أربعة أعوام على تأسيس "جنوب السودان" .. حريق في أجزاء واسعة من الدولة الوليدة.. والحركة الشعبية تنشطر إلى أربعة أقسام

عرض المادة
أربعة أعوام على تأسيس "جنوب السودان" .. حريق في أجزاء واسعة من الدولة الوليدة.. والحركة الشعبية تنشطر إلى أربعة أقسام
تاريخ الخبر 09-07-2015 | عدد الزوار 1404

دولة الجنوب.. مشاهد من نهاية الحلم الأسطوري

شاهدها: عبدالوهاب جمعة

في الوقت الذي كان من المفترض أن تحتفل به دولة جنوب السودان بمناسبة مرور 4 سنوات على الانفصال من الدولة الأم نتيجة الاستفتاء الذي اقرته اتفاقية السلام الشامل والتي انهت اطول حرب أهلية في أفريقيا فإن ذكرى الانفصال تأتي تحت أصوات المدافع بدلا عن أصوات وألوان الألعاب النارية التي كان من المفترض أن تجسد وحدة مكونات الدولة الوليدة التي لم يمض على ميلادها سوى أربع سنوات.

البدايات السعيدة

في نظر معظم العالم فإن انفصال جنوب السودان يعتبر معلم هام من معالم اتفاق السلام الشامل الذي وقع في يوم (9) يناير 2005م حيث اعتبره كثيرون (حلم درامتيكي لنشأة دولة أفريقية)، وحسب كثير من المهتمين بالشأن السوداني فإن ميلاد الدولة الجديدة تم بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية عندما احست أن إيرادات النفط المنتج في السودان قد يقضي على حركة التمرد الجنوبية للأبد .

مر الجنوب قبيل انفصاله بتحولات سياسية كبيرة فقد قضت استحقاقات اتفاقية السلام الشامل بتقسيم السلطة والثروة بين الجنوب والشمال واجريت انتخابات عامة ومنح الجنوبيين خيار الوحدة أو الانفصال، إلا أن وفاة مؤسس الحركة الشعبية لتحرير السودان جون قرنق دفعت بنخبة الانفصال لتقدم موكب دولة الجنوب نحو تأسيس دولة جديدة .

تلقف الجناح الانفصالي الأمر وقادوا الجنوب إلى إعلان الانفصال والذي تم في التاسع من يوليو 2011، ابتهج الجنوبيون بالدولة الجديدة، وتحرك ملايين من الجنوبيين من الشمال تجاه الدولة الجديدة حيث توزعت أحلامهم بين ثروة النفط وتأسيس دولة جديدة.

ميراث الجنوب

بعد إعلان الانفصال عن السودان الوطن الكبير واعتراف السودان رسميا بنتيجة الاستفتاء أصبح جنوب السودان يشغل حوالي 700 ألف كيلو متر مربع من مساحة السودان البالغة 2.5 مليون كيلومتر مربع تقريبا، أي ما يعادل 28% من المساحة الكلية للبلاد. وللجنوب حدود تمتد إلى 2000 كيلومتر تقريبا مع خمس دول هي إثيوبيا وكينيا وأوغندا والكونغو وأفريقيا الوسطى وتشكل المراعي 40% من الجنوب السوداني والأراضي الزراعية 30% بينما تشغل الغابات الطبيعية 23% والسطوح المائية 7% من جملة المساحة

ينقسم الجنوب السوداني إداريا إلى عشر ولايات، هي ولاية أعالي النيل وجونجلي والوحدة، وهذه الولايات الثلاث كانت تسمى من قبل بإقليم أعالي النيل، وولاية البحيرات وواراب وشمال بحر الغزال وغرب بحر الغزال، وتشكل هذه الولايات الأربع ما كان يعرف من قبل باسم إقليم بحر الغزال، أما الولايات الثلاث الأخرى فهي ولاية غرب الاستوائية وبحر الجبل وشرق الاستوائية أو إقليم الاستوائية سابقا، وتضم الولايات الجنوبية العشر أكثر من 30 محافظة، ونال جنوب السودان أكثر من 70% منشآت النفط الواقعة في ولاية الوحدة وأعالي النيل وأصبح النفط يساهم في 98% من إيرادات الدولة الوليدة بينما محطات الضخ والمعالجة ونقل النفط في السودان.

جذور الانفصال زُرعت في (أوتليو)

في مطعم صغير يعرف باسم (أوتليو) في واشنطون العاصمة الأمريكية اجتمع طيلة أربعة عقود لوبي متعاطف مع أطروحات الحركة الشعبية لتحرير السودان أطلق عليه (المجلس) تشكل المجلس من المبعوث الأمريكي الخاص السابق للسودان روجر ونتر والأستاذ الجامعي اريك ريفز ومؤسس إحدى المنظمات الطوعية جون برندر قاست والعضو السابق بالكونغرس تيد داقني

اقنع اللوبي الكونغرس بدعم انفصال الجنوب والوصول لتسوية سياسية وهو ما قال عنه ونتر " لم نكن نسيطر على كل الأشياء ولكننا كنا نحاول التأثير على الأمور بالشكل الذي كنا نراه يصب في مصلحة الجنوب" ، افلحت جهود اللوبي في اقناع الكونغرس بالضغط على السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان .

وبالرغم من أن حرب الجنوب استمرت منذ 1983 إلى اتفاقية السلام الشامل إلا أن العامل الحاسم في الوصول إلى اختيار الاستفتاء كان نتيجة جهود المجلس.

ميراث المجلس.. الأحقاد القبلية

بعد انفصال جنوب السودان عن الدولة الأم بدأ واضحا أن الدولة بدأت بالانحراف عن طريق الاندماج الوطني والتحول إلى الانقسام. صمت اباء الانفصال في (أوتليو) عن تحمل دورهم في تحول الدولة إلى الصراع العرقي التي فشلت في تحقيق الاحتياجات الأساسية لشعب الجنوب، وبعد عامين حاول مجلس (اوتليو) أن يتبرأ من مسؤوليته تجاه جنوب السودان فبعثت المجموعة رسالة لسلفاكير مفتوحة قالوا فيها إنهم يكتبون (كأصدقاء لجنوب السودان منذ فترة طويلة كرسوا حياتهم لأكثر من عقدين لقضية شعب جنوب السودان العظيمة في سلام عادل، عبأنا خلالها المسؤولين الحكوميين والمنظمات الطلابية ووسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية لبناء قاعدة قوية لجنوب السودان في الولايات المتحدة الأمريكية)..

وقالت المجموعة في رسالتها المفتوحة إن القوات الحكومية في جنوب السودان شنت حملة من العنف ضد المدنيين لمجرد أنهم ينتمون إلى مجموعات إثنية محددة أو ينظر لهم كمعارضين للحكومة الحالية. وكان عنفاً صادماً، شمل القتل والاغتصاب والسرقة وتدمير الممتلكات. وأن هذه الجرائم الفظيعة تحدث لأن القوات الحكومية تعتقد بأن لديها القدرة على الإفلات من العقاب).

وأضافت المجموعة أنه بعد ما يقارب التسع سنوات من الحكم الذاتي فإن الحكومة لا تزال تفشل في تلبية الاحتياجات الأساسية لشعبها، وفيما أصبح الذين آثروا باختلاس الأموال الحكومية يرسلون أبناءهم للمدارس الخاصة في الخارج ويحصلون على أفضل الخدمات الصحية في العالم، لا يجد المواطنون العاديون الخدمات الصحية الأساسية ولا تعليماً متواضعاً لأطفالهم واختتمت الرسالة بأن جنوب السودان أصبح بلدا مرادفاً للفساد.

تحديات الدولة الوليدة

ومع ذلك، فإن التحدي الأكثر أهمية الذي تواجه دولة جنوب السودان هو خلق أمة موحدة. وكان التحدي الأكبر كيف تتعامل الدولة الوليدة مع المطالبات من مختلف أصحاب المصلحة والمجموعات العرقية ومختلف العشائر والقبائل، تلك كانت واحدة من أهم المحددات التي ستواجه الدولة الجديدة في بناء الأمة.

ومع تدفقات الاستثمارات للدولة الوليدة بدأ أن دولة جنوب السودان تمضي في طريق التنمية لكن ظهر لاحقا أن الجماعات المتنوعة لا تشارك في عملية تشاركية شاملة لبناء الأمة الجنوبية وقصرت رؤية الدولة عن تحقيق اجماع وطني في سبيل تقدم الدولة.

هشاشة الدولة وتجذر القبيلة

بدأت دولة الجنوب المضي بطريقة خاطئة عندما انشغل قادة الجيش الشعبي لتحرير السودان بالاهتمام والنظر إلى ما وراء الحدود مع السودان الدولة الأم، وانشغل قادته بدعم متمردي السودان وخصوصا قطاع الشمال، ودخلت قوات الجيش الشعبي في معركة اجتياح منشآت النفط بهجليج والتي قادت إلى أن تواجه دولة الجنوب اختيارا صعبا بإعلان السودان إيقاف اتفاقيات التعاون مع دولة الجنوب وايقاف ضخ النفط وهو ما كان سيشكل انتحارا سياسيا على الدولة الجديدة وهو ما دفع جنوب السودان إلى إعلاء قيم التعاون بدلا عن طريق الصراع مع الدولة الام ، لكن طموحات بناء الدولة تكسرت عند صخرة الانتماء القبلي حيث سادت السياسات والوظائف في جنوب السودان على أساس الانتماء إلى قبيلتي الدينكا والنوير وهو ما تماهى في الجيش الشعبي اهم مؤسسة في الدولة الجديدة

خسارة معركة إصلاح الجيش الشعبي.

حالة دولة جنوب السودان تشابه إلى حد بعيد نشأة دولة إسرائيل التي انشأ فيها جيش الدفاع الإسرائيلي (الهاجاناة) الدولة بخلاف الأمر المعتاد ببناء الدولة للجيش بعد إنشائها بيد أن الجيش الإسرائيلي يختلف عن الجيش الشعبي في جانب (الاحترافية) فجيش جنوب السودان مثقل بالانتماءات القبلية وعدم الانضباط المهني بجانب الترهل الوظيفي حيث يحفل الجيش الشعبي بضباط كبار في أغلبهم من الأميين.

يقول جون سنودن في تقرير أصدره مسح الأسلحة الصغيرة بعنوان: (مهمة قيد الإنجاز: تطوير قوات الأمن في دولة جنوب السودان) إن التحديات الأمنية الخارجية والداخلية السائدة في جنوب السودان تمنع حالياً إمكانية قيام إصلاح شامل وقوي لقطاع الأمن فقد أدّت الإصلاحات والجهود التحويلية الجزئية على مدى

السنوات الست الماضية في بعض النواحي إلى إضعاف قدرة قوات الأمن على التصدي للتهديدات الأمر الذي سيظل يشكّل هدفها الرئيسي، على الأقل على المدى القصير، ويستطرد التقرير إلى أنه (لا تزال عملية اتخاذ القرارات على المستوى الرفيع تجري في ظل عدم وجود بنية أو عملية ذات طابع رسمي.).

ويؤكد سنودن أن هنالك غيابا للتخطيط والتنفيذ على مستوى العمليات في سائر القوات الأمنية وخلص إلى أن (الأهم من ذلك هو أن العقلية الحالية للجيش الشعبي لتحرير السودان تتجاهل بشكل رئيسي مستوى العمل وإدارة فن العمليات. تُترجم الأهداف الإستراتيجية وتلك المتعلقة بالسياسات أحياناً إلى إجراءات تكتيكية ولكن مع التركيز دائماً على استنزاف القوى المعارضة وهو الخيار الأكثر كلفة دائماً.

ومع اندلاع الصراع السياسي بين رئيس الدولة سلفاكير ونائبه رياك مشار وانزلاق الجيش الشعبي والدولة الفتية الى اتون الصراع القبلي فإن الآمال في بلد يحفه السلام وبناء الدولة والأمة الجنوبية ذهبت أدراج الرياح.

جنوب السودان.. صورة قاتمة

بعد سنوات من إعلان انفصال دولة الجنوب عن السودان الكبير، خرجت معظم كبريات الصحف العالمية ومراكز الأبحاث الدولية بنتائج مرعبة عن الصورة المظلمة للدولة الجديدة فصحيفة الاندبندت البريطانية ذكرت في إحدى تغطياتها (إن الصورة ما زالت غير واضحة بعد مرور خمس سنوات من الحكم الذاتي حيث يعيش أو يعمل عدد كبير من السكان في خيم أو حاويات شحن.. وفي ظل احتمال كبير لموت الفتاة الجنوبية في عملية الولادة قبل أن تنهي مدرستها ومشهد الآلاف من الفتيات اللائي يأتين إلى جوبا وينتهي بهن المصير في زنازين مركز غومبو للدعارة التي أصبحت أكبر صناعة في البلاد.

المضي في طريق الدولة الفاشلة

بعد الانفصال طرح بعض الأكاديميين المخضرمين في مراكز الأبحاث الدولية رؤية مغايرة عن (الحلم الجنوبي) فقد طرح موانغي كيميني وزميله جون ماكوم من معهد بروكلينز رؤية جديدة عن أن جنوب السودان يسير في طريق (الدولة فاشلة) ومفهوم الدولة الفاشلة ظهر إلى الوجود بفضل مجلة (فورين بولسي) المخضرمة التي تشكل السياسات لصناع القرار الأمريكي، وتعرف الدولة الفاشلة بأنها (دولة ذات حكومة مركزية ضعيفة أو غير فعالة حتى أنها لا تملك إلا القليل من السيطرة على جزء كبير من أراضيها) تصبح الدولة فاشلة إذا ظهر عليها عددٌ من الأعراض أولها أن تفقد السلطة القائمة قدرتها على السيطرة الفعلية على أراضيها أو أن تفقد احتكارها لحق استخدام العنف المشروع في الأراضي التي تحكمها. وفقدانها لشرعية اتخاذ القرارات العامة وتنفيذها. وعجزها عن توفير الحد المعقول من الخدمات العامة. ورابعها عجزها عن التفاعل مع الدول الأخرى كعضو فاعل في الأسرة الدولية.

على أن إعلان أن دولة ما (فشلت) هو موضوع جدل بصورة عامة وقد تنتج عنه عواقب سياسية كبيرة. لكن الأحداث الأخيرة تشير إلى وجود درجة من الفشل تجاه إدارة الدولة والسياسات والاقتصاد.

الاعتماد على الآخر.. انتقاص السيادة

منذ بدء تنفيذ اتفاقية السلام الشامل في 2005 ظهر للوجود ملامح سياسة الدولة الوليدة بالاعتماد على الدول الإقليمية والدولية بعيدا عن الدولة الأم، ذلك الأمر جعل سيادة الدولة من آخر أولويات جوبا، وغدت عاصمة جنوب السودان فرصة للغنى واغتنام الفرص عبر التحالف مع بعض صناع القرار والاعتماد على دول الجوار المعروفة بتحين الفرص لنيل مطالبها.

اقتصاد منهار.. ولجوء بالملايين

تعتمد دولة جنوب السودان على ايرادات النفط بنسبة 98% في إعداد ميزانيتها، لكن وصول القتال إلى ولاية الوحدة التي بها مربعات النفط اوقف العمليات النفطية ومواصلة إنتاج النفط وتبقى أمام جنوب السودان استمرار الضخ من حقول فلج بولاية أعالي النيل لكن القتال وصل إليها خلال الشهرين الماضيين مما قلص الإنتاج من تلك الحقول بصورة كبيرة.

ترافق تقلص إيرادات النفط مع الفساد المستشري في الدولة وتأثرت حياة 6 ملايين مواطن بالحرب فقد تحطمت حياة الناس، بينما فاقم استمرار المعارك في موجات من النزوح إلى معسكرات الأمم المتحدة واللجوء إلى دول الجوار، ويظهر تقرير الاتجاهات العالمية السنوي للاجئين الصادر عن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أن دولة جنوب السودان حلت المرتبة الرابعة عالميا من ناحية اللجوء ووصل عدد اللاجئين والنازحين منها إلى (2.465) مليون.

2 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
2 + 7 = أدخل الكود