قضايا الاجتهاد والتجديد وثلثية القرن الخامس عشر الهجري

عرض المادة
قضايا الاجتهاد والتجديد وثلثية القرن الخامس عشر الهجري
2653 زائر
15-06-2015

بينما تعيش أوروبا وأمريكا في أجواء فواتيح الألفية الثالثة 2015م ومناهج التفرد بقيادة الكون وارتياد الفضاء وثورة الاتصال والمعلوماتية، يقبع المسلم في أجواء فواتيح الثلث الثاني من القرن الهجري (1436) حزيناً مطرقاً كاسف البال مطروداً من بلده أو مسجوناً فيه أو حاملاً أدوات القتل متربصاً بأخيه في العراق وأفغانستان والصومال وسوريا وليبيا ودارفور وجبال النوبة وسيناء، ولعل الحرب الوحيدة الدائرة في العالم خارج جغرافية العالم الإسلامي فقط جنوب السودان، هو كذلك في تخوم العالم الإسلامي. وفي غربه توجد بوكو حرام وما وراء بوكو حرام من طوارق وقاعدة، وفي شرقه الصومال وما فيها من تشرذم وقتال.

وما من سيف سُلَّ في ديار الإسلام، كما سل في قضية الإمامة أو السلطة، ابتداءً من الفتنة الكبر التي كان من ضحاياها أحب أحباب رسول الله (ص) ذي النورين سيدنا عثمان زوج ابنتيه، وزوج ابنته فاطمة سيدنا علي كرم الله وجهه، ولعل الذين قتلوا في حروب الفتنة الكبري أضعاف مضاعفة لمن قتلوا في حروب الردة، وما تلاها من حروب الفتوحات الإسلامية.

وجمد العقل الإسلامي في مجال الاجتهاد والتجديد في قضايا السلطة والسياسة، ما بين من زعموا أن الولاية بالنص وآل البيت "الأئمة من قريش" ومن قالوا بالأئمة المعصومين كالشيعة ومن نادوا بمشروعية من غلب وحرموا الثورة والخروج الخ.. ولم تبرز أطروحات نظرية أو فكرية حول الشوري ومواعينها وأدواتها – وإلى هذا اليوم هناك حنين لفكرة الخلافة وإعطائها صورة مثالية ترتد حين تشخيصها، وهناك في التفكير الإسلامي التقليدي تشكيك في جدوى الدولة القطرية باعتبارها زراعة استعمارية تواكبت مع نكبة فلسطين وقيام إسرائيل، ومع ذلك فإن فكرة الوطنية متغلغلة في النفوس ولا تكاد الحدود تمس حتى تلتهب المظاهرات، وتسيل الدماء باسم الحمية الترابية والنزعة القومية كما هو في شأن الصحراء ما بين المغرب والجزائر وحلايب بين مصر والسودان وجزر حنيش ما بين اليمن وأريتريا وحروب الصومال وحينما اجتاح الرئيس صدام الكويت كان ما كان.

وعقل المسلم ملتبس، فهو من ناحية، يسبح بحمد الأمة والخلافة ويحن لها، ومن جهة أخرى يحمل سلاحه دفاعاً عن القومية والوطنية والوحدة الترابية، مضت على الحركات والجماعات الإسلامية عقود تهتف بالدستور الإسلامي والحكومة الإسلامية بدون تأطير نظري، خصوصاً أنه لا الثقافة الإسلامية ولا التاريخ الإسلامي يسعف بنماذج، لأن التاريخ الإسلامي يعرف الحاكم ولا يعرف الحكومة والجماعات الإسلامية تعرف الأمير ولا تعرف للأمير مؤسسة، والجماعات الصوفية تعرف الغوث أو القطب أو صاحب الوقت والعلاقة ما بين الشيخ والحوار ما بين الميت وغاسله، فهو بين يدي شيخه كالميت في كفنه – أما الجيوش فهي حارسة الملك – والعلاقة ترابية تقوم على الفناء في الرتبة العليا ثم الفناء في الملك ومن أجله – إذن فالتقليد الاجتماعي يقوم على الترابية السلطوية والقبلية والاجتماعية، وإن كانت ثمة مؤسسة فهي لتأكيد وتبرير هذه الترابية، ولذلك تنعدم الرؤى النقدية أو المدافعة الفكرية ويظل السكون هو سيد الموقف- مات الملك، عاش الملك.

وعلى خلاف البيات الروحي والفكري والسياسي الذي عاقبته الاستبداد والشخصنة وخلاصته أن الأمة ومؤسساتها عديمة الفائدة وإن المجد والخلود لمن هو في كرسي السلطة. لذا لا عجب إن ماتت جذوة التجديد وخبأت حيوية الأمة وأصبحنا أسرى لمنظومات سياسية ميتة وأوضاع اجتماعية خامدة – ولما كان الاستبداد لا يعرف الآخر ولا يعرف مطلوبات العيش المشترك، ولا يعرف سنن التدافع، أصبح التخوين والإلغاء والمصادرة أصل الحكم – وما للآخر إلا النار والبطش والسجن لذا فلا عجب أن اشتعل حريق الآخر المخاصم في كل العالم الإسلامي بل انتقل من الخصومة إلى الحالة العنصرية والصفرية، حالة شمشون الجبارة، الحالة الصفرية عليّ وعلى أعدائي، في العراق، سوريا، مصر دارفور، أطراف السودان، جنوب السودان.

ونمعن بالنظر في حكام الدول القومية فواتيح الألفية، احترام للمعارضة واحترام لقوانين المدافعة وللدستورية والتداول السلمي للسلطة، وأعراف بالمعارضة السياسية والصحافة الحرة والفيصل سيادة القانون وفصل السلطات. أين مكونات العالم الإسلامي من روح الديمقراطية وحكم الشورى والمؤسسية، إذن لا عجب أن أصبحنا في القاع، فينا القابلية للاستعمار والتدخل الخارجي ونحتاج لحكمة ورؤية أصحاب ثورة الاتصال وارتياد الآفاق وصناع الحداثة. والخلاصة التخلف مع الحاكم والأمير أو المهدي والتقدم مع الحكومة والدولة والمؤسسة.

والله أعلم

   طباعة 
2 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
4 + 8 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية