تراثنا الإنساني.. الطريق إلى المستقبل

عرض المادة
تراثنا الإنساني.. الطريق إلى المستقبل
تاريخ الخبر 26-07-2015 | عدد الزوار 1830

أميمة محمد

تقول العرب قديماً "تحدث حتى أعرفك" وهي حكمة اكتسبها العرب من كثرة تجاربهم التي مروا بها، فحديث الإنسان يكشف عن أشياء كثيرة داخله، فكره، ثقافته، أدبه،تهذيبه، وفي بعض الأحيان يبين لسانه ويحدد قبيلته التي ينتمي إليها، أما الأمم والشعوب فحديثها يختلف، وفيها يكون الحديث عبر التأريخ وما خلفته الأجيال السابقة من إرث ثقافي علي مر العصور، فإذا أردت التعرف على أمة من الأمم فأول ما تبحث عنه هو تاريخها والذي يمثل عمق أو ضحالة ذلك الشعب، وهذا التعرف لا يكون إلا عبر ما خلفته تلك الشعوب من آثار ومخطوطات بينت ودونت فيها تاريخها، ولذلك فإن الاهتمام بحضارة الشعوب وآثارها وتراثها أمر في غاية الأهمية، فالشعب الذي ليس لديه تاريخ يفخر به، يسعى بكل الطرق وبأي وسيلة لإيجاده وقد يصل به الأمر لاختلاق تاريخ له مهما كلفه الأمر حتى يجد لنفسه موقعاً أو مكانه سامية بين الشعوب، وحتى لا ينتقص حقه في العيش بينها، ومن ذلك فإن ضرورة الاهتمام بالآثار والتاريخ أمر يجب أن يضع له أصحاب الشأن اهتماماً شديداً، فقد بدأ الاهتمام بالآثار منذ وقت مبكر، وبلغ الأمر مداه عندما كان النداء للمنظمات الدولية والمهتمين لإنقاذ الآثار في السودان قبل أن تغمرها مياه السد العالي الذي أقيم في مصر، وإثر ذلك تدافعت المنظمات والهيئات الأجنبية لإنقاذ الآثار السودانية، وعرفت تلك الحملات بـ" حملات إنقاذ آثار النوبة"، واستمر التنقيب فيها عن الآثار زمناً طويلاً واستمر كذلك عمل البعثات الأجنبية، ومنذ ذلك التاريخ وحتى اليوم نجد أن الاهتمام بالتاريخ والآثار والتراث عموماً ضعيف جدًا ويسير ببطء شديد، كما أن المؤسسات البحثية والتعليمية المعنية بالاهتمام بها نجدها في غاية الضعف من حيث الميزانيات المخصصة لها ومن حيث تنظيم الهيكل الإداري، وقلة الكوادر المدربة، ولم يحدث لسنوات أي تطور يجعلنا نستبشر بمستقبل نرسم معالمه بالاستفادة من علمائنا وخبراتهم العلمية الطويلة، مشكلين بذلك درعاً واقياً من الغزو الثقافي، خاصة أن العالم اليوم قد تداخلت فيه الثقافات بفضل الفضاءات المفتوحة، وأصبح الحفاظ على التراث الإنساني أمر في غاية الصعوبة لتشعبه وتعدد مشاربه التي ينبع منها واتساع المساحات المنتشر فيها، ويحتاج حفظه والتعريف به لتكامل جهات عديدة حتى يتم طرحه للعالم بالطريقة التي لا تغير ملامحه أو تبدلها بل تعكسه على أصوله التي نبع منها، فاللغات المحلية واللهجات العامية قد اندثر الكثير منها والموجودة اليوم صارت غريبة حتى في موطن نشأتها، ولعل النزوح إلى المدن وهجرة المواطن الأصلية أهم الأسباب التي أدت إلى ذلك الاندثار كأهم الأسباب مع تعددها، ولابد من الاهتمام بهذا الإرث الإنساني العريق في ظل التطوير التقني والعمراني الحديث والذي يجب الانتباه له حتى لا يكون خصماً على المناطق الأثرية، لذلك لابد من عمل موازنة عادلة تمكن الإنسان من التعرف على تراث بلده وتاريخها وتجعله كذلك يتمتع بما سخر له الله من تطور حديث يجلب له رفاهية العيش، أنه ومع تسارع خطى التطور والتحديث المطرد قد لا تجد الأجيال اللاحقة فرصة التعرف على تاريخ بلادها ومشاهدة آثارها ماثلة أمامها، وأن المحافظة عليها شأن عظيم يحتاج إلى المعاونة من جهات عديدة الحكومية منها والأهلية، فلابد لمنظمات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية من المساهمة في توعية المجتمع على كافة مستوياته وتعريف الأجيال الناشئة بأهمية التراث بعمل الندوات والمحاضرات وفتح فرص التدريب للشباب، وبوجود قوانين تحمي التراث الإنساني وتنظم العمل فيه لابد من تنفيذه على أرض الواقع وعدم التهاون فيه، وتأهيل وترميم المباني الأثرية والمحافظة عليها، والنظر في كل المصادر الثقافية والاهتمام بها وحل مشاكلها وبعثها من جديد، تراثنا الإنساني يحتاج إلى قدر كافٍ من الاهتمام ونظرة ثاقبة بعيدة المدى تقرأ أحداث المستقبل.

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
8 + 3 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية