طائرة البشير... التحليق في مطبات هوائية

عرض المادة
طائرة البشير... التحليق في مطبات هوائية
تاريخ الخبر 15-06-2015 | عدد الزوار 1368

الخرطوم: محمد جادين- إبراهيم عبد الغفار

أجواء مشوبة بالتوتر والقلق، صرفت الانتباه من فعاليات القمة الأفريقية رقم "26" بجوهانسبيرج، لتتحول الأنظار إلى الرئيس البشير، ويصبح الحدث الرئيسي في التجمع الأفريقي بعد أن أصدرت محكمة محلية في جنوب أفريقيا أمراً مؤقتاً بمنع طائرته من الإقلاع وحجزه من السفر لحين صدور قرار نهائي بشأن تسليمه للمحكمة الجنائية الدولية، خاصة وأن دولة جنوب أفريقيا موقعة على ميثاق روما، ومن ثم انتشرت الشائعات في مواقع التواصل الاجتماعي كما النار في الهشيم عن مغادرة البشير لجنوب أفريقيا قاطعاً جلسات القمة الأفريقية، في وقت تضاربت فيه المعلومات عن بقاء الرئيس في جوهانسبيرج بأمر المحكمة، أو مواصلته للجلسات غير عابئ بما يدور حوله من مذكرات توقيف بعد تحديه قرارات المحكمة الجنائية الدولية ووصوله إلى البلد الموقع، مطمئناً لموقف جنوب أفريقيا المستضيف للقمة الأفريقية التي أكدت غير ما مرة عدم تعاملها مع المحكمة الجنائية الدولية.

الإعلام يحتشد بالخارجية

سارعت وزارة الخارجية إلى عقد مؤتمر صحفي على عجل لتوضيح الموقف في جنوب أفريقيا بعد أن اتسعت حلقة الشائعات بحجز الرئيس ومنعه من مغادرة جوهانسبيريج بأمر المحكمة المؤيدة للجنائية، وفي الخارجية بدأت الحركة داخل أسوارها أكثر من المألوف، ووصل الصحفيون المعتمدون لدى الوزارة لتغطية نشاطها في وقت مبكر على غير العادة، ومن ثم توالت وسائل الإعلام الأخرى ومراسلو وكالات الأنباء العالمية إلى تشكيل حضور لافت على غير عادتهم في الأيام العادية لتبيان الحقائق ونقل الرواية الرسمية.

المؤتمر الصحفي

ازدحمت القاعة المخصصة للإعلامين بوزارة الخارجية في انتظار الناطق الرسمي باسمها السفير علي الصادق الذي درج على لقاء الصحفيين بصورة راتبة لعكس نشاط الوزارة، وقبيل أن يُحاصر الصادق بأسئلة الإعلام غادر القاعة إثر رنين هاتفه ليعود بعد أقل من نصف ساعة ومعه طاقم الوزارة وعلى رأسه وزير الدولة بالخارجية "الوزير المناوب" كمال إسماعيل، ووزير الدولة بالخارجية عبيد الله محمد عبيد الله، وعدد من كودار الخارجية لتوضيح الموقف في جنوب أفريقيا على لسان الوزير المناوب السفير كمال إسماعيل الذي وصل لتوه من جوهانسبيرج بعد أن شارك في القمة الأفريقية على مستوى الوزراء أمس الأول.

دعوة رسمية للرئيس

بدأ المكان غير معداً لقيام مؤتمر صحفي تم الإعداد له، وكان حديث الخارجية أشبه بالتصريحات منه إلى المؤتمر الصحفي، الوزير المناوب كمال إسماعيل العائد من جنوب أفريقيا تحدث في مقدمة طويلة عن القمة الأفريقية وفعالياتها، واصفاً ترتيباتها بالعادية والروتينية، مؤكداً في الوقت ذاته أن الرئيس شارك في القمة وفق دعوة رسمية من مفوضية الاتحاد الأفريقي الرافضة جملة وتفصيلاً للتعامل مع المحكمة الجنائية الدولية، وأشار إلى أن البشير حظي باستقبال رسمي في جنوب أفريقيا ووجد ترحيباً كبيراً للمشاركة في القمة.

حملة معادية لتوقيف الرئيس

وفي رده على أسئلة الصحفيين بشأن المحكمة المحلية في دولة جنوب أفريقيا ومطالبتها بتوقيف البشير، أقر إسماعيل بدعوى المحكمة، مقللاً من أهمية بلاغها ووصفه بغير القانوني، وأنه دون سند ومنطق، وأشار إلى أن السلطات في جنوب أفريقيا أعلنت القيام بواجباتها كاملة في حماية الرئيس، ووصف ما رشح في وسائل الإعلام العالمية بالحملة الدعائية قال إنها تستهدف السودان في قيادته، مؤكداً أنه لا يوجد ما يهدد سلامة الرئيس.

الثقة في جنوب أفريقيا

تحدث وزير الدولة بالخارجية السفير كمال إسماعيل بثقة كبيرة عن تعويلهم على موقف دولة جنوب أفريقيا في حماية الرئيس البشير، وأشار إلى أنها أصدرت تأكيدات قوية في مجلتها الرسمية "الغازيتا" قبل "10" أيام من انطلاق القمة الأفريقية بعدم تعامل الدول الأفريقية مع المحكمة الجنائية الدولية، مؤكداً أن الرئيس البشير حضر جميع الجلسات بصورة منتظمة، ولم يختف من إحداها كما أشيع في مواقع التواصل وبعض مواقع الأخبار العالمية، وبشأن عودة البشير للبلاد، أوضح أن الأمر مرهون لجدول أعمال الرئيس وسير برنامجه الذي أكد أنه لم يتغيير لدعاوي محكمة جنوب أفريقيا التي أمرت بتوقيفه.

حالة من الترقب

منذ نهار الأمس عاشت الخرطوم في أجواء من الترقب وحبست أنفاسها في انتظار التطورات القادمة من جنوب إفريقيا في أعقاب الأحداث المتسارعة بإصدار المحكمة العليا بجنوب إفريقيا قراراً بمنع رئيس الجمهورية المشير عمر البشير من مغادرة البلاد للنظر في طلب المحكمة الجنائية الدولية ومطالبتها بإلقاء القبض على البشير الصادر منذ العام 2009م، وفي ظل الغموض الذي لف المشهد فإن الشائعات بدأت في التناسل والتكاثر.

مشهد (جوهانسبرج)

بالعودة للمشهد في جوهانسبرج صباح أمس فإن البشير ظهر في القاعة الرئاسية التي عقدت فيها المباحثات مرتدياً بزة زرقاء اللون وشارك في التقاط الصورة الجماعية للقادة المشاركين بالقمة ضمن الصف الأول قريباً من قلب الصف الأول الذي تواجد فيه كل من رئيس الدورة الرئيس الزيمبابوي روبرت موغابي ورئيس البلد المضيف جاكوب زوما، وخلال كلمة الرئيس الجنوب افريقي زوما في الجلسة المفتوحة فإنه رحب بالبشير بشكل خاص بمناسبة إعادة انتخابه مجدداً لولاية رئاسية جديدة.

وأدلي البشير بتصريحات لموفد وكالة (الأناضول) التركية للقمة قال فيه إن "القادة الأفارقة يرفضون الوصاية وهم أسياد قرارهم"، واعتبر فيها أن المحكمة الجنائية الدولية "انتهت وقمة جنوب أفريقيا هذه ما هي إلا مراسم التشييع والدفن".

مفاجأة المحكمة

تسبب القرار الذي أصدرته المحكمة العليا بجنوب إفريقيا والخاص بمنع البشير من السفر لحين النظر في طلب المحكمة الجنائية الدولية في إرباك المشهد داخل كواليس القمة الإفريقية وحتى الدولة المضيفة التي سبق أن أصدرت قراراً في الصحيفة الرسمية للدولة أكدت فيه تمتع جميع ممثلي الدول المشاركة في أعمال القمة بالحصانة القانونية.

(المشهد هنا)

بمجرد نشر تلك المعلومة فإن شح المعلومات الرسمية وانقطاع الأخبار الواردة من جنوب إفريقيا أدت لنسج معلومات بدا واضحاً للمتابعين أنها تستند للتحليلات وهو ما زاد الغموض وبدأت مواقع التواصل الاجتماعي تضج بالعديد من الأخبار غير الصحيحة والتي تم نسبها لوكالات أو لقنوات تلفزيونية ولكن عند التدقيق بمراجعة المواقع الإلكترونية لتلك الجهات لا توجد تلك الأخبار، ولعل أبرزها أن وحدة من الإنتربول قامت بمحاصرة مقر البشير تمهيداً لاعتقاله وأخرى تحدثت عن وضعه رهن الإقامة الجبرية، فيما نقلت مواقع إسفيرية أخرى عن مندوب التلفزيون القومي قوله "إن الأوضاع تمضي هادئة والبرنامج يسير كما هو معتاد".

المجموعة الصغيرة

رغم حالة الاضطراب والوضع الغامض فقد وضح أن مجموعة صغيرة تتكون من حلقة ضيقة هي التي تولت إدارة الأزمة عبر الخرطوم وجوهانسبرج والتي كانت وحدها التي تمتلك التفاصيل والخيوط وحددت خطط التعامل مع هذه الأزمة، ويبدو أن تلك المجموعة الضيقة استفادت من حالة حالة الغموض في تنفيذ وإدارة هذه الأزمة.

زيادة تضارب

على غير المعتاد فإن وزير الإعلام د. أحمد بلال اتسم بالتفاعل والإيجابية بالرد على الصحفيين مساء أمس حينما أكد لهم مغادرة البشير جنوب إفريقيا متوجهاً صوب الخرطوم واكتفى بهذا القدر من المعلومات دون إعطائه لأي تفاصيل إضافية حول مسار الرحلة أو ميقات وصولها.

لكن معلومات أخرى رشحت في وقت متأخر من الليل اشارت إلى أن البشير لا يزال موجوداً في جنوب إفريقيا ولم يغادر بعد وقام بعدة فعاليات مساء أمس التقى فيها عدة رؤساء ويتوقع أن يشارك في القمة الخاصة لرؤساء دول الإيقاد بغرض متابعة التسوية الخاصة بجنوب السودان.

جولات عديدة

منذ صدور قرار المحكمة الجنائية الدولية في مواجهة رئيس الجمهورية المشير عمر البشير قبل أكثر من ستة أعوام وحتى يوم الناس هذا، لم ينكفئ البشير داخل حدود السودان، وقام بالعديد من الجولات الخارجية آخرها زيارته لجنوب أفريقيا مترئساً الوفد السوداني لقمة الاتحاد الأفريقي بعدما تغير موقف جنوب أفريقيا الداعم للمحكمة الجنائية الدولية إلى النقيض تماماً، حينما تبنت الموقف الأفريقي الرافض للتعاون مع الجنائية.

القمة العربية

بعد صدور قرار الجنائية تحدي البشير قرار توقيفه بعدد من الزيارات الخارجية التي كان معظمها للدول المجاورة كـ(أرتريا، أثيوبيا، ليبيا ومصر) إلا أن التحدي الأكبر الذي برز هو مشاركته في أعمال القمة العربية التي استضافتها العاصمة القطرية الدوحة بعد أقل من شهر من صدور ذلك القرار ووقتها حذرت العديد من الجهات حتى الشعبية الرئيس من تبعات السفر ولكنه أصر على المشاركة قي القمة ويومها خطف وصول البشير لمطار الدوحة وقيادته للوفد السوداني الأضواء الإعلامية بالكامل.

تحدي الصين

من بين الزيارات المهمة للبشير في أعقاب صدور قرار المحكمة الجنائية هي وصوله للصين التي تعتبر بمثابة أكبر تحدي لقرار المحكمة الجنائية الدولية باعتبار أن الطائرة الرئاسية ستعبر فوق أجواء دول ليست لديها روابط أو علاقات مع السودان على خلاف الرحلات السابقة التي عبر فيها أجواء دول عربية. لكن لم تسير الرحلة كالمعتاد إذ اضطرت الطائرة الرئاسية للعودة للعاصمة الإيرانية طهران بسبب ظهور معيقات ارتبطت بعبورها أجواء بعض دول آسيا الوسطي. وقيل وقتها أن بعض الدول تراجعت عن السماح للطائرة بالعبور جراء ضغوط غربية مورست عليها في ما ذكرت روايات أخرى أن تغيير مسار الرحلة جاء بسبب قلق من إمكانية التعرض للطائرة وإجبارها على الهبوط.

وبعد ذلك قامت الطائرة بسلك مسارات مختلفة في رحلتها الثانية حتى وصولها للعاصمة الصينية بكين ووقتها حُظي البشير باستقبال كبير من الصينيين والذين تابعوا كل التفاصيل التي ارتبطت بمسار الرحلة وملابساتها التي جعلت الطائرة الرئاسية تختار العودة لطهران.

أصعب الزيارات

تعتبر زيارة البشير لنيجريا ضمن أصعب الزيارات الخارجية خلال السنوات الماضية إبان مشاركته في أعمال قمة الاتحاد الأفريقي التي عقدت بأبوجا نظراً لعبوره أجواء دول مصادقة على ميثاق روما التأسيسي للمحكمة الجنائية الدولية. ويومها شهدت الزيارة ملابسات ارتبطت بمغادرته أبوجا قبل انتهاء القمة، وهو ما جعل أجهزة الإعلام تربط تلك المغادرة بوجود مساعٍ وحراك جهات سعت لإصدار حكم قضائي لتنفيذ أمر الاعتقال الصادر من المحكمة الجنائية، إلا أن السلطة النيجيرية نفقت وقتها تلك الأنباء واعتبرت تلك المغادرة لم تكن مفاجئة وإنما نتيجة لارتباطات مسبقة للبشير الذي استجاب لدعوة حضوره القمة الأفريقية بحضوره شخصياً لأعمالها.

جدل (نيويورك)

فاجأ البشير المراقبين في سبتمبر 2013م بالإعلان عن اعتزامه المشاركة في اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة المقامة بنيويورك، ومضى لأكثر من ذلك حينما أشار إلى عدم وجود قانون بالولايات المتحدة الأمريكية يعطيها الحق في اتخاذ إجراءات ضده كما أن واشنطن ليست عضواً في المحكمة الجنائية الدولية وهو ما كان يعني عملياً أن واشنطن لن تجد أي مسوغ قانوني يمكنها من اتخاذ أي إجراءات ضد البشير وهو ما سيضعف الجنائية بشكل كبير، ولذلك فإن المخرج من هذا المطب بالنسبة للأمريكيين كان العمل على إعاقة وصوله لنيويورك بتأخير ثم رفضهم منح البشير تأشيرة دخول الأراضي الأمريكية وهو ما حال دون إكمال مشهد التحدي هذا، وفي ذات الوقت مثل مخرجاً آمناً للولايات المتحدة الأمريكية وجنبها حرجاً دولياً كبيراً.

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
5 + 5 = أدخل الكود