في ابتناء عالم الخيال السردي (2-2)

عرض المادة
في ابتناء عالم الخيال السردي (2-2)
تاريخ الخبر 26-07-2015 | عدد الزوار 2194

إبراهيم إسحق إبراهيم

هكذا اكتشفتُ تدريجياً، على أواخر 1973 بأنني قد صرتُ مسكوناً بما يحكيه لي آل كباشي.. على الأقل ها أنا إلى 1973 أصوغ حكاياتهم، على لسان اثنين منهم، في أربع روايات.. إنني لن أتبنّى وجهة نظرهم، ولن أتحمل أي خطأ أو تحامل منهم أو اغترار.. والحياة التي يحكون عنها قطعاً لا تتطابق تماماً مع الحياة في قريتي "ودعة".. فكيف أُكيف علاقتي بهم؟..

بعد تفكير وتدّبر أقررت لنفسي بأنني ألعب لأفراد هذه العائلة دور "كاتب الإنشاء" أو "العرضحالجي" .. فالحكي والحجج لهم، والصياغة لي.. وبالتالي لا يجوز لي أن أنسبهم إلا للمكان الذي يتحدثون عنه.. فإقليمهم الذي يتحدثون عنه يسمونه"كافا" وعاصمتها حسب لفظهم هي "الدِكة".. وهذا لا يمنع أنهم يذكرون أسماء بلدات إلى جوارهم هي مناطق حقيقية.. فهم يسمون الفاشر "تندلتي السلاطين"، ويقصدون أن المعمور الكبير الذي يسمى حالياً دارفور كان تحت إدارة السلاطين في تندلتي هذه.. وهنالك "كريو" التي يتحول اسمها إلى "كتّال" ثم إلى "دار السلام".. ولم تتغير من أسماء المناطق في إشارات الكباشيين بلدات مثل "طولو" و"الشعيرية" و"جابر" وما عداهن..

وفي عام 1973 كثُرت الأقاويل في الخرطوم بأن إبراهيم إسحق لا يُحسن كتابة القصة القصيرة، فهو مجرد روائي.. وكان هذا مؤلماً.. وقد وجدتني مُنعزلًا في راكوبة بالجزيرة أبا فقعدتُ أتذكر الحكايات الصغيرة والوجيزة التي يرويها لى آل كباشي: عثمان وسعد الدين وأعمامهما حمدان وعبد القادر وحسان.. وفي سبعة أيام رأيتني أكتبُ سبع قصص قصيرة موجودة في مجموعاتي القصصية الثلاث (ناس من كافا)، (عرضُحالات كباشية) و(حكايات من الحلالات)، برواية هؤلاء المذكورين ومُذيلة بتاريخهن كلهن لعام 1973..

أنا مثلكم جميعاً أكتشف عالم هؤلاء الرواة من آل كباشي وصورة الحياة التي يعرضونها عليّ درجة فدرجة.. وما عليّ إلا أن أتذكر حكاياهم.. وفي السبعينات يحكي لي مسعود وخالد من دُفعة المدرسة القديمة، ويحكي سيد ولد خليل وسعيد ولد عبد الكريم وهما لم يحضرا المدرسة القديمة.. لكن تكرارات الرواة تطّرد كلما جئتُ أتذكر هذه الحكاوي.. وأعطيكم عدة أمثلة.. عثمان الذي يبدأ به ارتباطي ذاك تظهر له قصص قصيرة عام 1977 و1988 و1997، ويصبح منزله في أم بدة نُزُلاً لآل كباشي القادمين من الغرب أو من بورتسودان أو شندي..

في (أعمال الليل والبلدة) و(فضيحة آل مورين) يسترجع عثمان، نقلاً عن جده لأبيه مصطفى، كيف أدّى استيطان الجعليين والشايقية والبديرية والرباطاب في "كافا"، بعد ضم الزبير باشا دارفور إلى الحكم التركي عام 1864، إلى مصاهرة نادرة بين آل كباشي وأحد الجلابة من شندي.. لكن زوال سلطة الأتراك باستعلان المهدية عام 1882 يلغي شائنات "السُخرة" التي يجريها معاونو الأتراك على أهل كافا.. وتماماً كما يحصل في الثورة الفرنسية، يسوق هياج الجماهير في "كافا" إلى قتل "البحارة"، على الهُوية.. فيقتلون المذنب والبرئ معاً.. ولحسن الحظ فإن الوعي الآتي مع جيل عثمان يؤدي إلى معرفة أن أنسالاً لجدهم حميد الدين الجوّاب يولدون في شندي للشامة بنت جاد السيد الجعلي.. لينجوا هؤلاء بذلك من شائنة التذابح عام 1882 .. وقاسم بن عاصم بن سرور بن حميد الدين الجواب يأتي ذكره في عدة نصوص منذ 1973 .. لكنه يصبح في أم درمان جزءاً أساسياً من وجود آل كباشي، ليروي قصتين في 2004 و2008م .. والمنصور بن جليل بن عمر، أي إبن أخي عثمان، يدرس الجامعة بالخرطوم وشندي تحت إشراف قاسم هذا، ويروي ثلاث قصص في 2008 و2009 و2012م..

كنت أحادث المرحوم الناقد أحمد عبد المكرم، ودكتور أحمد الصادق، ودكتور آسية محمد وداعة الله، والروائي ضياء الدين عثمان، أحادثهم عن حاجة الناقد المتصدي لهذه الأعمال أن يأتي بنهج مشابه لما يفعله نقاد وليام فوكنر.. والعمل المطلوب هو أن يبحث الدارس في البنيات الأسرية للشخصيات في هذه الأعمال المتداخلة شخوصاً وأمكنة وأزمنة، كما حول الأسرات التي يتتبعها في رواياته وقصصه فوكنر..

ولننظر لحالة تستدعي توافد الأسر الكباشية كما في قصة "الجد" 1978م.. إذ يأتي عمر وعبد القادر ابنا مصطفى.. وأم البشرى وأولادها.. أي سعد الدين الذي يروي قصة "علائلات" والبشرى الذي يشارك خاليه عمر وعبد القادر وخالته كلتومة في تقديم الحكي برواية (وبال في كليمندو).. وأولاد خليل وهما مسعود وسيد اللذين يرويان خمس قصص قصيرة.. وفِطين ونجوم والدة وخالة بابكر الذي يروي قصتين، وهن عمات وخالات لحازم الذي يحكي رواية وقصتين..

هذا التفكيك للعلاقات الأسرية الجامعة بين الرواة من آل كباشي أراه مُعيناً للنقاد، من أجل استيعاب كون هذا السرد بأكمله، روايات وقصص قصيرة، ماهو إلا رواية واحدة ضخمة.. إلا أن القارئ يظل مَعفياً عن ضرورة الإحاطة المطلوبة من الناقد الجاد.. وحتى هذه اللحظة لم يقابلني من القُراء من يرى أن قصة قصيرة أو رواية لي لا تملك القدرة على الاستقلالية.. وكأننا نضرب مثلاً بالحي الذي يتمتع بطابع وبمذاق خاص.. والدارس لهذا الحي عليه أن يأتي بالاستبيانات عن كل أسرة.. ثم هو يجمع بالدراسة تلك التماثلات والعلائق التي تجعل مجموع الأسر دالةً على مستويات اجتماعية تستند نهاية إلى تعميمات بناءة..

في عام 1978 كتبتُ، برواية حازم ولد عبد التواب، رواية (أخبار البنت مياكايا) ونُشرت في مجلة الخرطوم عام 1980، وعند مركز الدراسات السودانية عام 2001 م والآن هي في المطبعة بيد هيئة الخرطوم للصحافة والنشر.. وفي 1998 كتبتُ، برواية عمر وعبد القادر أبناء المصطفى، وبنت عمهما كلتومة، وابن ابن عمهما البشرى، رواية (وبال في كلمندو).. وقد ظهرت مسلسلة في جريدة (الخرطوم) لنفس العام في القاهرة، ثم في مركز الدراسات السودانية عام 2002م، وهي أيضاً حالياً بمطابع هيئة الخرطوم للنشر.. أقول هذا لأوضح بأن الرواة من آل كباشي يتوزعون الآن على ثلاثة أجيال، وعددهم 22 رواية.. فإذا ما أزاح المهتم حول هذه النصوص غشاوة القول عن صعوبة اللغة في هذه الأعمال، يستطيع أن يقرأها للمتعة الفردية في كل نص روائي أو قصصي على حِدة.. أو يُشمر عن سواعده ويحاول أن يجد ما بينها كلها من الروابط.. والذي آمله هو أن يكون دوري في تبيان الجمالية والمعاني في الحياة التي تعرضها هذه النصوص يستحق المجهود والوقت الذي يمنحه القارئ لقراءتها...

والله المستعان..

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
4 + 4 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية