التشكيلي محمد برجاس لـ (الصيحة)

عرض المادة
التشكيلي محمد برجاس لـ (الصيحة)
تاريخ الخبر 26-07-2015 | عدد الزوار 2011

الرؤية المستقبلية للفن التشكيلي في السودان تزداد عتامة وظلمة

الفن التشكيلي شكل واجهة مشرقة في جبين السودان

هناك فرق بين القاهرة والخرطوم من حيث اهتمام الدولة بالتشكيل

أتمنى أن يجد التشكيلي السوداني موطئ قدم في بلده حتى يعطي بلا حدود

محمد برجاس أحد فناني بلادي التشكيليين, آثر المهجر بالقاهرة لرفد ذاكرة الثقافة بمزيدٍ من الإبداع والذي تميّزت به قاهرة المعز كونها تصنع تراكمية بصرية تُشكّل روح الإبداع, نال بكالريوس الفنون الجميلة والتطبيقية وتخصص في التصميم الإيضاحي بكلية الفنون الجميلة والتطبيقية جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا, أقام عدة معارض داخل السودان ويُقيم الآن معرضاً بقاهرة المعز مقرّ إقامته, يحمل اسم(اتجاهات).

حوار/ تيسير الريح فضيل

ــ جدلية اللوحة بصور الواقع والإلهام ؟

إن الكون بأكمله يعتبر لوحة كبيرة يصعب تأطيرها, أما اللوحة المؤطرة أولاً: لا تنفك عن تلك اللوحة الكونية العظيمة وجزء لا يتجزأ منها, ثانياً: تنقسم إلى قسمين الأول يرتبط بالواقع ارتباطا كليا ووثيقا ولذلك هي رسم الواقع بكل تفاصيله لإبراز جماليات محددة أو للتوثيقRealisticسميت باللوحة الواقعية

أو لأي رسالة محددة يريد الفنان أن يبعثها وبالتأكيد مصحوبة بالإلهام لمغزى وفحوى هذه الرسالة وعمقها الجمالي والفلسفي والأيدولوجي, القسم الثاني هي اللوحة المةطرة التجريدية

Abstractهي أيضاً مرتبطه بالواقع لكن تختلف صورة تقديمها أو رسالتها بأنها مرتبطة ارتباطا قويا ووثيقا بالإلهام حيث أنها لا تكون واضحة المعالم كالواقع، ولكن تعتمد على التحليل والتعمق في اللوحة والتحليق في الخيال والتأمل, كما أنها تعتمد على الدلالات السايكولوجية للألوان, وفي اعتقادي أن هذا النوع من الفن يحترم عقل المشاهد للعمل الفني بأن يتيح له مساحة للتفكير والتأمل والتفسير أو حتى الخيال لتكون رؤية المشاهد جزءاً من رسالة اللوحة وإنشاء علاقة حميمة بين اللوحة والمشاهد ومن هنا تكمن المتعة البصرية في استحضار الماضي والذكريات الجميلة أو غيرها أو إطلاق العنان للعقل ليحلق في عوالم وأزمنة مختلفة إضافة الى المتعة البصرية والجمالية بالألوان وانسجامها مع بعضها وتكويناتها وسحرها الأخاذ.

ــ معارض برجاس داخل وخارج السودان؟

للأسف كانت بدايتي متعثرة حيث حرمتنا الدولة من إقامة معارض البكالاريوس في عام 2000م حيث كانت هذه المعارض ديدن كلية الفنون الجميلة منذ خمسينيات القرن الماضي, لكن شاركت في معارض جماعية مختلفة في عدة مدن في السودان وكان أول معرض فردي لي بمركز راشد دياب للفنون في يونيو 2008م ثم معرض بعنوان (ورديات) بالمركز الثقافي الفرنسي بالخرطوم في مايو 2010م، حيث كانت تجربة ناجحة وجديدة بالنسبة لي وكان المعرض عبارة عن استلهام من استماعي لأغنيات وألحان وكلمات الموسيقار محمد وردي، ونقلها بأحاسيس لونية, وكان آخر معرض لي بالسودان هو بعنوان (المعاناة والحرية) بمركز الخاتم عدلان للاستنارة والتنمية البشرية في أبريل 2012م، وكان عبارة عن تجسيد لواقع مرير يعيشه السودان، وعكس لمعاناة المواطن البسيط الذي يكافح من أجل لقمة عيشه وانعدام لمبادئ الحرية والعدالة وحقوق الإنسان. ثم انتقلت للقاهرة فأقمت معرضا بمركز نبتة للفنون في يناير 2013م بعنوان (جماليات الماضي) وآخر معرض لي بقاهرة المعز أيضاً بعنوان (اتجاهات) بجاليري جرانت افتتح في 7 يونيو ويستمر إلى 30 يونيو 2015م، قدمت فيه رؤية لاتجاهات مختلفة منها سر وجود المرأة في الكون ووجودها في مجتمعات مختلفة كما تناولت الرؤية الجمالية العميقة التي اتسمت بها الحضارات السودانية القديمة حضارة مروي وكرمة وغيرها أيضاً هناك اتجاه عن الترابط الإثني والثقافي والاجتماعي الذي كان يعيشه المجتمع السوداني قبل ما يسمى بثورة الإنقاذ الوطني أي قبل ربع القرن الأخير هذا .

ــ القاهرة هل هي تجدد بلورة فكرة التشكيل وأنت الآن مقيم بها ويقصدها معظم التشكيليين؟

إذا نظرنا للأمور بكل شفافية في هذه المسألة ليس هناك وجه مقارنة بين القاهرة والخرطوم من حيث اهتمام الدولة بالتشكيل أو الفنان التشكيلي وبكل بساطة السودان لا توجد فيه ولا صالة واحدة للعرض تتبع للدولة ونادراً ما تجد فيه صالة مؤهلة للعرض بصورة علمية هذا كله جعل القاهرة قبلة للفنانين التشكيليين السودانيين وأيضاً عواصم أخرى عربية وغربية قصدها التشكيليون السودانيون، والقاهرة لما فيها من حراك فني ثقافي تشكيلي كبير ومتسع من الحريات بكل تأكيد ستجدد بلورة فكرة ومضمون الفن التشكيلي لدي ولكل فنان حيث هنالك تلاقي الفنانين من جنسيات وثقافات مختلفة في المعارض والمنتديات الثقافية والتشكيلية تحديداً وتلاقح أفكارهم ورؤاهم يبعث في كل فنان زخماً إلهامياً عميقاً وكبيراً.

ــ لون يعطي اللوحة نفوذاً ؟

نعم للألوان رؤى عميقة ودلالات سايكلوجية واجتماعية وثقافية ودينية فمثلاً اللون الأخضر بدرجاته المختلفة يدل على النماء والخصوبة واللون الأزرق يعطي إحساساً بالراحة والعذوبة والطمأنينة، وموضوع دلالات الألوان السايكولوجية والاجتماعية وغيرها موضوع طويل ومتشعب ومعقد لكن ليس لدي لون محدد وعندما أقف أمام اللوحة أستصحب كل تلك المفاهيم والدلالات المعرفية للألوان لتوصيل إحساسي أولاً ثم فكرتي ومضمون اللوحة فلكل لون سحره وجاذبيته على حسب توظيفه في اللوحة وعلى حسب نقائه وأعتقد ميولي للون محدد أو مجموعة ألوان محددة، هذا من شأن النقاد لأنهم أدرى من ناحية التحليل والتدقيق والنظرة الفاحصة النقدية ولأنني أتعامل مع الألوان بكل عفوية ولا أجبر نفسي في إطار لون أو ألوان معينة.

ـ نظرة الفن التشكيلي عند برجاس بالسودان؟

إن الفن التشكيلي في السودان أصيل وعميق وقديم, فكل مُطّلِع على حضارة كرمة أقدم حضارة في التاريخ يعرف هذا وكذلك في حضارة مروي ونبتة وغيرها من الحضارات السودانية القديمة كان الفن التشكيلي حاضراً وبقوة, هنا لا أقصد اللوحة المؤطرة (ولو أنها ظهرت في جزء من تلك الحضارات) ولكن أقصد بالفن التشكيلي بمفهومه الكبير أي تشكيل الحرف والخط واللون والتعبير لايجاد أو إفراز منتوج جمالي وفكري كان موجودا في كل حضارات السودان وسمة بارزة ومميزه فيها ولكن باختلاف السنين والأحداث في السودان وظروف سياسية واجتماعية وثقافية كثيرة جعلت الاهتمام بالفن التشكيلي ضعيفاً وتحديداً اللوحة المؤطرة, فالمجتمع السوداني يتأزم منها ويضع حاجزاً بينه وبين اللوحة المؤطرة والتجريدية على وجه الخصوص، وهذا يرجع لضعف الدولة ومؤسساتها التعليمية والثقافية في تقارب المسافة بين اللوحة والمتلقي السوداني في فك رموزها وتبسيط التعامل معها في المراحل التعليمية المختلفة ووسائط الإعلام المختلفة, وللأسف هذه الرؤية المستقبلية للفن التشكيلي في السودان تزداد عتامة وظلمة وهذا شيء طبيعي لواقع مرير ومؤلم فيه ضعف الاهتمام بالفنون حيث ألغيت حصة الفنون في كل المراحل التعليمية بل يتم استهداف لكلية الفنون الجميلة (وهي الوحيدة في السودان) من قِبَل الدولة بإلغاء امتحان القدرات بالكلية وإلغاء دراسة (الموديل) وهي دراسة جسم الإنسان وهي العمود الفقري لمادة الرسم في الكلية ومصادرة استديوهات ومباني الكلية لصالح كليات أخرى أو مكاتب للجامعة ووقف تمويل الدراسات الميدانية التي يسافر فيها طلاب كلية الفنون لكل أقاليم السودان ويقوموا بدراسة المعالم والآثار وحياة الإنسان في كل إقليم وتقديمها في شكل بحث علمي للكلية، أيضاً فيما يتعلق في صميم العمل التشكيلي لا توجد صالة عرض للدولة ولا يوجد متحف للفنون ولا يوجد دعم أو تبنٍ لأعمال ومشاريع الفنانين للإسهام برفد الحياة والمجتمع السوداني بالثقافة والجمال والفنون.

ــ رؤية أخيرة بعين فنان؟

الشيء الطبيعي هو أن يكون الدعم للثقافة في السودان بصفة عامة وللتشكيل على وجه الخصوص غير محدود وهذا لعدة أسباب, أولها أن هذا البلد العظيم والكبير يحتوي على تنوع ثقافي جمالي عظيم وكبير قل أن نجد مثيلاً له في العالم فالاهتمام بذلك واجب والفن التشكيلي السوداني شكل واجهة مشرقة في جبين السودان على مر العصور وبه يعرف السودان ويشكل هويته للعالم.

أتمنى أن يجد الفنان التشكيلي السوداني موطئ قدم في بلده حتى يعطي عطاء غير محدود.

لا يفوتني أن أشكر صحيفة الصيحة ممثلة في الأستاذة تيسير الريح على هذا الحوار الأنيق والجميل والذي استمتعت به وجعلني أبوح بأفكار يختلجها الشجن والجمال, وأيضاً لهذه المساحة التي أتاحتها لي الصحيفة لأعبر بها عن أحلام وآلام وآمال تراودني وتراود كثيرا من الفنانين التشكيليين، مع تمنياتي للسودان بعالم يحفه الجمال.

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
3 + 5 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية