إيلا وولاية الجزيرة

عرض المادة
إيلا وولاية الجزيرة
3673 زائر
11-06-2015

من أكثر ما أثار اهتمام أهل الصحافة والسياسة في اختيار الولاة الذي صاحب التشكيل الأخير في المناصب الدستورية نقل الأخ محمد طاهر إيلا من ولاية البحر الأحمر إلى ولاية الجزيرة، وأحسب أن مبررات القرار لا تحتاج إلى إعمال ذهن، ذلك أن الرجل نُقل من ولاية ذات أهمية إستراتيجية وعاصمة ربما لا تقل أهمية من عاصمة البلاد وقد تتفوق عليها من حيث كونها الميناء البحري الوحيد للسودان وخطورة موقعها الجغرافي وتأثيره على أمن البلاد القومي.. أقول إن الرجل نُقل من البحر الأحمر إلى إحدى أهم ولايات ومدن السودان بما يعني أن (نوعية) عطاء الرجل في ولايته السابقة هو الذي استبقاه والياً وأهم من ذلك حوله إلى ولاية تعتبر صُرة السودان وحاضنة أكبر المشاريع الزراعية المروية في العالم.

ما من والٍ سبقته شهرته وعطاؤه السابق إلى موقعه الجديد الذي استقبله بالذبائح والاحتفالات مثل إيلا وحق له فقد أحال بورتسودان إلى مدينة عصرية ونجح لأول مرة في السودان في صنع سياحة داخلية لم تكن جزءاً من ثقافة الشعب السوداني، فقد ذكّرتني بورتسودان بعد تولي إيلا أمرها بشرم الشيخ المصرية التي زرتها إبّان انعقاد مؤتمر لشبكة هيئات الاتصالات العربية وكان من الممكن أن يصبح جبل مرة خلال فترة الصيف مثلاً منطقة سياحية لولا وحوش الجبهة الثورية ولوردات الحرب في الحركات الدارفورية المسلحة الذين قتلوا أهليهم وخرّبوا بلادهم وشوّهوا سمعة وطنهم وأفقروه بنزقهم ووحشيتهم.

آسف أن أستطرد مضطراً بسبب تذكُّري جبل مرة لأذكّر بمثال لما اقترفه هؤلاء الوحوش في حق وطنهم من خلال تدميرهم لجهاز الإرسال التلفزيوني الذي تم تركيبه في أعلى قمة جبل مرة ليغطي ولايات دارفور الثلاث.. جهاز إرسال بقوة عشرة كيلوواط كان هو الأكبر في أفريقيا ولكم أن تتخيلوا أن جهاز إرسال الخرطوم الكبرى تبلغ طاقته خمسة كيلوواط ووضع جهاز جبل مرة في قمة الجبل حتى يغطي أكبر مساحة ممكنة وقد افتتحته عام 1995م حين كنتُ مديراً للتلفزيون القومي وصعدنا إلى قمة جبل مرة ومعي الأخ اللواء حسن حمدين والي غرب دارفور وقتها، وكان د. المتعافي والياً على جنوب دارفور.. وللأسف فقد حطّمت الحرب ذلك الجهاز الذي كلّف ملايين الدولارات، فكم حُطم غيره من قبل وحوش التمرد ممن يتنقلون وأولادهم بين باريس وتل أبيب وعواصم أوروبا ويقيمون في الفنادق المترفة بينما يعيش أهلوهم في معسكرات النزوح رغم أنهم يطرحون أنفسهم (محررين) ليحكموا السودان فما أتعس السودان بهؤلاء الأوغاد؟.

أرجع لأقول إن إيلا أسعفته، لا ريب، فترة عمله وزيراً للطرق والجسور، مما أفاد منه كثيراً في تعمير بورتسودان وأحسب أن الأمر سيكون سهلاً عليه جداً في ود مدني بخبرة أوسع وعلاقات ممتدة إلى خارج السودان.

للأسف الشديد فقد ريَّفت الخرطوم السودان بسبب الهوة الكبيرة بينها وبين بقية الولايات الفقيرة إلى خدمات التعليم والصحة وغيرهما الأمر الذي جعل شركة توزيع الكهرباء تتحدث عن أن حياً واحداً في الخرطوم يستهلك من الطاقة الكهربائية أكثر مما تستهلكه بعض الولايات وأن الخرطوم لوحدها، إن لم تخنّي الذاكرة، تستهلك حوالي 70% من كهرباء السودان!.

ذات الشيء يتكرر في مختلف الخدمات ولذلك لا غرو أن يحتل طلاب الخرطوم أكثر من 80% من أوائل الشهادة الثانوية السودانية أما العلاج والمستشفيات العامة والخاصة فحدّث ولا حرج الأمر الذي جعل معظم أثرياء السودان يهاجرون إلى الخرطوم ويبنون فيها قصوراً فخمة حتى ينعموا بحياة طيبة تتناسب مع أموالهم لا يجدونها في مناطقهم الأصلية.

تخيّلوا لو أن مدينة البشير الطبية التي ينشط بعض رجال الأعمال في إقامتها الآن لتوطين العلاج في السودان من خلال الإمكانات الهائلة التي ستتوفر لها.. أقول تخيلوا لو أن هذه المدينة أقيمت في مدني أو نيالا مثلاً ليس لخدمة مواطني تلك المناطق فحسب إنما لتجذب المرضى من دول الجوار في غرب أفريقيا كما ينجذب السودانيون الآن للسياحة العلاجية في مصر والأردن.

صباح الجمعة الماضية استضاف د. مأمون حميدة عبر برنامجه (صحة وعافية) طبيبين جراحين يعملان في مركز القلب بمدني وعلمتُ من حديث أحدهما أنه عمل في المستشفيات البريطانية بضعة عشر عاماً وأن مركز القلب في مدني يجري عمليات قلب مفتوح!، لم أعرف هذه الحقيقة إلا في ذلك اليوم مما يكشف درجة تقصيرنا وغيرنا في التبشير بهذه المعلومات المهمة.

نحتاج إلى مستشفيات مرجعية ومدارس نموذجية في كل مدن السودان وإلى خدمات كبيرة ينبغي أن تتوافر حتى ننهي هذه الطبقية المناطقية الضارة التي لن تفعل غير زيادة نار التغابن لهيباً في بلد تفتك به الحروب.

من أجل ذلك وغيره جيء بإيلا لكي يحيل مدني إلى بورتسودان أخرى ولكي يسهم في إحياء مشروع الجزيرة حتى لو بتعديل القانون.

نحتاج إلى إسهام إيلا في تحديث ود مدني حتى تصبح شوارعها مثل شوارع بورتسودان وإلى تحديث طريق الموت (الخرطوم مدني) حتى يكون بمسارين ونحتاج ونحتاج ونحتاج، فهل ينجز إيلا ما وعد به؟.

   طباعة 
9 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
5 + 5 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية