آدم جماّع.. حاكم في تضاريس سياسية معقدة

عرض المادة
آدم جماّع.. حاكم في تضاريس سياسية معقدة
تاريخ الخبر 22-06-2015 | عدد الزوار 2490

توطئة

الفترة هي مايو، ومايو ليس بحال الشهر، وإنما الحقبة من حقب السودان التي تربع فيها الجنرال جعفر نميري على سدة الحكم في البلاد. حقبةٌ انتهت بخروج المعتقلين السياسيين الذين كان أحدهم والي كسلا الحالي، آدم جمّاع. معتقلون استقبلهم العملاق محمد وردي (ببلاء وانجلا) فيما تكفل إخوة جماع من الإخوان المسلمين بترديد الشطرة الثانية من البيت وهم يزفونه للبيت: (حمد لله ألف على السلامة). والسلامة وحدها من يرجوها جماع في ترحاله الشرقي، لا سيما وأن أهالي القاش استقبلوه بفرح من طوى حقبة للنسيان وبمقولات (حمد لله الف على السلامة).

مطلوبات – نظرة على الخدمات

لا يصح القول ما الذي على آدم جماع أن يفعله في كسلا؟ الأصح أن نقول ما الذي لن يفعله في كسلا؟

الولاية تعاني من مشكلات جمة في الخدمات، الكهرباء متردية في فصل الصيف، المياه تسجل غياباً عن الحنفيات، والخبز وإن كان الإنسان يعيش بغيره، فهو كسبب للعيش غير متوفر بصورة تفي حاجة الأهالي. أما التعليم فيحتاج لـ(وقفة) كبيرة وذلك حال أراد جماع رؤية (العيد) في كسلا.

هل تطرقنا إلى مشكلة البيئة، هو تساؤل قد يكون مثار دهشة في ولاية "السواقي" والقاش ولكن الناظر إلى الولاية يجدها تعاني من تردٍ مخيف في البيئة يصل حتى مشافيها والتي قد تدخلها مرافقاً وتخرج بعلة.

محاذير – النأي فخ التهريب

مشكلات جمّاع ستتفاقم إن ركمنا إليها مشكلة التهريب في ولاية حدودية، ومشكلة الاتجار بالبشر والتي تنشط في ذات الحدود، حيث تمثل الولاية معبراً لهذه التجارة المحرمة.

أخيراً حلّت مشكلة أوضاع أبناء جنوب السودان في ولاية كسلا، ومع أن تلك الفئة شربت من توتيل، ومجبولة على تشجيع الميرغني الكسلاوي، فإن منسوبيها يشكون من غيبة الأوراق الرسمية في مقابل تشدد السلطات إزاء ذلك، بما يشعرهم بأنهم غير مرغوب فيهم.

أخيراً ، سيجد جمّاع نفسه أمام مشكلة حقيقية في حال قرر التقوقع في حدود كسلا المدينة متحولاً من والي كسلا إلى معتمدها. فأهالي حلفا الجديدة على سبيل المثال يريدون إن يروا التنمية تنداح إليهم، ومشروعهم يهب من جديد لا سيما مع قيام مجمع نهري أعالي عطبرة وستيت، وقس على حلفا بقية حواضر وقرى الولاية.

صانع ألعاب – الرهان على أبناء الولاية

كسلا ولاية تدار من المركز، فالتجاذبات الداخلية تصعب من عملية إدارة تروس الولاية بتناغم، هذا إن لم توقف ماكيناتها بالمرة.

أبرز الشخصيات المؤثرة في المشهد الكسلاوي هو مساعد رئيس الجمهورية، إبراهيم محمود حامد، فالوالي السابق لكسلا، ووزير الداخلية، والزراعة الاتحاديين، يعرف تفاصيل الولاية صغيرها وكبيرها ويعرف كيف يوظف مهارته التي تبوأ بموجبها درجة رفيعة في المؤتمر الوطني إذ يجيء في المرتبة الثانية بعد رئيس الحزب، رئيس الجمهورية، عمر البشير.

كذلك يلعب وزير الاستثمار الأسبق، مصطفى عثمان إسماعيل، أدواراً بارزة في الولاية الشرقية كيف لا يحدث ذلك وهو أحد عرّابي سلام شرق السودان، ويأتي في مرتبة أقل أثراً وتأثيراً د. قطبي المهدي الذي ترعرع في مدينة كسلا، وبات انشغاله المستمر بها سبباً في أن يكون أحد كروت اللعبة الرابحة.

خميرة عكننة – المد القبلي

لا يُخشى على الوالي الجديد، آدم جماع، من شيء، أكثر مما يخشى عليه من الحرس القديم في ولاية كسلا.

فبعض الأسماء اعتادت التقلب في نعماء المنصب منذ عقود، ولن يرضيها أن تكون خارج اللعبة مطلقاً، وبالتالي سيتكئ اولئك الشخوص على سندهم القبلي، وذلك على أمل العودة من جديد في أي تشكيل مرتقب، وهنا يبرز اسم وزير التخطيط العمراني محمد أحمد علي الذي وطد دعاماته في عهد عدد من الولاة السابقين.

أما أشد العوامل التي قد تضر بالقادم من الفاشر، فهي تقريبه لعبد المعز حسن عبد القادر الذي نافس في الكليات الشورية لتسنم منصب الوالي، وللحقيقة فقد حقق الرجل مركزاً متقدما ما يعني أنه صاحب قدرات تنظيمية كبرى.

لكن مع ذلك فإن ذكر اسم عبد المعز في رهط من أبناء الولاية وإن كانوا من أهليه، أهل حلفا الجديدة، فذلك كفيل ببث اللعنات واستشراء السخط بما لن تجد له مثيلا، وبالتالي فإن العلاقة بين الوالي وعبد المعز تؤثر عكسياً على علاقة الوالي بالجمهور.

الجوكر – المشاريع السياحية والترفيهية

تمخر سفين آدم جماع في قاش مضطرب، ولكن الرجل يمكن أن يقول للتاكا وتوتيل اثبتا ويحصل له ذلك، في حال عمد إلى فكره الاقتصادي والإداري الذي يخول له تحويل الولاية إلى شبيهة بجارتها البحر الأحمر، ولنكون أكثر تحديداً نقول على أيام واليها السابق محمد طاهر إيلا.

فالخبير الاقتصادي، محتاج أن يعمل قدراته الأصيلة والمكتسبة لجهة جذب الاستثمارات ورؤوس المال نواحي الولاية التي تصلح أن تكون قبلة للسواح، وإن كانت الأولى (جذب الاستثمارات) سهلة المنال لرجل صاحب دربة كبيرة حازها في أروقة بنك فيصل الإسلامي يمكن تسخيرها في جلب قروض ميسرة لصالح إقامة مشروعات كبرى بالولاية دون إغفال إلى تفعيل رأسمال الولاية وحصصها في صندوق إعمار الشرق، أما الثانية (جذب السواح) قد تكون صعبة لإسلامي شديد الالتزام.

مصابيح مضيئة - الصراحة والوضوح الشديد

طيلة الفترات السابقة، كان يتم اختيار الولاة، من المكون الولائي، وهو ما جعل الصراعات على أشدها بين عناصر المكون الديمغرافي للولايات، الأمر الذي دفع رئيس الجمهورية للتوصية بإجراء تعديلات دستورية تجعل أمر اختيار الولاة منوطاً باختياراته شخصيا.

وبناء على الدستور، تم اختيار غرس ولاة في بيئات لا يمتون لها بصلة، لضمان أن تنمو وتزدهر تجربة الحكم الفيدرالي. عليه سيكون والي كسلا الجديد، آدم جماع، معصوماً من التصنيفات القبلية المعقدة في ولاية متنازعة بين أقطاب قبلية متنافرة، وبالتالي حال استطاع أن يكون على مسافة واحدة منها جميعا، فإن أموره ستنسرب بسلاسة، ولكن في حال مال ولو ميلة صغيرة فذلك سيكون (العود الذي يشقلب الريكة).

لكن من المؤكد أن صفات الوضوح الشديد، والصراحة الأشد عند جماع، يضاف إلى ذلك الكرم الدارفوري والبيت المفتوح، لصفات ستلعب أدواراً مهمة في إداراته لولاية متقسمة الولاءات ومتجاذبة دوما.

مصابيح مظلمة - سرعة البت في القرارات

يؤخذ على والي كسلا الجديد، آدم جماع، سرعة البت في القرارات مهما كانت درجة أهميتها. قد تكون تلك نقطة إيجابية لدى البعض، لكن عدم التريث يقود أحياناً لأخذ مسارات خاطئة.

وإن واصل جماع طريقته الحاسمة في إدارة ولاية تحتاج إلى اللعب بالبيضة والحجر، فقد يكسب كثيرا من الخصماء، وهو أمر سهل جداً في ولاية تقوم على التصنيفات.

كذلك فإن عددا من الشواهد الحاضرة في حفل استقبال جمّاع، لربما تلقي بظلال سالبة على مسيرته الشرقية. إذ حضر حفل الاستقبال القائد الميداني لقوات الدعم السريع العميد محمد حمدان (حميدتي) بصفته صديق حميم للوالي الجديد، وهو ما يعطي إشارات سالبة لإمكانية أن ينسحب التأثير على مجمل الأوضاع في كسلا وذلك عبر تكوين دائرة ضيقة تتخذ القرارات، ومكونة من معارف.

مراكز القوة – بيتاي وترك والرشيدي

تتوزع كسلا في ولاءاتها بين مكونات قبلية كبيرة، ترسم مسارها السياسي والتنموي كذلك.

ويعد ناظر الهدندوة، سليمان علي بيتاي، أبرز أقطاب الولاية وأكثر مالكي مفاتيحها، ويقال -لا بصيغة المبالغة- إن الرجل قادر بإشارة من يده على حشد ألوف المناصرين. ينازعه في الأمر الناظر محمد أحمد محمد الأمين ترك، وهو ذو سلطة وسطوة.

في المقابل، لا يمكن إلَّا أن يطل البني عامر بحسبانهم أحد أكبر مكونات ولاية كسلا بقيادة الناظر إبراهيم محمد عثمان دقلل، ودقلل رجل مسموع الكلمة مهاب الجانب.

كذلك يبرز الرشايدة وقائدهم صعب المراس مبروك مبارك سليم، والشكرية الذين ينتمي إليهم الوالي السابق، محمد يوسف آدم، كمكون لا يمكن تجاوزه البتة، وإلى جانبهم الحباب، أضف إلى أولئكم مجتمعين المكون النوبي في حلفا الجديدة، والمكون السكاني بغرب القاش، والآخيران في مقدورهما تغيير مجريات الأمور حال قررا الانحياز إلى طرف من أطراف اللعبة.

إذاً في ضمن هكذا منظر، وهكذا ظروف، يستوجب على آدم جماع، البحث عما يجمع وتجنب ما يفرّق.

الدولة العميقة – آدم وشجرة السلف

بطانة الوالي السابق محمد يوسف آدم، تشكل خطراً بالغاً على الوالي الجديد، وتهدد منصبه بشدة، فهم لن يرضوا إلّا والفشل يحيط بجماع من كل جانب.

لذا قد تجد قرارات الوالي الجديد، آدم جماع، ممانعة كبيرة، وبيروقراطية أكبر، قبل أن تتنزل واقعا. وبالتأكيد لن يتم تقييد ذلك ضد مجهول، فمن يريدون سقوط الوالي معروفون وذلك ابتغاء الفتنة وابتغاء عودة الوالي القديم.

"""""""""""""""""""""""""""

"""""""""""""""""""""""""""

ديباجة

ترعرع آدم جماع في مدينة الفاشر، ونشأ ضمن أسرة تنشط في مجال المال والأعمال وهو ما سيكون له بالغ الأثر على مستقبله كما سنعرف لاحقا.

وظل منزل آل جماع قبلة للضيوف وأهل الحاجة، ومن هنا تشرب المنتمي للحركة الإسلامية منذ بواكير صباه، الروح القيادية.

(1)

وفي خليط بين نشاط أسرته والنشاط الاقتصادي الذي تحتاجه الحركة الإسلامية الخارجة وقتذاك من المصالحة الوطنية منهكة ومتعبة، ولج جماع إلى بنك فيصل الإسلامي، أحد أهم واجهات الحركة الإسلامية الاقتصادية، وذلك في مطلع الثمانينات، وتدرج في سلك البنك إلى أن وصل إلى مدير فرع البنك في أحد أهم حواضر دارفور: (الجنينة).

(2)

لكن أنشطة جماع السياسية والاقتصادية تعرضت لانتكاسات كبرى بفعل الاعتقالات المتكررة التي طالته في حقبة مايو، وحتى حين أنجز السودانيون ثورتهم المجيدة في أبريل 1985م، كان من ضمن إنجازاتها إخراج جماع وجميع رفاقه من قعر معتقلات مايو.

(3)

وواصل جماع حراكه داخل مؤسسات الجبهة الإسلامية القومية بعيداً عن الأضواء منشغلاً بالتنظيم والصيرفة. ولم يظهر الرجل بفعالية إلّا في نهايات التسعينيات حين تقلد منصب محافظ رهيد البردي، ومن ثم معتمداً لنيالا في أوج أزمة دارفور، وخلال تلك الفترة العصيبة لعب جماع أدواراً مهمة في عملية تأمين دارفور.

(4)

ومن ثم احتقب آدم جماع سيرته ورحل إلى ولاية نهر النيل التي عمل في أرجائها وزيراً. بعدها انفتحت أبواب المركز في وجهه، فدخل من بوابة الحج والعمرة كنائب للمدير، ثم ما لبث أن أصبح المدير نفسه.

وفي المركز استطاع جمّاع بشخصيته الجمعية وعلاقاته بكل رموز دارفور، أن يتسنم ابتداء من العام 2004م منصب مقرر أمانة دارفور في المؤتمر الوطني واستمر على ذلك الحال لسنوات.

(5)

ومعروف عن جمّاع أنه قيادي نشط في كل الأجهزة التنظيمية داخل أروقة المؤتمر الوطني، وقبيل أن يتم اختياره والياً نافس في الكلية الشورية لشمال دارفور وحل ثانياً ضمن خمسة شخوص كانوا مرشحين لتولية منصب الوالي.

أسرياً؛ جماع متزوج بثلاث نسوة له من أصلابهن عدد كبير من الأبناء والحفدة، يتعاطى معهم جميعاً بروح أبوي، وتأكد أنه لا تحول بينه وبينهم المشغوليات.

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
7 + 1 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية