أن هناك من ينظر إلى هذه الفتوى على أساس أنها تُشرعِّن وتؤسس لفوبيا "البوبار" بعدما تحولت الأضحية من شعيرة، يُتقرب بها إلى الله، إلى سلوك ومظهر مجتمعي، يتبارى فيه الناس، لشراء "الخروف الفخم"، بأثمان باهظة، بل إن هناك من يحرص على أن يكون الخروف يتمتع بصوت فخيم، بحيث يصم آذان الجيران.

اعتقد – والله أعلم – أن المنطق الفقهي والمجتمعي، يحتمان ضرورة أن تنشط هيئة علماء السودان في التبشير بأن الأضحية سُنة مؤكدة على القادر المستطيع، وإنها تسقط عن الفقير، وعن من يحتاج إلى ثمنها في ضرورياته وحاجياته الأساسية. وقبل ذلك ينبغي على الهيئة أن تبشِّر غير المستطيعين بالرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) ضحى بكبشين أملحين أقرنين، أحدهما عنه وعن أهل بيته، والآخر عنه وعمن لم يضحِ من أمته.

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
6 + 7 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية
جديد المواد
جديد المواد
من الذي تغيَّر؟ ..! - يوسف الجلال
سياسات متخبِّطة...! - يوسف الجلال
سياسات متخبِّطة...! - يوسف الجلال