أنس عمر.. بارجة "الدباب" في نهر الدم المجنون

عرض المادة
أنس عمر.. بارجة "الدباب" في نهر الدم المجنون
تاريخ الخبر 28-06-2015 | عدد الزوار 2855

الخرطوم: عوض العبيد

المطلوبات: قائمة مزعجات طويلة

عند قدومه الى الضعين حاضرة ولاية شرق دارفور هبّ أهالي الولاية لاستقبال واليهم الجديد أنس عمر بحفاوة وترحاب كبيرين، ما خلّف أثراً طيباً في نفسه، ولكن في المقابل يضع على عاتقه الكثير من الآمال والتطلعات التي تدور في خلد أهل الولاية التي لم تكمل عامها الثالث بعد .

عليه مطلوب من الوالي الجديد أن يبدأ مسيرته ببسط هيبة الدولة بوضع حد للصراعات القبلية التي تعتبر العامل الأساسي في تردي واقع الولاية، وانجاز الخدمات الأساسية من صحة وتعليم وطرق ومياه وكهرباء بالتركيز على مشكلة المياه التي تعاني منها الولاية حيث تندر الآبار الجوفية العاملة في سقاية الأهالي ويتعين على الوالي الاجتهاد في حفر مزيد من الآبار الجوفية والسدود حتى يساعد ذلك في استيطان الرحل خاصة في محليتي بحر العرب وابو جابرة.

وفي قطاع الطرق ينبغي على الوالي الاهتمام بطريقي (الضعين – النهود) و(الضعين – نيالا) لما لهما من أهمية كبرى لمواطني الولاية كذلك يتطلب من الوالي الجديد ان يهتم بالاقتصاد المحلي في شرق دارفور ونقصد به الاقتصاد الزراعي والرعوي وتطويرهما باستصلاح الأراضي وتحسين النسل إذ إن الولاية غنية بمواردها الزراعية والرعوية فالثروة الحيوانية تقدر بـ (12) مليون رأس من الأبقار و(6) مليون رأس من الضأن و(4) مليون رأس من الماشية. إذاً على الوالي الاستفادة القصوى من هذه الثروات وتوظيفها بالطريقة الصحيحة حتى تسهم في التنمية وإعمار الولاية.

كذلك يجب على الوالي اختيار وزراء حكومته من اصحاب الكفاءة بمنأى عن الموازنات والترضيات بعد مشاورة كل المكونات القبلية التي توجد بالولاية والاستماع لهم واستشارتهم في كل ما يتعلق بأمورهم حتى لا يفقد السيطرة على الأمور.

المحاذير: تقافز الإدارات الأهلية والمتطلعين

بالنظر الى واقع ولاية شرق دارفور الوليدة، فإنها تشهد -منذ فترة- العديد من الصراعات القبلية، وللدخول في الحل يجب على الوالي الجديد أنس عمر تجنب الانحياز لأحد أطراف النزاع مع مراعاة أن الولاية تعج بالمكونات القبلية المختلفة من قبائل المعاليا والرزيقات والبرقد. ذلك في وقت عليه ألّا يظهر أي تعاطف مع أطراف النزاعات القبلية وعدم (تطويع القانون) لأي جهة حتى لا يقع في المحظور، وفي السياق ذاته فعليه عدم الركون إلى الإدارات الأهلية وأن ينزل إلى الأرض بنفسه وملاقاة كل الأطراف قبل أن يتخذ قراراته.

كذلك ينبغي على الوالي عدم المجاملة في كشف ملفات الفساد والتعامل معها بشفافية ووضوح خاصة وان تقرير المراجع العام الأخير حوى الكثير من التجاوزات لذلك ينبغي على "أنس" أن يتعامل مع الأمر بصرامة وقوة.

وإن أراد الوالي إصابة النجاح، فعليه أيضا الابتعاد عن البطانة والشلليات، خاصة في أوساط بعض الشباب المتطلعين للحكم دون دراية وخبرة فعادة ما يلتف أولئك حول الوالي وينقلوا له معلومات غير صحيحة عن الولاية.

خميرة عكننة: القدامى قد يغيرون وجوههم

لا يخشى على الوالي الشاب الجديد انس عمر في مهمته الجديدة في ولاية شرق دارفور بأكثر مما يخشى عليه من التفلتات الأمنية التي ستواجهه في إدارة حكم الولاية التي تعج بالصراعات القبلية بين القبائل، ومستمرة لفترة ليست بالقصيرة. اضف الى ذلك أن بعض القيادات السابقة في الولاية تنتظر تشكيل حكومة الولاية فإن تم ضمها للحكومة (فخير وبركة) وإن لم يتم فلن ترضى بإقصائها وستعمل بكل ما أوتيت لتكون بمثابة خميرة العكننة للوالي الجديد.

الدولة العميقة: المصلحة فوق كل اعتبار

لن يكون من السهل على الوالي الجديد تجاهل بعض الشخصيات المهمة في الولاية، وهؤلاء هم الأشخاص الذين تولوا مناصب سابقة في الولاية إضافة الى الاشخاص الذين يسيطرون على الجهاز التنفيذي والخدمة المدنية ومدراء الوزارات والتجار وهنالك بعض منهم ظلوا في هذه المناصب منذ أن كانت الولاية تتبع لجنوب دارفور وهؤلاء سينتظرون سياسة الوالي الجديد فإذا تعارضت سياسته مع مصالحهم فسيشنون عليه حربا شعواء.

مصابيح مضيئة: الخروج من (ثكنة) أسرية

حينما قدم أنس عمر، لتنصيبه والياً على شرق دارفور حضر معه وفد من ولاية الجزيرة، وتحدث كل أعضاء الوفد عن صفات الرجل ومحاسنه واكد المتحدثون أن الوالي الجديد رجل (حقاني)، وذو دين، ويحترم الآخرين اضافة لذلك فهو شاب متمرس في العمل السياسي العام وله خلفية أمنية وذلك نسبة لتدرجه في العمل بجهاز الأمن وهو من أسرة عسكرية وينشط أخوه دخري الزمان عمر في جهاز الأمن والمخابرات برتبة اللواء، كذلك فهو شقيق الشهيد العميد لقمان عمر، وكل هذه الأبعاد السياسية والعسكرية والأمنية تجعله قادرا على إدارة الصراعات القبلية في الولاية فضلا عن أنه معروف (بالجودية) وكذلك أنجز الوالي الجديد حين توليته منصب معتمد الكاملين عدداً من المشروعات التنموية وهذا ما يجعله قادراً على تكرار مشاريعه في الولاية (الوليدة).

مصابيح مظلمة: حمولات جامعية

ما يحسب على الوالي الجديد أنس عمر أن خلفيته الإعلامية من خلال نشاطه في الجامعات من خلال (اركان النقاش) قد تؤثر عليه من خلال إدارته للولاية الجديدة التي تتطلب ان يتعامل معها بحذر شديد وقد تكون لغته اللإذاعة والصارخة ووضوح خطابه عاملا سلبيا وسط مجتمع يتسم بالبداوة ولا يقبل النقد إضافة الى أن أنس لم يسبق له أن أدار ولاية بهذه المعطيات فقد تكون حداثة سنه وقلة خبرته في إدارة الأزمات أيضا من المصابيح المظلمة وسيجد نفسه ممسكا بعدد من الخيوط (في وقت واحد) وهذا ما لم يتعود عليه.

مراكز القوى: ثلاثة رابعهم المركز

في كل ولاية توجد مراكز قوى مؤثرة ومعلوم ان شرق دارفور بها ثلاث مكونات أساسية وهي قبائل الرزيقات والمعاليا والبرقد وتتكون مراكز القوى في الولاية من زعماء الإدارة الأهلية (النظار والعمد) وأصحاب المال ويحتاج الوالي للتعامل معها بحذر حتى لا تؤثر في إدارة حكومته مع مراعاة أنه يجب على الوالي الاستعانة بهم عند الضرورة ومن الشخصيات أصحاب القوة في الولاية الحاج آدم نائب رئيس الجمهورية السابق.

الجوكر: علاقات نافذة

وضع التشكيل الأخير للولاة انس عمر ابن الجزيرة في مهمة قد تبدو صعبة حيث كلف بأعباء ولاية تعاني من الصراعات القبلية ورداءة الخدمات وذلك سيجعله أمام تحد كبير ولكن هنالك العديد من الشخصيات يمكن أن تدعم الوالي في مهمته الجديدة وعلى رأسهم نائب رئيس الجمهورية حسبو محمد عبدالرحمن الذي ينحدر من المنطقة وكذلك المدير العام لجهاز الأمن والمخابرات الوطني الفريق محمد عطا المولى والذي سيقف بجانبه مثلما ساعده إبان توليه منصب معتمد المناقل وقدم له الكثير مثال لذلك تقديمه لإستاد المناقل كهدية لأنس عمر إضافة الى نظار كبرى القبائل.

ديباجة

(1)

لا ينسى مجايلوه في الجامعات السودانية، وتحديدا في جامعة أم درمان الاهلية صوته الهادر، وهو ينافح عن اطروحة الانقاذ السياسية والفكرية. بل لن ينسى كثيرون ممن زاملوه حركته الدائرية في باحة أركان النقاش، وهو يرسل الانتقادات الحادة للقوى السياسية التي كانت تصطف – حينها - تحت راية التجمع الوطني الديمقراطي، بغية إنهاء القبضة الانقاذية وتفكيك الدولة التي شادها ابناء الترابي. أيامها كان يتوجب على "انس عمر" واخوته ان يشحذوا همتهم، وان يشحنوا بطارية العمل السياسي الطلابي بطاقاتٍ أكبر، لكونهم مشمولون في جامعة تشهد عراكا فكريا وسياسيا ضاريا، لكونها تُعد إحدى الحاضنات الكبيرة للقوى اليسارية والتقدمية، ولا سيما أبناء الراحل الخاتم عدلان مؤسس "حركة حق"، الذين يُطلق عليهم لقب "الحقانيين". ولعل هذا ما عظّم من مهمة أنس واخوته، ممن كانوا يزاوجون بين العمل السياسي وبين الانخراط في كتائب الدفاع الشعبي.

(2)

في تلك البيئة الأكاديمية والسياسية، تشكّلت شخصية "انس عمر" الذي اشتهر بصوته الجهير في اركان النقاش، وهذه المِزية سيوظفها لاحقاً وتحديدا - بعد عشرين عاما - حينما يعتلي المنصة ليخاطب جماهير ولاية شرق دارفور، غداة تعيينه واليا عليهم، اذ ان الفتى سيطوع مقدراته الخطابية تلك في إيصال رسالته الى جماهير الولاية.

المهم ان أنس الذي ابصر النور بمنطقة "الطيارة" بولاية الجزيرة لأسرة تنتمي للحركة الاسلامية، سيترقى في العمل السياسي والتنظيمي، مستفيدا من الخبرات التي راكمها من تنشئته في حاضنة ذات التزام تنظيمي عالي. وربما هي ذاتها الأسباب التي جعلت من شقيقه "دخري الزمان عمر" يصعد بصورة مبهرة في العمل الأمني ليصل الى رتبة اللواء، بينما ظلت سيرة شقيقه "بدر الزمان عمر" تضوع حُسنا ونضارة في العمل الإسلامي من خلال منظمة الدعوة الاسلامية، وربما هي ذاتها الأسباب التي جعلت طائرة تلودي التي تحطمت بجنوب كردفان صبيحة عيد الفطر، تضم جثة أحد شقيقه "لقمان" أحد قادة الدفاع الشعبي.

(3)

لم يكن أنس يُعبِّىء حماسة الطلاب والشباب للصعود الى قمم المدرعات مقاتلين في جنوب السودان، ثم يمضي لحال سبيله، كمن أرسى المعروف وأزاح المنكر بيمينه، ومضى ليبني بيتا في الجنة. بل كان نفسه واحدا ممن تزيوا بهندام القتال والجهاد للذود عن الوطن والعقيدة، على نحو ما كان يحدث في سني الانقاذ الباكرة.

وتبعا لذلك شارك "انس عمر" – غير مرة واحدة - في عدد من المتحركات التي وصلت الى مناطق العمليات بالاستوائية وبحر الغزال. ولما كان الفتى كثير الترداد على تلك السوح، فقد اقتنصته الآلة الاعلامية الموكول اليها امر الاعلام الجهادي، فكان يمسك بالمايكرفون محدثا عن اهوال القتال وعن مزايا الجهاد، الامر الذي جعل منه مراسلا ومقدماً لبرنامج "ساحات الفداء" ثم – لاحقاً - منسقاً في الخدمة الوطنية والدفاع الشعبي في فرعية القوات الخاصة.

(4)

تخير انس المعطون بصبغة العمل التنظيمي والجهادي، ان يركن الى جناح القصر، في مفاصلة الاسلاميين الشهيرة، وآثر البقاء على الخروج مع شيخه، لكن ذلك لم يدق اسفيناً بينه وجناح المنشية، ولم يمنعه من زيارة الدكتور حسن الترابي، بل كان "انس" كثير الترداد على منزل شيخ حسن، في العلانية وفي الخفاء.

بل إن أنس سيجعل الدهشة ترتسم على محيا الجميع، وسيقوم – بعد خمسة عشر عاما من المفاصلة - بتنفيذ زيارة مفاجئة للدكتور حسن الترابي في منزله، استبق بها توليه مقاليد الأمور – رسميا – في ولاية شرق دارفور. وهي الزيارة التي سيحار كثيرون في أسرارها ودوافعها. أما العليمون ببواطن الامر فيعرفون ان من عادات "انس" أنه ظل يزور شيخه الترابي، شاء من شاء وأبى من أبى.

المهم ان قرار "انس" بالبقاء ضمن جناح القصر، مقروناً مع قدراته العالية، اوعز الى القيادة السياسية لاستيعابه في جهاز الأمن والمخابرات برتبة الرائد، بعدما تمايزت صفوف الاسلاميين، وبعدما اتسق فتق "المفاصلة" على الراتق. وبناء على هذا كان انس - بحكم تجربته الجهادية وعمله في القوات الخاصة - قريبا جدا من مدير جهاز الأمن والمخابرات السابق الفريق أول صلاح قوش، ليتم تكليفه بإدارة الأمن في محلية كوستي بولاية النيل الابيض، وهو ما سرّب اليه ومنحه إلماما كبيرا بإدارة العمل الولائي.

(5)

النجاح الذي حققه أنس عمر في كوستي قاده – بعدما توشح برتبة المقدم - لمهمة جديدة في الولايات، وهذه المرة تم تكليفه بتولي منصب معتمد محلية المناقل بولاية الجزيرة. وهناك أثبت نجاحاً كبيراً، بعدما كسب تأييد أهالي المحلية في فترة قصيرة، وبعدما نفذ عددا من المشاريع التنموية هناك، مثل تأهيل إستاد المناقل.

يتصف انس عمر بحرصه الكبير على صون المال العام وانه يتعامل بشفافية في كل الأمور. وعُرف عنه ايضا انه (كريم وشيخ عرب)، هذا فضلا عن ميله الكبير للتوسط في حل الخلافات بالطرق السلمية، وعن طريق (الجودية) وهذا الامر سيستفيده كثيرا في ادارة امر ولاية شرق دافور التي تعاني من تعقيدات ومشكلات قبلية بالغة. ومعلوم ان سكان شرق دارفور ينحدرون من عدة قبائل اشهرها المعاليا والرزيقات، وينقسمون إلى رعاة متجولين ومزارعين مستقرين، وهذا النمط من الحياة يولد الكثير من النزاعات بينهم، بسبب انعدام مياه والمرعى، على نحو ما حدث من تدفق أنهار الدم المجانية في بقاع الطيبين من أبناء المعاليا والرزيقات، الأمر تألم له أكثرية أبناء السودان، الا تجار الحرب.

(6)

يتكئ "انس عمر" على وسادة راسخة من العلاقات الكبيرة التي تربطه بعدد كبير من "رفقاء الجهاد"، مثل محمد حاتم سليمان المستشار الصحفي لرئيس الجمهورية واسامة ونسي وزير رئاسة الجمهورية ومحمد احمد حاج ماجد مدير منظمة الشهيد وعبد الله الجيلي قائد الدفاع الشعبي ومن اصدقائه ايضا حامد ممتاز الامين السياسي للمؤتمر الوطني.

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
6 + 4 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية