خليل عبد الله.. خصيم الفساد في دار أندوكة

عرض المادة
خليل عبد الله.. خصيم الفساد في دار أندوكة
تاريخ الخبر 01-07-2015 | عدد الزوار 2131

الخرطوم: صديق رمضان

توطئة

يحوز صفات ترقى لأن تجعله مائزا في تنظيم مثل المؤتمر الوطني، فهو مُفجِّر قضية فساد هيئة الأوقاف، وصهر رجل المؤتمر الوطني القوي الدكتور نافع علي نافع، والكادر الإسلامي الصارم الذي لا يختلف عن الجندي في تنفيذ التعليمات، والعمل من اجل إعلاء شأن الفكرة وتنفيذها. ذلك هو خليل عبد الله، الذي دفع به الحزب الحاكم غرباً، على الرغم من احتلاله المركز الرابع في انتخابات سبتمبر لاختيار المرشحين الخمسة لمنصب والي ولاية سنار. وربما يكون لقادة المؤتمر الوطني تبريرهم، في انتداب "خليل" إلى "الجنينة" دار أندوكة ومعقل الممالك والسلاطين، بل ربما يرنو الحزب الحاكم إلى إعادة ترتيب الأوراق المبعثرة في الولاية ذات العمق الإستراتيجي وذات الأهمية البالغة. ويكفي أن حدودها مع دولة تشاد الجارة المهمة للسودان، تمتد على مسافة 720 كيلو مترا.

لم يتردد خليل المنسوب إلى منطقة "دونتاي الخضراء"، في حزم حقائبه مستجيبا للتكليف، ومضى ناحية غرب دارفور. وهناك سيعمد الرجل الموصوف بأنه شديد الوضوح والشفافية، إلى إعلان برنامجه لإدارة الولاية بمجرد أن وطأت قدماه تراب دار أندوكة، وذلك حينما تعهد أمام المواطنين في ميدان البرهانية بالجنينة بمحاربة المحسوبية والوساطة في الخدمة المدنية بالمراقبة الشخصية، وقال: (لن يكون هنالك أي نوع من التفرقة على أساس القبيلة والحزب والصداقة)، وأكد متابعته لشؤون الولاية وسير أداء المسؤولين من خلال تسجيل التكاليف كافة في دفتر يوميات خاص به، وقطع بأنه لن يسمح بتكتلات على شاكلة ما يُسمى بـ (جماعة الوالي)، وسيعمل على محاربتها، وأضاف: (تاني مافي حاجة اسمها جماعة الوالي.. ولن استمع إلى الأقاويل وسأضع يدي فوق أيدي الجميع دون استثناء)، منوهاً إلى أن شعاره يتمحور في تحقيق الإصلاح واستكمال النهضة، مبيناً أن تشكيل حكومته سيتم على أساس اختيار القوي الأمين.

فكأنما أراد الرجل الموسوم بالجراءة من كلمته تلك، ارسال رسائل إلى عدد من الجهات بالولاية لتتعرف على جزء من إستراتيجيته وشخصيته وملامح المرحلة المقبلة.

مطلوبات – إنهاء حالة البؤس

مع إن الواقع على الأرض يؤكد أن غرب دارفور هي أكثر ولايات الإقليم الغربي استقرارا على الصعيد الأمني، إلا أن هذا لا يعني أن الأوضاع تبدو جيدة على الأصعدة الأخرى، فالوالي خليل ومن خلال الاستقبال الحاشد الذي حُظي به أدرك جيدا مطلوبات المجتمع، فمن يزور الجنينة حاضرة الولاية يتلمس مدى البؤس الذي يرزح تحت وطأته المواطنون الذين يطالبون بترقية الخدمات خاصة الصحة التي تتركز فقط في حاضرة الولاية وتغيب في المحليات الثمان الأخرى.

كما أن الوالي الجديد مطالب بترقية خدمات مياه الشرب والتعليم، وهنا نشير إلى أن شخصية المنظمات اقوى من الحكومة بالولاية لجهة قيامها بتقديم الخدمات للمواطنين، كما أن الولاية تعاني على صعيد الطرق الداخلية خاصة طريقي الجنينة - فور برنقا والجنينة - كلبس وهما الطريقان اللذان تبرع الرئيس بتشييدهما، وهناك ايضا قضية تقنين التجارة بين السودان وتشاد بداعي التهريب الذي يمارس على مستوى واسع دون عائد للبلاد والمواطن.

وتتمدد قائمة المطلوبات لتشمل الزراعة وقضية النازحين، وكذلك وضع حد لحالة الغلاء الطاحن التي تشهدها الأسواق خاصة بالجنينة التي يبلغ فيها سعر جالون البنزين 280 جنيها والجازولين 125 جنيها. وسيجد خليل عبدالله أن مهمته شاقة وأن النجاح فيها يتوقف على فتح المركز خزائنه له بعد أن - اُشيع أنه - أغلقها في وجه الوالي السابق القادم من حركة التحرير والعدالة.

محاذير – عدم تكرار الوجوه

الوالي ومن خلال كلمته أكد أن تشكيل حكومته سيأتي بعيدا عن المجاملة وأن القوي الأمين هو من سيتم تكليفه. وهذا الحديث هذا وجد - على المستوى النظري - ارتياحا بالغا لدى المواطنين، وكان وقعه جيدا، ولكن على الصعيد العملي فربما تواجه الوالي الجديد بعد العقبات إذا لم يتحل بالإرادة والشجاعة الكافية التي تمكنه من الخروج من الدائرة المغلقة التي ظل يدور حولها كل الولاة الذين تعاقبوا على الولاية، وذلك باختيار شخصيات مألوفة ظلت تتنقل من منصب إلى آخر دون أن يطالها التغيير رغم إخفاق الكثير منها في أداء المهام التي أوكلت إليها.

وبناءً على ذلك، فالوالي صاحب الشخصية القوية مُطالب بالإيفاء بوعده الذي قطعه أمام المواطنين والعمل على تجاوز القيادات التي أدمنت الجلوس على المناصب الوزارية بل الحذر من تكليفها مرة أخرى حتى لا يفقد تعاطف الشارع المطالب بالتغيير الشامل.

مصابيح مضيئة – النزاهة وقوة الشخصية

على المستوى التنظيمي تمكن خليل عبد الله من حصد ثمانية أصوات في الانتخابات التي أجريت في سبتمبر على مستوى حزب المؤتمر الوطني بولاية سنار لاختيار مرشح الحزب في الانتخابات. ومع أن المؤتمر الوطني عاد وألغى انتخاب الولاة وقرر تعيينهم، إلا أن تلك النتيجة تصلح كـ "ثيرمومتر" لقراءة درجة فعالية بعض الشخصيات حزبيا وتنفيذيا، ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى الأصوات التي حصدها خليل عبد الله، بوصفها دالة على درجة قبول معقولة للرجل داخل حزبه. صحيح أن معظم الذين صوتوا له من أبناء منطقته، إلا أن "خليل" يعد خيارا مفضلاً لدى الكثير من أعضاء المؤتمر الوطني لقيادة الولاية التي لم يسبق له أن تولى فيها أي منصب دستوري. وهو ما ارجعه مراقبون لقوة شخصيته بالإضافة إلى اتصافه بالنزاهة والتشدد في التعامل مع المال العام، وهذا ما كشفت عنه قضية فساد الأوقاف التي فجرها الرجل.

ومعلوم أن هذه الصفات من شأنها أن تكون من العوامل الأساسية في نجاح خليل لأن المواطنين في غرب دارفور يتحدثون عن إهدار أموالهم وتبديدها بل والاعتداء عليها من قبل بعض المسؤولين. وإذا نجح خليل عبد الله في ضبط ملف المال العام فبخلاف نيل رضاء الشارع فإنها ستتيح له تنفيذ مشروعات خدمية وتنموية يبدو المواطن في حاجة ماسة لها.

مصابيح مظلمة - الاعتداد الشديد بالرأي

في ذات انتخابات سبتمبر فإن الذين رفضوا منح أصواتهم لخليل عبدالله أشاروا إلى أنهم لن يستجيروا بالرمضاء من النار، مفسرين قولهم هذا بأن خليل لا يختلف عن أحمد عباس من حيث الصفات الشخصية خاصة تلك المتمثلة في الاعتداد بالرأي وعدم الاستماع إلى وجهات نظر الآخرين، بالإضافة إلى الأسلوب الحاد، وهذا يعني أن المصابيح المظلمة في شخصية والي غرب دارفور الجديد تتلخص في الانفراد بالرأي وهي صفة اقرب للدكتاتورية وتبدو غير مرغوبة في إدارة ولاية ذات تقاطعات سياسية وإثنية، وفي دارفور مهما امتلك الوالي من قوة الشخصية ورجاحة الرأي فإنه لا يمكن أن ينفرد بالقرار وإذا حدث هذا فإنه سيجابه بمعارضة شرسة، وخليل الذي يتصف بالنزاهة مطالب بإعمال مبدأ الشورى ومحاولة التخلص من العيوب التي أشار إليها أعضاء المؤتمر الوطني بولاية سنار.

مراكز القوى - صراع المكونات المجتمعية

تعتبر غرب دارفور من أكثر ولايات البلاد تعقيدا على صعيد مكوناتها الاجتماعية التي ورغم حالة التباين بينها إلا أنها ظلت "تتعايش" في أجواء من الهدوء والاستقرار بعيدا عن الصراعات القبلية المسلحة، وهذا يعود إلى الوعي الذي يتميز به المجتمع بالإضافة إلى جهود الإدارة الأهلية، إلا أن التباعد يكمن في صراع مستتر بين المكونات الاجتماعية التي يرى كل واحد منها أنه احق بتصدر المشهد وتحديد اتجاهات الحكم بالولاية وتولي اهم الحقائب.

فهناك مكونات ترى بأنها قدمت الكثير للإنقاذ في بداية أزمة دارفور ولابد أن تُحظى بالتمييز، وهناك مكونات تؤكد احقيتها بإدارة الولاية استنادا على الحقائق التاريخية وأخرى كانت تمتلك ممالك معروفة، وهكذا تتباين وجهات النظر بين الإدارة الأهلية، إلا أن الثابت إسهامها الحقيقي في كسر شوكة التمرد بالإضافة إلى حفاظها على الاستقرار الأمني بالولاية، وهي بذلك تعتبر من أبرز مراكز القوى التي لا يمكن لخليل عبدالله أن يتجاوزها وذلك لأهميتها الإستراتيجية، وهو مطالب بخلاف منحها مكانتها أن يقف على مسافة واحدة منها والسعي لإحداث تقارب بينها.

الجوكر – كرت الاستقرار الأمني

المحافظة على الاستقرار الأمني سيكون الكرت الذي يُشهره خليل عبد الله في وجه المركز لطلب الدعم المالي لتنفيذ مشروعات خدمية وتنموية. فولاية غرب دارفور التي تعد أكثر ولايات دارفور استقرارا على الصعيد الأمني تبدو مرشحة لحدوث تفلتات بداعي افتقارها لأبسط مقومات البنية التحتية الخدمية والتنمية، فبعدها عن مركز الحكم جعلها منسية وتفتقر للحد الأدنى من المطلوبات، وإذا أراد المركز الحفاظ على استقرار الولاية الذي يعني بالضرورة هدوء الأحوال على الحدود مع الجارة تشاد فإنه مطالب بفتح خزائنه أمام حكومة خليل عبدالله .

الدولة العميقة - ترسانة المحسوبية والقبلية

من أبرز القضايا التي ستواجه خليل عبدالله هي "قبلنة" الوظائف في الخدمة المدنية وعلى المستوى التنفيذي والتشريعي، حيث يصف الكثيرون الخدمة المدنية بأنها باتت مثل الجزر المتباعدة وذلك عبر سيطرة كل قبيلة على مؤسسة حكومية، لتتفشى على إثر ذلك - بشهادة الكثيرين - المحسوبية التي يعتبرون أنها أسهمت في إنشاء دولة عميقة صاحبت تأثير بالغ في الخدمة المدنية وعلى المستوى التنفيذي، وهذا يعني أن خليل عبدالله سيكون مرة أخرى في مواجهة داء القبلية المستشري بالولاية فإذا اتخذ قرارات لإنهاء الهيمنة القبلية على المؤسسات الحكومية فإنه سيجابه بممانعة وفي ذات الوقت لا يمكن أن يترك الأوضاع كما هي عليه.

صانع ألعاب - الإدارة الأهلية وشيوخ المعسكرات

بخلاف الإدارة الأهلية ذات التأثير البالغ فإن هناك شخصيات يمكنها أن تصنع اللعب للوالي خليل عبدالله وتساعده على أداء مهمته رغم العقبات، وأبرز الشخصيات بالولاية رئيس المجلس التشريعي جعفر إسماعيل، أما في المركز فتوجد القيادية البارزة حليمة حسب الله النعيم، وأيضا محمد صالح الأمين بركة، مولانا علي يحيى، وحسن تاج الدين وغيرهم، وبخلاف هذه الشخصيات فإن الإدارة الأهلية وشيوخ معسكرات النازحين - إذا استمالهم خليل إلى صفه - يمكنهم أيضا أن يسهلوا من مهمته لكلمتهم المسموعة وسط النازحين.

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
7 + 6 = أدخل الكود