مساء أسود نادر الحدوث

عرض المادة
مساء أسود نادر الحدوث
تاريخ الخبر 06-05-2015 | عدد الزوار 1667

آدم الرضي

وضعها الذي يجلس أمامك على سبابته.. ثم نقر عليها بشدة من أسفل بإبهامه .. ثم تطير نحو السماء مصدرة صوتًا مروحياً.. رهيباً عالياً ارتجت له أرجاء المكان الضيق .. تسحب نفسا عميقاً .. لتمتلئ رئتيك بهواء الكون كله .. ثم تفرغه دفعة واحدة مصدرًا صوتاً عنيفاً لا يتماشى مع الصوت الرنان الذي ما زال يأن بيأس وعمق واضحين وهو يتلاشى إلى .. أعلى .

تجحظت كل العيون التي شكلت دائرة صغيرة حول منضدة متهالكة وضوء برتقالي محمر خافت .. وهي تسمو كلما ارتفع الصوت نحو السماء .. ثمة ارتعاشة لذيذة تعبث بكل القلوب الخاوية .. المحترقة.. النتنة .. التي لا أمل لها ..

كان الذي يجلس أمامك حصيفًا في مثل هذه الأمور .. يرمقك بنظرة حادة وخبيثة .. تعلو وجهه ابتسامة صفراء شامتة وباهتة .. كانت محترقة أيضًا وشبه ميتة .. حبات عرق صافية غير ملوثة تستوطن أعلى جبينك .. أنفاسهم الكريهة النتنة تصدر أصواتاً عنيفة لتتقاطع مع الصوت الذي تلاشى في الفضاء .

كنت تهمس لوحدك .. في صمت تحبه في مثل هذه المواقف ..

هل جننت ؟ ما الذي دفع بك إلى هنا مرة أخرى ؟؟ يا لك من أحمق, ألم تقسم وتحلف بتربة أمك بأن لا تعود إلى هنا مرة أخرى ؟؟ تباً لك.

عذراً.. هذه المرة العاشرة تقريبًا وأنت تردد هذا الكلام.. لماذا لا تقلع عن المجيء الى هذا المكان ؟؟ هل ستسامحك سلوى (زوجتك) ؟ إن جئت بملامحك الفاترة الباهتة النتنة ؟؟ هل ستذهب سلوى إلي منزل والدها كما أقسمت ذات مساء أسود نادر الحدوث ؟ هل ستعلق جسدها الهزيل أعلى سقف غرفتك اليتيمة العجوز الوحيدة ؟ كما قالت للمرة الثالثة ؟ لا .. لا أظن ذلك .. هي طيبة وحنية بما يكفي لأن تغفر لي .. لكنها شرسة .. أجل شرسة جدًا ..

لم تترك آنية واحدة سليمة عندما تدخل أنت بذات الملامح الرتيبة.. ولم تفلح في تجاوز الأواني المتطايرة نحوك .. إنها رغم نحافتها وجسدها الذي يبدو ميتاً, تبدو سريعة وماهرة في تسديد الأواني نحوك.. وأنت رغم سرعتك لا تسلم من إصاباتها العنيفة ..

لكنها حنينة .. بعد أن تضع الحرب غير المتكافئة أوزارها, تحملك بحنيتها المعهودة ويديها المتحطبتين لتذهب بك للطبيب الشعبي الذي يستوطن الحي منذ زمن ليس بالقريب.. والذي يقول لها وللمرة التي لا يستطيع هو نفسه أن يحصيها: (اذهبي للشرطة أولاً) تبكي هي في هدوء مفتعل .. وتمسح ما تبقى من دم على رأسك.. وجهك.. عنقك.. جسدك كله، بطرف ثوبها البالي المتسخ المهترئ الذي يضج بالنوافذ الكبيرة التي دائماً ما تفضح عريها.. وتقول ببراءة نادرة (عليك الله يا دكتور ,عالجه.. ودي آخر مرة ).

ويقول الدكتور في غضب واضح (والله المرة الجاية أوديك البوليس) ثم يأخذ قطعة قطن كبيرة وقليلاً من الديتول.. ثم تبتسم أنت بصدق.. وترمقها بزاوية بعيدة من عينك اليمنى.. وهي تبصق غضبها ناحية النافذة التي تطل نحو الفراغ ..

توقف الصوت الرنان الذي يرتفع إلى أعلى سماء المكان .. توقف قلبك للمرة الأولى.. منذ أن تعودت التردد على هذا المكان .. عاد الصوت يقترب .. ثم يقترب أكثر.. فأكثر.. ظل يرتفع تدريجياً كأزيز طائرة تجيء من أفق سحيق.. والعيون المتجحظة التي تملأ المكان في شكل دائرة, صامتة. مجنونة.. وجافة. كان الذي يجلس أمامك يتأهب لمعانقة الصوت بكفه الشيطانية الماهرة.. ما زالت تنبعث منه ابتسامة خبيثة من بين شارب ضخم ولحية حليقة ..

لأول مرة تشعر بمثل هذه الارتعاشة العنيفة التي تصدر من عمق قصي من أعماقك .. لتصدر ذبذبات غريبة لكل أطراف الجسد المتهالك وأنت تتذكر جيدًا صورة سلمى وكنوز بناتك عندما طردن من المدرسة بسبب تأخير الرسوم الدراسية.. كان والدك يقول دائمًا مستنكرًا تعليم البنات (هي القراية للبنات شنو كمان؟) هنا تماماً .. وفي هذه اللحظة بالذات تدرك جوهر كلام والدك .. وتهتف بحماس داخلي حاد أجل يا أبي.. يا حكيم.. لا تعليم للبنات بعد اليوم.. هناك أعمال كثيرة ليقمن بها في المنزل.. عندما أعود سأوكل لكل واحدة منهن مهمتها بإنصاف وعدل لا مثيل له.. ولكن جمال.. جمال ابني الثائر الصباحي العنيف.. الذي أخرجته من المدرسة ليعمل ويساعدني في قسوة الظروف.. مؤكد أنه سيقتل إحداهن عندما يستيقظ من نومه المتأخر .. وعندما يتفحص جيبه ولم يجد نصف نقوده التي جناها ليلاً.. مؤكد إنه سيقتل إحداهن .. ماذا سيفعل لو أدرك بأنني أتسلل الى جيبه ؟؟ سيقتلني؟؟ طبعا لا.. لكنه لن يعود إلى المنزل مرة أخرى .. كما سبق وفعل ذلك, لكن توسلات أمه هي التي أعادته ..

ارتفع الصوت الذي هبط من أعلى سماء المكان.. معلناً اقتراب الجسم المتحرك بسرعة جنونية.. وبحرفية شيطانية قبض الذي يجلس أمامك بكفه الضخمة على مصدر الصوت.. ثم كتمه تماماً.. ما عدت تسمع ذلك الرنين مرة أخرى.. توقف نبض كل شيء .. العيون المستديرة من حولك .. المذياع .. المروحة التي تدور بخمول وكسل وأنين متراكم لزمن طويل.. صرير الكراسي الخشبية القديمة المتهالكة.. الأنفاس.. الناس.. وأنت.. تجمد كل شيء في لحظة درامية لمخرج هائل.. لم يخطر على بالك أي شيء.. فقط ظلام.. ظلام ملأ الذاكرة بغير متسع.. تمنيت بشدة أن يكون حلماً, كابوساً, أي شيء غير واقعي.. ضربة عنيفة على المنضدة ارتجت لها أطراف المكان .. أعادتك إلى هذا الواقع الذي لا تريده.. وصوت غليظ يتدحرج من بين شارب ضخم ولحية حليقة, يقول (صورة ؟؟ أم, كتابة)؟ ..

ارتعاشة مجنونة تخرج من عمق سحيق لترسل ذبذباتها إلى كرسي عجوز متهالك بالكاد يصمد أكثر.. يئن الكرسي أسفلك بألم غريب.. عاد المكان يضج بهدوء متسارع .. تحرك كل شيء .. كما أنه ضخ الدم في العروق فجأة .. سمج في صورة بلهاء يحتسي الماء بصوت مسموع .. نقرشة أكواب فارغة وهي في انتظار مزيد من السموم.. سكران يغني بلسان ثقيل ويعبث بمفردات أغنية تحبها.. كم وددت أن تصفعه على فمه حتى يكف عن ملاحقتك بصوته الأشتر.. صوت نسائي يضحك بصخب لا مبالٍ .. كشكشة كيس تمباك خالٍ.. فقاعات هواء دافئة تضج داخل نارجيلة بلهاء.. دخان يتصاعد بجنون.. تحرك كل شيء.. ما عداك .

تختار صورة أم كتابة ؟؟ أنت تحب الصور أكثر.. كنت لا تحب الكتابة وأنت في المدرسة .. عندما تذاكر, كنت تلتهم الصور وتتجاهل الحروف العقيمة المبعثرة على الورقة.. فلذلك, من الأفضل لك ولمستقبلك أن تختار صورة.. أجل.. صورة ..

هتف الصوت الغليظ المنبعث من بين شارب ضخم ولحية حليقة (صورة ؟؟ وللا .. كتابة)؟

دون تركيز منك.. تملكك الخوف.. قلت (كتاااابة).

ثمة ابتسامة وقحة تكسو ملامحه الوعرة كلها .. ونسمة بارده تكسو جبينه والمكان.. ضجيج عال .. وتصفيق حاد .. وصيحات استهجان خبيثة تلاحقك كلما ابتعدت عن المكان .

ثمة ظلام حالك يتسرب في أعماقك كلما توغلت في الذاكرة .. وثمة شعاع ذهبي واحد .. كان ينبعث من خاتمها الذي كانت تدخره لليوم الأسود .. انطفأ في عتمة منضدة مستديرة متهالكة... تخرج حزيناً.. تذهب إلى .. لا .. مكان .

17/7/2013 الخرطوم

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
1 + 8 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية