ود البلة.. والٍ يسبح في "النهر" الساكن

عرض المادة
ود البلة.. والٍ يسبح في "النهر" الساكن
تاريخ الخبر 07-07-2015 | عدد الزوار 2035

الخرطوم: الهضيبي يس

توطئة

(تزخر ولاية نهر النيل بموارد كبيرة، وأهالي بسيطين وبسطاء كذلك). تلك عبارة تصلح لإعلان تلفازي موجه للمستثمرين، لكن الشطرة المنقوصة من العبارة، وقد تدفع المستثمرين للفرار من الولاية هو عجز ولاتها السابقين عن توظيف وتسخير إمكانيات الولاية لصالح أهليها البسطاء مع أنها الولاية الأولى في استخراج معدن الذهب النفيس.

وبعد سلسلة طويلة من الولاة انسدلت على الولاية يسبح الوالي الجديد محمد حامد البله في "نهر النيل" على أمل تحصيل اللؤلؤ والمرجان لبسطاء يبسطون أيدي الأمل في أن يضع واليهم "نهر النيل" في المجرى الصحيح.

مصابيح مضيئة

تطمينات

قبيل أن يحط في "ديار جعل" عكف محمد حامد البلة على كامل تفاصيل ولاية نهر النيل السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ووقف على الخارطة الديمغرافية للولاية وطلب إحاطة شاملة بمحليات الولاية بدءاً من مدينة البحيرة مروراً ببربر فعطبرة والدامر وشندي والمتمة بالإضافة إلى حجم الاستثمارات والخدمات، ومعرفة الفجوات للعمل على سدها وردمها.

وفي كلماته أمام جموع مستقبلية بحاضرة الولاية الدامر، تعهد ود البلة بكل ما ارتشفه من عصير "نهر النيل" بقطع يد كل من يتعدى على المال، ووعد بتسهيل انسياب الخدمات وتوفير مدخلات الزراعة والاستفادة من الاستثمارات وحصة الولاية من عائدات المشروعات القومية (الطرق القومية والسكة حديد) ونوه إلى أنه سيواصل الليل بالنهار للنهوض بالسكة حديد مع تفعيل الخدمة المدنية وتدريب وتأهيل الكوادر البشرية بالولاية.

مصابيح مظلمة

جغرافيا متباينة التضاريس

من المآخذ القدرية التي لا فكاك منها (الجغرافيا), وحتمت الجغرافيا على ولاية نهر النيل الوقوع في وسط صحراء دفعت سكانها دفعاً للاعتماد على النيل والسكن في شريطه الضيق بحثاً عن الأراضي والجروف الخصبة، وبالتالي يعتمد الأهالي على زراعة محاصيل الفول، البصل وبعض الخضر والفواكه الأخرى. ولكن رغم النيل، فإن جغرافيا الولاية متباينة التضاريس صنعت إنسان الولاية المفتون بالقوة و"الفتونة" وخوض الصراعات شديدة الوتائر وصولا للغايات النهائية.

صانع ألعاب

تكتلات سياسية

ستشكل ثقة المركز في ود البلة عامل حسم رئيس في تفجر طاقاته، ولكن لن يكون لذلك جدوى ما لم يعمل الحياد في ولاية متنازعة بين شراكات سياسية واجتماعية، وهو ما يستوجب على الوالي اتخاذ تدابير لخلق مسافة ثابتة من كل المكونات والتكتلات "الإسلاموية" الممسكة بزمام الولاية بما أن النظر ملياً في مكانه السجادة الختمية التي كانت تصنع سابقا مسارات نهر النيل.

الجوكر

شخصية متسامحة

بيد أن هناك كروت رابحة تظل موجودة بين يديه فور ما شرع في اللعب بالولاية سواء من حيث إعادة ترتيب وتقسيم حصص العائدات الاستثمارية بين محليات الولاية والاستعانة بالمركز في مد يد العون بتدريب وتأهيل الكوادر ومنسوبي المؤسسات الحكومية في الخدمة المدنية وفي هذا الصدد تتكشف شخصية ود البلة بأنه ليس من الأشخاص الذين يرغبون في الدخول في أي صراعات وصدامات مع المركز فهو شخصية متسامحة مع الجميع لديها مقدرة كبيرة على الاستماع وابداء الرأي متى ما اتيحت لها الفرصة وهو ما قد يؤهله لتحقيق مكتسبات جدية من خلال الكرت الرابح الذي يحمله بين يديه.

محاذير

تحديات كبيرة

الجغرافية التي جعلت من ولاية نهر تقع في الحدود السودانية المصرية في بعض أجزائها، منحتها مزايا تفضيلية كبيرة، لكنها بالمقابل اوجدت بعض التحديات الكبيرة، إذ إن الحدود البرية المفتوحة باتت في الفترات الأخيرة تشكل هاجسا ومصدر قلق كبير نسبة لانتعاش عمليات التهريب المختلفة سواء كانت البضائع والمنتجات الاستهلاكية بالإضافة إلى توسع رقعة الجريمة من حيث نشاط بيع المخدرات والسلاح في تلك البقعة الصحراوية وهو ما يحتاج إلى تفعيل حركة حرس الحدود المشتركة التي أنشئت في وقت سابق بين مصر والسودان.

مطلوبات

معالجات خاصة للأزمة

واحدة من أكبر المشكلات التي يمكن أن تواجه الوالي الجديد هي أن هناك صداعا مزمنا ظل يتاور رأس الحكومة في ولاية نهر النيل من حين لآخر، سببه المترتبات التي انبنت على قرارات الحكومة الخاصة بانشاء بعض السدود، وخاصة سد الشريك. وهنا لابد من معالجات خاصة في هذه الأزمة الغائبة الحاضرة، حتى لا تتفاقم الأمور لتصل إلى مرحلة نزيف الدم، على نحو ما حدث في مناطق أخرى. صحيح أن المشروع أضحى في طي النسيان وربما الكتمان، لكن طالما أن هناك نفاجا فإن الهواء الساخن يمكن أن يلج تحت أي لحظة.

خميرة عكننة

المنقبين عن الذهب

لا شيء يعكر "نهر النيل" أكثر من تدافع المنقبين عن الذهب. وخلال سنوات فقط باتت الولاية قبلة للوافدين الباحثين عن المعدن النفيس، وهو ما خلق ضغطا متزايداً على الخدمات، وبات مصدر قلق أمني، هذا مع عارض صحي متمثل في ظهور أوبئة وأمراض ملازمة للذهب ومتصلة بالتعاطي مع مواد كيميائية كالزئبق على وجه المثال دون وعي بالمخاطر المترتبة على ذلك.

""""""""""""""""""""""

"""""""""""""""""""""

ديباجة

(1)

ولد محمد حامد البلة الذي انضم في سن مبكرة إلى الاتجاه الإسلامي، بمنطقة "قولي" بولاية النيل الأبيض، في ستينيات القرن المنصرم، وعاش فيها معظم حياته وفيها تشكلت شخصية الإنسان المرتبط بجذوره، وبالتالي فإن البله شخصية لا تتردد على قضاء حوائج الناس.

تخرّج في كلية الصحة بجامعة الخرطوم، ولعب التيار الإسلامي وجماعة الجبهة الإسلامية وقتها بقيادة د. حسن عبدالله الترابي وشيخ الاخوان المسلمين بالسودان الصادق عبدالله عبد الماجد اليد الطولى في رسم مساره الإسلامي الذي امتطى بموجبه دبابات القادمين مع الثلاثين من يونيو في العام 1989م.

(2)

وبموجب أنه أحد البدريين، تدرج ود البلة في مختلف المناصب فكان واليا لولاية سنار، ومحافظ لمحافظة مروي، ونائبا لرئيس لجنة الإعلام بالمجلس الوطني عقب توقيع اتفاقية السلام "نيفاشا" نائبا للقيادي بالحركة الشعبية، ياسر عرمان. وفي صحن البرلمان ظهرت بصمة ود البلة في إخراج قانون الصحافة والمطبوعات للعام 2009م.

وبعد انفصال الجنوب، لاحق البله الإعلام أو أن الإعلام لاحقه –لا فرق - حيث انتقل للمجلس القومي للصحافة والمطبوعات ليكون نائبا لرئيسه، بموجب اختيارات رئيس الجمهورية.

وبعيداً عن التنفيذ قريباً من السياسة، انتظم ود البلة ضمن مجموعة من الشيوخ والأئمة في صندوق دعم الشريعة نائبا للأمين العام مولانا البيلي. ويباهي الرجل بأن الصندوق عكف على دعم الخلاوى والشريعة الإسلامية وتطبيقاتها في المركز والولايات.

(3)

أما تنظيمياً فابتدر ود البلة انشطته داخل "الجميلة ومستحيلة" متدرجاً في قطاعيّ الطلاب والشباب، قبل أن يختار أن يكون ضمن مجموعة الرئيس البشير عقب مفاصلة الرابع من رمضان. وسريعا حصد الرجل ثمرة مواقفه بحيازة منصب الأمين العام لصندوق رعاية الطلاب حيث دخل في صراعات مختلفة مع وزير التربية والتعليم - وقتها - البروفيسور الزبير بشير طه حول أحقية وتبعية الصندوق.

(4)

ويبدو أن خريج كلية الصحة جامعة الخرطوم الذي تم انتدابه والياً لنهر النيل خلفا للفريق الهادي عبد الله، سيكون أمام أمواج عاتية في ولاية النهر الكبير. وبحسب مقربين من الوالي الجديد فهو يتمتع بشخصية مزجت مابين قوة الشكيمة، والعاطفة المتسامحة، الأمر الذي قد يسهل مهمته في تفكيك وكسر حاجز التيارات والتكتلات السياسية التي تعيشها نهر النيل منذ أماد طويلة. وفي الصدد تبرز التيارات والمجموعات المصطرعة في حزب المؤتمر الوطني الحاكم ولكنها في ذات الوقت تسيطر على مفاصل الحركة بالولاية.

ومرجح أن تسهم الثقة التي أولاها المركز للبلة في قدرته على إحداث تغييرات عدة على صعيد الهيكل الوظيفي وعلى الخدمة المدنية ودولاب العمل بنهر النيل بعد أن شهد ترهلا غير مسبوق خلال السنوات المنصرمة.

لكن ولو بعد حين سينحشر الوالي في خانة صعبة بين المركز الداعم له، وبين متطلبات الولاية الخدمية وما يراه أهلوها من احقيتهم بالمشاريع القومية، وبالرغم من أن الولاية تزخر بالمدن التي رسمت تاريخ السودان فإنها ما تزال في حاجة إلى مراجعات في مجال وتوفير الخدمات والاحتياجات الأساسية.

(5)

قائمة طويلة من التحديات يمكن تلاوتها في حضرة محمد حامد البله، أولها ضرورات التقسيم العادل لحصص التنمية بين محليات الولاية، فالمراقب لأوضاع الولاية يلحظ نقص الخدمات والبنيات التحتية على أصعدة التعليم والصحة والمياه في كل من محليات "بربر، عطبرة، الدامر، البحيرة، شندي، المتمة".

في الصدد تبرز قضايا صيانة وتأهيل كل من مستشفيات محليات بربر والدامر التي تجاوزتها السنين فالخدمة الطبية المقدمة للمرضى ومرافقيهم رديئة والمعينات الطبية شحيحة، ذلك علاوة على نشوب أزمة الصراع حول الأراضي التي منحت في وقت سابق لمستثمرين في محلية المتمة وانعدام التخطيط السليم للطرق والبنيات التحتية في شندي، ومؤخرا مع ظهور عمليات التنقيب عن الذهب بدت تظهر سلوكيات وصفت من قبل الأهالي والمواطنين بالدخيلة على مجتمع الولاية ممثلة في النهب المسلح والجريمة شبه المنظمة.

الداء الأخطر الذي ينخر في عظم الولاية يتمثل في نشوء مجموعات وتيارات تجمعها مصالح سياسية وحزبية ضيقة وذلك مع أن الولاية معافاة من النعرات الإثنية والقبلية، وبالتالي فإن هذه حراك هذه التيارات يستدعي على البله الانتباه جيداً وإلّا ابتعلته وجعلته في غيابة "نهر النيل".

(6)

المقربون من والي نهر النيل، محمد حامد البلة، يمتدحون قدرته العالية في العمل الميداني، والدأب في المراجعة والمراجعة الدقيقة لجميع التكاليف التي يصدرها بالإضافة إلى توصيفات تلحق به كالنزاهة وعفة اليد واللسان وهو يتوج ذلك كله بمؤهل أكاديمي رفيع، وبالتالي فإن كل ذلك مجتمعا يجعله محل ثقة لنيل ثقة المركز وتسنم مناصب دستورية وتنفيذية في أوقات مبكرة.

من العلامات المضيئة في مسيرة البله، قدرته العالية على امتصاص كل الآراء المصوبة نواحيه وإرسالها مجددا فيما يخدّم مهامه، وهذا ناجم بالتأكيد عن ذاكرة قوية وشكيمة رأي تجعله يتراجع عما يثبت خطأه وتنكب الدرب الصحيح من بداياته.

كذلك عرف عن البله أنه شخصية ملحاحة، تسعى للإحاطة بالموضوعات من جميع جوانبها ومعرفة كل صغيرة وكبيرة تخصها، ويحدث ذلك على نحوٍ خاص في التعاملات الاقتصادية وإنفاذ المشروعات حسب ما يقول بعض الذين استطلعتهم (الصيحة) إبان عمله في كل من ولايات سنار والشمالية أو الجهاز التنفيذي والتشريعي بالمركز.

(7)

في بعض لغات العالم فإن كلمة أزمة تحمل في طيات مرادفاتها اللغوية كلمة الحل. وبالتالي فإن قفز البله فوق عدة حواجز تنتظره ستجعل منه بلا شك الجواد الرابح.

بعض المعوقات والعقبات تعترض مسيرة الوالي الجديد، ولكن لن ننسى هنا ارتفاع نسبه إقبال المستثمرين على الولاية في مجالات الصناعة والاستصلاح الزراعي فخلال السنوات الماضية شهدت ولاية نهر النيل إقبالا كبيرا من المستثمرين ما زاد من حجم البنيات التحتية في بعض المحليات التي حظيت بحصص مقدرة من الاستثمار، في المقابل هناك مشروعات قومية بالولاية في حاجة إلى إعادة تأهيل من شاكلة خطوط السكة حديد المتهالكة والمهترئة التي لا تقوى حراكا، وعليه يستوجب على الوالي الجديد وضع معالجات ولو بشكل سريع لهذا المشكل حتى تستطيع القاطرات أن تنعش حركة الولاية والبلابل حين يشدون (قطار الشوق).

1 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
5 + 4 = أدخل الكود