عبد الحميد موسى كاشا... قبطان الإصلاح تتقاذفه أمواج "بحر أبيض"

عرض المادة
عبد الحميد موسى كاشا... قبطان الإصلاح تتقاذفه أمواج "بحر أبيض"
تاريخ الخبر 17-06-2015 | عدد الزوار 2819

الخرطوم: عبد الوهاب جمعة

هذا ما جعل كثيرين يخشون على "موسى" الذي تسنم منصب الوالي مؤخراً، من حبال الفتنة وعصي الشقاق التي يرميها "الكباتن"، حتى لا يُخيل إليه – من سحرهم - أنها حية تسعى.

يتوجب على (كاشا) الحذر من أشواك طندب (الكباتن) وحسكنيت الحرس القديم الذي سيحاول الالتصاق به لإفشال خططه التطويرية.

مطلوبات.. ما ينبغي أن يفعله كاشا

الاستقبال الكبير الذي حازه كاشا من قبل أهالي النيل الأبيض يفرض على الرجل أن يتطلع إلى آمال أولئك الذين استقبلوه، فقضية بحر أبيض المركزية تتعلق بالجوانب الاقتصادية أكثر منها بالسياسية. وليس بخافٍ أن تجربة السيد عبد الرحمن المهدي في الولاية كانت ترتكز على المقاربة الاقتصادية وليس السياسية. فأولويات الولاية تبدأ بإصلاح المشاريع الزراعية، وإيجاد تمويل لها. ومعلوم أن إيراد النيل الأبيض السنوي يصل إلى 26 مليار متر مكعب، يُستغل منه أقل من 10%، ومن 7 مليون فدان صالحة يظل أغلبها بور رغم صلاحيتها للزراعة.

الولاية التي تتمدد على طول النيل الأبيض لا يوجد بها غير طريق واحد، هو في الحقيقة طريق قومي من الخرطوم إلى الأبيض. تم إنشاؤه في 1983م، بينما الطرق الداخلية بمدن الولاية المختلفة جرف الإهمال طبقة الأسفلت التي تحويها. ثم إن الولاية عانت من الإهمال في تقديم الخدمات الصحية والطبية، وهو ما فاقم تباعد الشقة بين حكومة الوالي السابق وسكان الولاية.

محاذير.. كاشا اعرض عن هذا

من الصعب وضع لائحة تضم كل المحاذير التي يجب على كاشا تجنُّبها، لكن من السهل وضع خارطة عامة تبدأ بضرورة ابتعاد كاشا من قتلة الولاية التنموية). وهم خليط من رجال أعمال دون قاعدة اقتصادية صلبة، ينضاف إليهم تنفيذيون وجدوا أنفسهم يتسنمون قيادة مؤسسات حكومية بالصدفة، بعد تطبيق نظام الحكم الفيدرالي. ومعلوم أن أولئك القتلة وأدوا مشروعات تنموية مهمة في سبيل طموحات شخصية.

تنتهي قائمة المحاذير بتطهير الولاية من سطوة مجموعة الضغط التي تُعرف محلياً بـ(كباتن الولاية)، وهم مجموعة من الأشخاص تتباين شخوصهم شمال وجنوب الولاية، عُرفوا بضيق آفاقهم ووضاعة تعليمهم. بيد أن القاسم المشترك بينهم يتمثل في القدرة الفائقة على احتواء أي والٍ للولاية، وتقزيم دوره ومنعه من التواصل مع مواطني الولاية، بهدف هو واحد تحقيق مصالحهم الشخصية. أما طموحاتهم فتتجلى في الحصول والاستحواذ على الأراضي.

مراكز القوى.. في تذكر مماليك القاهرة

لا يخفى على أحد أن كباتن ولاية النيل الأبيض أصبحوا مثل مماليك القاهرة في سطوتهم على الولاة، وبالرغم من قلة تحصيلهم الأكاديمي وعدم اكتسابهم الخبرة الذاتية، إلا أنهم أذكياء في التواصل وإرسال الرسائل الذكية للولاة، بقدرتهم الفائقة في حشد المعوقات، وإيهام الولاة والمسؤولين بأنهم يملكون مفاتيح الحل والعقد. هم في ذلك مثل السحرة. ولعل هذا ما جعل كثيرين يخشون على "موسى" الذي تسنم منصب الوالي مؤخراً، من حبال الفتنة وعصي الشقاق التي يرميها "الكباتن"، حتى لا يُخيل إليه – من سحرهم - أنها حية تسعى.

خميرة عكننة.. حذارِ من تحالف الفاشلين

الاحتفاء العفوي الكبير بمقدم كاشا، الذي امتد من منطقة الشيخ الياقوت في حدود ولايتي النيل الأبيض والخرطوم، وحتى ربك عاصمة الولاية، يشير إلى توق ممثلي قرابة 2 مليون نسمة هم سكان الولاية، إلى نهضة النيل الأبيض. لكن قبل أن يطرح كاشا رؤيته وتحقيق تلك الأماني، فإن البعض سيصبحون بمثابة (خميرة عكننة) لتصيب خطط الوالي في مقتل، وتحاول تدجين الرجل الذي عُرف بحكمته وبساطته وتقربه من الكادحين والبسطاء، من لدن جنوب دارفور وشرقها.

سيجد كاشا نفسه في مواجهة زمرة من الحرس القديم يتشكلون من تنفيذيين سابقين فشلوا في إدارة مؤسساتهم، ورجال غرقوا في مياه بحر أبيض الضحلة، ولم يقدموا شيئاً في ذكراهم. ومجموعة ممن امتهن حياكة الألاعيب وفض غزل الناجحين. نسيت تلك الزمرة أن الرئيس البشير بدأ مشروع الإصلاح، وأن كاشا سيكون المعول الذي يهد حصون من زرع الفتنة القبلية.

الدولة العميقة.. كاشا و(حسكنيت) الحرس القديم

ولاية النيل الأبيض التي تقع في حزام السافنا الفقيرة حيث تنتشر الأشجار الشوكية تتطلب من كاشا الحذر من (حسكنيت) الحرس القديم الذي سيحاول الالتصاق بكاشا والذي يُعرف عند العامة بـ(شيلني معاك). وعلى السيد "كاشا" أن يتجنب أشواك طندب (الكباتن) الشائك والسام، وهو مطالب – أي كاشا - بأن يميط عن أذى أشواك (لعوت) مستثمري الغفلة من أمام طريقه إلى أمانة الحكومة بربك. وعليه وضع خطة استباقية تتمحور في التنمية المتوازنة بين جنوب وشمال الولاية، كسباً لسكان جنوب الولاية الذين يرون في تولي 3 ولاة من شمال الولاية هضماً لحقوقهم، وعليه أن يلتفت إلى رغبات وطموحات سكان الريف الذين يمثلون 64% من سكان الولاية وفي الوقت نفسه لا ينسى مسائل الحضر وسكان المدن.

مصابيح مضيئة.. الحكيم في بحر أبيض

سيرة كاشا التي عرف بها من حيث تواضعه وقربه من الأوساط الشعبية وتوجهه نحو معالجة المشاكل من جذورها، ربما تعينه على إدارة بحر أبيض المحشود بالمتناقضات، إذ أنه سيحل في ولاية ذات موقع استراتيجي، وسيجد كاشا أن أطروحاته التنموية والاقتصادية توفر لها مكاناً في بحر أبيض، حيث مركز ثقل صناعة السكر بالبلاد، وثاني أكبر مصنع للاسمنت بالبلاد، ومحالج ونسيج القطن وأكبر ميناء نهري بالبلاد ورئاسة إقليم السكة حديد الجنوبي وحقل الراوات ومحطة المعالجة الرئيسية لنفط الجنوب، وأكبر محطة لإنتاج الطاقة الكهربائية تعمل بالوقود بالبلاد بسعة 500 ميجا واط.

مصابيح مظلمة.. ميراث الإهمال

إذا كان كاشا يظن أن وضع النيل الأبيض أفضل من شرق دارفور فإن على كاشا أن يراجع تفكيره، وعليه أن يعيد النظر كرتين، ففي الحقيقة أن كاشا جاء من (الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر).. فالولاية التي تتعرض لعواصف ترابية طبيعية قبل موسم الأمطار، تعرف محلياً بـ(الكتاحة) و(الهبوب) يمكن أن تتحول نتيجة الإهمال الطويل والمتجذر إلى أنواء تقض مضجع كاشا.

فقد عانت الولاية على مدى سنوات من قلة مشروعات التنمية أو تأهيل تلك المتوفرة أصلاً، فسكان الولاية عرفوا بالاستنارة في الريف والحضر والطريقة الوحيدة لاستمالتهم، هي تقديم نموذج جديد في التواصل معهم، وتبشيرهم بمشروعات التنمية، على كاشا أن يسعى لحل مشكلات جنوب الولاية والتي تتعلق بالزراعة وحركة قطعان الماشية تجاه دولة الجنوب، والتي يصل عددها الى 8 ملايين رأس. وعلى كاشا أن يعيد لمدن الولاية ألقها القديم، وليبدأ من كوستي التي عرفت بقدرتها الهائلة في احتضان الآخرين، وصهر مكونات المجتمع المختلفة، وليكن معلوماً لكاشا الذي اختبر أهمية التغيير الإيجابي، أن سكان كوستي يمثلون قوة الوعي والتغيير الإيجابي.

الجوكر.. التواضع بلا ضعف، والقوة بلا تعسف

مزية كاشا الجوهرية تتمثل في تواضعه بلا ضعف، وقوته بلا تعسف، تلك الميزة ستجعل من كاشا جوكر المركز لحل المشكلات التي يعهد له بتوليها، وبالرغم من أن سحرة النيل الأبيض تمكنوا من تلقف واحتواء كل الولاة السابقين الذين جلسوا على دست الولاية، إلا أن كاشا يمتلك لاعباً مهماً وهو خبرته في إيجاد مقاربة مختلفة لمسائل التنمية بجانب مهارته في فض المنازعات.

يجدر بكاشا أن يضع رقابته على كباتن النيل الأبيض وفق خطة (مان تو مان) وأن يوقن بأن الهجوم خير وسيلة للدفاع، وأن ينزع إلى تكتيك (أرمي الكرة وأجري) لإجراء معالجات سريعة لمشاكل عويصة، من أجل الوصول لنتائج مبهرة في زمن قياسي، لكن عليه أن لا ينسى أن يقود الولاية بروح الفريق دون إقصاء.

الكرت الرابح لكاشا سيكون هو إيصال رسالة للجميع بأن قدرة البعض في تعطيل قرارات الوالي قد انتهت، فالولاة اليوم تم تعيينهم من قبل الرئيس مباشرة، وأن الرئيس منحهم صولجان الإصلاح دون رجعة.

ديباجة

على ضفاف بحيرة (سبدو) إحدى جنان بحر العرب الحية، كان الطفل عبد الحميد يقضي سحابة يومه متأملاً حركة الموج وخيرات البحر التي يقذفها كل صباح ومساء. بيد أن المنظر البديع يتلاشى عند حلول الخريف وشد الرحال شمالاً.

حركة المد والجزر في بحيرة سبدو، وتحركات الطفل الصغير مع قطعان الماشية، كان لها أثرها في تشكيل عقل عبد الحميد وجعله يدرك ( إنما الحياة تعب بيد أن جمال الحياة في خوض طينها وشرب مائها الصافي).

ومع بلوغ عبد الحميد حاجز الست سنوات التمعت في ناظري والده موسى، رؤية أن ينتقل بابنه إلى الضعين، حاضرة أرض الرزيقات لينهل ابنه من التعليم الرسمي. وفي الرحلة من "سبدو" إلى الضعين كانت الأجراس الصغيرة المعلقة في عنق الثور المهيب تُقرع ويبدو أن الصغير موسى كان ينصت إلى رنين الأجراس وهي تحدثه بأنه (يوما ما سيبزغ نجمك وتصير حكيماً في الزمان).

الدرس الأول: سبل كسب العيش

صخب أصوات باعة ومشتري أسواق الضعين لم يُنس عبد الحميد أصوات الأجراس التي كانت تتردد في ذهنه فعكف ينكب على الدروس في مدرسة الضعين الأولية. وهناك صادفت دروس الجغرافيا في نفس عبد الحميد هوى، وعندما درس كتاب (سبل كسب العيش في السودان) عرف أن السودان أكبر من مجتمعه المحلي، كما رآه في الزيارة الخيالية لابن الفضل، المقررة في على تلاميذ السنوات الباكرة في المرحلة الأولية، حيث وجد (أن أهله قد رحلوا من كيلك.. وفي الفضاء نزلوا في بقعة تُسمى بابنوسة.. حيث اتقوا ذبابة تعيسـة)، أدرك عبد الحميد أن (كل له في عيشه طريقـة، ما كنت عنها أعرف الحقيقـة، ولا أشك أن في بــلادي ما يستحق الدرس باجتهاد).

منحت تلك العظات المُضمنّة في كتاب الجغرافيا عبد الحميد دافعاً لأن يجتهد في مدرسة الضعين الأميرية الوسطى، ليكمل المرحلة الثانوية في كل من نيالا ومعهد التربية بفاشر سلاطين دارفور. ومنها التحق بكلية الاقتصاد جامعة (مومباي) التي يُطلق عليها السودانيون (بومباي) في افلام البطل (جاك طويلة) والخائن (جبار سنج).

عاد كاشا لينهل من العلم مجدداً، فحاز على درجة الماجستير من جامعة جوبا والدكتوراه من نفس الجامعة، بأطروحته العلمية الموسومة بـ (دور المنظمات والمؤسسات الإقليمية والدولية والتجمعات التكاملية في التنمية الاقتصادية).

في خدمة المجتمع المحلي

والنفس التي جُبلت على عشق المعرفة والعمل اللصيق بقضايا المجتمعات المحلية، دفعت عبد الحميد إلى العمل خارج السودان في دولة ليبيا، حيث عمل في هيئة حكومية تُعنى بالتنمية الريفية ومسائل القبائل المترحلة.

رجع كاشا بخبرات عملية ومقاربات معرفية ليخدم مجتمعه المحلي، وسريعاً تلقفته منظمة اوكسفام البريطانية قبل أن تصل اليه إيدي المنظمات الأخرى. فعمل مديراً للمنظمة في كل من الضعين ونيالا. وهناك نشط في إيجاد منظمات محلية شريكة من أجل التوصل إلى حلول دائمة للفقر. بينما ساهمت رؤية أوكسفام الكلية بضرورة التغيير الإيجابي في تعزيز مكانة كاشا وسط أهله.

استخدم كاشا مقاربة اوكسفام بالانطلاق من (محاربة المجاعات) إلى (محاربة أسباب نشوء المجاعات) عمل كاشا على إيجاد سبل لإعالة الناس أنفسهم بأنفسهم وتوفير حلول طويلة الأجل للقضاء على الفقر.

الرؤى التي اختبرها كاشا مع اوكسفام دفعته لمستوى رفيع لتقديم العون للاطفال، فعمل مع منظمة الطفولة البريطانية لتحسين حياة الأطفال. وهناك تجلت قوة كاشا في قوة دفوعاته الإنسانية عن وضع النازحين ومعاناة الأطفال، من جراء النزاعات القبلية. ويُروى عن الرجل تعاطفه الشديد مع (الذين نزحوا من ديارهم وأجبرتهم الظروف على ترك قراهم).

قلب رحيم في ظرف عصيب

العمل الطوعي رفع من حس كاشا الإنساني، وبالرغم من النشأة في مجتمع بدوي قائم على شظف العيش، والشدة ومواجهة ظروف الطبيعة القاسية، من وحوش وبأس الخريف وسخونة الصيف ووعثاء الرحيل، إلا أن تلك الظروف كشفت عن قلب ينزع إلى الرأفة والانحياز للشرائح الضعيفة، وسيماء التواضع والتواصل في آنٍ متزامن.

عركت الحياة كاشا ودفعت به الى عالم السياسة نائباً لرئيس المجلس التشريعي، ووزيراً للشؤون الاقتصادية بولاية القضارف. ومن بعدها وزيراً للمالية بنفس الولاية. ومن القضارف مطمورة السودان الزراعية الكبيرة، انطلق نجم كاشا ليصبح وزيراً اتحادياً للزراعة والغابات، ومنها وزيراً للتجارة الخارجية، وبعدها رئيسا للجنة الصناعية والاستثمار والتجارة الخارجية بالمجلس الوطني (البرلمان).

شكيمة كاشا وخبرته في ادارة العمل التنفيذي الولائي والاتحادي، جعل المركز يدفع به والياً لجنوب دارفور، حيث وضع بصمات قلما ينالها والٍ أو حاكم في أكبر إقليم بالبلاد.

في لجة بحر أبيض

نجاح كاشا في إدارة ملفات جنوب دارفور جعله تحت الواجهة، مما جعل المركز يدفع به إلى الولاية الوليدة بشرق دارفور، بعد تقسيم دارفور لخمس ولايات، بدلاً عن ثلاث. لكن كاشا رفض تولي منصب والي شرق دارفور لمعرفته بطبيعة الولاية ذات الأبعاد القبلية المتجذرة، بينما تظاهر سكان جنوب دارفور مطالبين ببقاء كاشا بنيالا.

لكن لاحقاً، رضخ كاشا للمصير، وتوجه الى الولاية المضطربة قبلياً، وأثبتت الأيام صحة افتراض كاشا. فترجل عن حكم الولاية بسبب النزاع القبلي بين الرزيقات والمعاليا.

استنبط كاشا من تلك المحنة ضرورة توجيه جهده لمسألة فض النزاعات وتعزيز المصالحات القبلية فأنشأ (مركز كاشا لبناء القدرات وتعزيز السلام والتنمية). الآن يترك كاشا مركزه الذي غرس فيه خلاصة خبرته، ليتسنم قيادة بحر أبيض المضطربة من الناحية الإدارية، رغم إمكانيات الولاية الكبيرة.. ويبقى التساؤل حاضراً: "هل ينهض كاشا بصرة السودان أم إن الحبل على الجرار؟".

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
4 + 6 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية