عودة حلايب تحت شعار: السودان للسودانيين!

عرض المادة
عودة حلايب تحت شعار: السودان للسودانيين!
9243 زائر
06-07-2014

تناولت الصحف اليومية بالتعليق على العبارة التي صدرت من الرئيس المصري السيسي أثناء زيارته العابرة للسودان, عندما قال: السودان جزء من مصر؟! وهي عبارة حسب المنطق لا تعني غير أن مصر (كل) والسودان جزء من الكل مهما افترضنا حسن النوايا من الرئيس الزائر الضيف, الأمر الذي لم يعترض عليه أحد باعتبار أن الرجل ضيف للبلاد وكعادة السودانيين الضيف يكرم مهما بدا منه.
ولكن الكثيرين من أبناء السودان في الداخل والخارج المتابعين والمطلعين على تاريخ العلاقات بين البلدين منذ أن كان السودان تحت التاج المصري في عهد الخديوي, ربما تحسسوا من هذه العبارة التي تنم عن العقلية الخديوية التي يؤيدها الواقع السياسي والوضع العسكري في (حلايب) ثم الحملات الإعلامية التي وجهت ضد السودان منذ ثورة يناير المصرية وما تلاها من أحداث أتت بحكم السيسي بالرغم من الحكمة التي اتبعها السودان في الوقوف في الحياد باعتبا ر أن ما يحدث في مصر هو شأن داخلي يهم الشعب المصري إلا أن سهام الاتهام لم تتوقف وظلت تنتاش السودان من وسائل الإعلام المصري بدرجة لم تحدث حتى في عهد الرئيس (مبارك) والذي بسبب اتهام السودان بضلوعه في محاولة اغتياله في العاصمة الإثيوبية في العام 1995 حدثت القطيعة بين البلدين بل تم احتلال “ مثلث حلايب “ بكامله بعد ذلك الحدث بالقوة العسكرية التي لم يرد عليها السودان في ذلك الوقت حتى لا يخوض حرباً مع بلد عربي شقيق بالرغم من حقه بالرد على ذلك الاعتداء شرعاً وقانوناً.
ويثبت التاريخ لنا مدى حكمة السودان وحلمه مع إخوته في مصر عندما أعلن السودان أن الحدود بين الأشقاء صنعها المستعمر لذلك لا يتمسك بالحدود بين المسلمين عامة والأشقاء خاصة وبالتالي لم يرسل أي قوات الى حلايب كما حدث في عهد الرئيس المرحوم عبد لله خليل عبد الناصر بسحب القوات المصرية من حلايب, ومنذ ذلك التاريخ ظل الوضع على ما هو عليه, ونتيجة لذلك اتت إتفاقية مياه النيل فى العام 1959سلسة منح فيها السودان أشقاءه الفائض من المياه بل رحل حلفا العريقة لأجل قيام السد العالي هكذا ضحى السودان من أجل مصر.
وبعد تلك الحادثة استمرت حلايب تحت سيادة السودان ولم يعتر هذه السيادة التى مارسها السودان أي شيء منذ استقلاله من الحكم الثنائي (المصري الإنحليزي) وكان الفضل في ذلك يرجع لضباط الثورة المصرية بقيادة الزعيم (عبد الناصر) الذي أيد استقلال السودان وكان أول من اعترف به وبنفس القدر كان الشعب السوداني يتمسك بالوحدة مع مصر حيث ظل ينادي بوحدة وادي النيل التي قادها وعمل عليها رئيس السودان في ذلك الحين الزعيم (الأزهري) حتى فرضت الظروف الواقعية التي ترجع لتركيبة السودان الإثنية وتعدد قبائله واتساع مساحته وتمدده في العمق الإفريقي المتشعب المؤثر في الهوية والانتماء, إلى جانب وقوف أكبر حزب وقوة سياسية متمثلة في”حزب الأمة “بزعامة الإما م (عبد الرحمن المهدي) رحم لله الجميع، والذي كان يقف بشدة مع استقلال السودان فمال الأزهري الى كفة الاستقلال الذي فرضه واقع الشعب السوداني بإرادته الحرة تلك الإرادة التي أعلنها من داخل البرلمان الذي توحد فيه أهل السودان حكومة ومعارضة ورفعوا علم الاستقلال سويًا تحت شعار “السودان للسودانيين«.
وفي نفس تلك اللحظة والساعة كان علم الاستقلال يرفرف فوق حلايب وعلى سارية نقطة شرطة أبو رماد الحدودية في وادي بئر الشلاتين ولم تعترض عليها السلطات المصرية لأنها حدود متوارثة لدولة السودان حديثة الاستقلال الأمر الذي يقره القانون الدولي وسبق أن اعترفت به الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بما فيها جمهورية مصر العربية بل استأذنت السودان في وقت لاحق لإقامة نقاط مراقبة داخل حدود مثلث حلايب لحماية أمن مصر من تسلل الطائرات الإسرائيلية باتفاق بين الرئيسين “السادات والنميري “رحمهما الله وذلك دون المساس بسيادة السودان على أرضه وهذه تجربة عملية عشناها بحكم مسؤوليتنا في المنطقة في تلك الحقبة.
والغريب والمزعج في الوقت الراهن والواقع الماثل الأن تطبيق سياسة التمكين المستمر من السلطات المصرية في مثلث حلايب والإصرار على تمصيره من كل النواحي من جانب السلطات المصرية ومن جانب السودان الإصرار على وجود قواته الرمزية داخل المثلث في وضع غير مريح مما يشكل واقعاً يحتاج لفض الاشتباك بينهما مهما طال الزمن ربما كان هنالك في عهد “مبارك” بصيص أمل بناء على الاتفاق السياسي المعلن بجعل مثلث حلايب “منطقة تكامل “,أما الآن والحال الماثل وما يصدر في الإعلام المصري وتصريحات بعض المسؤولين المصريين “ وقولهم بأن مسألة حلايب محسومة وأنها أرض مصرية 100% “ أمر لا يدعو للتفاؤل خاصة إذا ما ترسخت العقلية الخديوية وسط حكام مصر في العهد الحالي.
إذن ما هو المخرج؟ المخرج في رأيي المتواضع هو الرجوع للشعب السوداني صاحب السيادة على أرضه في هذه الظروف التي لم تصل فيها العلاقات بين البلدين الى هذا المآل منذ الاستقلال, ويرجع السبب في تقديري الى تفاوت سياسات أحزابنا الوطنية في شأن (حلايب) ابتداء من تنازل الاتحاديين عن التمسك والاعتراف بالحدود أصلاً باعتبارهم أصحاب مبدأ الاتحاد مع مصر وكان الواجب يقتضي منهم في فترة الحكم الذاتي أن يعلنوا في اتفاق خاص مع حكومة المصرية إلغاء حدود خط عرض 22 التي رسمها الاستعمار باعتبارها أرضاً واحدة, أو ترسيم الجزء الذي يمثل حدود السودان بما فيها (مثلث حلايب ونتوء حلفا أرقين) بشكل واضح في الخريطة الوحدة مع مصر متى ما تمت, ثم أتت حكومة حزب الأمة برئاسة السيد عبد لله خليل التي كادت أن تدخل في حرب بسبب حلايب وقدمت شكواها لمجلس الأمن المتجددة دورياً كل دورة حتى اليوم فحزب الأمة له دور تاريخي ومسؤولية وطنية في هذا الأمرالوطني الهام, ثم حكومات الإنقاذ في عهديها التي تسامحت في المسألة كما سبق ذكره حتى تمكنت السلطات المصرية على ألأرض الواقعة في المثلث, بل لم نعد نسمع من مسؤولى مصر مجرد كلمة (التكامل) لا سيما من الرئيس السيسي بل بدلاً منها أسمعنا عبارة “أن السودان جزء من مصر”؟!
بناء على هذه المعطيات والسياسات يجب أن نسير بالقضية في دروب أخرى في الاتحاد الأفريقي ومحاكم التحكيم الدولي بوساطة من الدول العربية المقبولة من الطرفين حتى ننزع فتيل المنازعات بين الأشقاء العرب أنفسهم لكي تتم تسوية القضية بتراضي الطرفين, خاصة في مثل هذه الظروف التي تواجهها الأمة العربية والإسلامية والتي تدور حولها الدوائر لحرقهم من الأطراف كما يجري الآن في سوريا والعراق ثم مصر وليبيا وبالتالي السودان بمخطط صهيوني امبريالي محكم سيدمر وحدة البلاد العربية إذا ظللنا على غفلتنا هذه بدون أن نتفق على خطة استراتيجية لمواجهة الاستهداف الاستعماري الجديد,لا سيما ونحن على أعتاب أخطر حرب وهي حرب المياه القادمة والتي يجب أن تعالج فيها مصر مع السودان قضايا الأرض والمياه كحزمة واحدة, وهو أمر ينبغي على الأشقاء في مصر أن يدركوا أهمية موازنة القضايا بالمنطق السليم بأن الذي تحتل أرضه بالقوة ربما لم يقف معك كما ينبغي في حرب المياه القادمة, الأمرالذي يحتم على مسؤولي البلدين تقدير أهمية أن يعيش الشعبان في وادي النيل متنازلين لبعضهم البعض ومتعايشين في وحدة وادي النيل الاقتصادية والمائية على الأقل بدلاً من الوحدة السياسية التي لم تتحقق كما كان يحلم بها الآباء الأوائل, أما نحن أبناء السودان حكومة ومعارضة يحتم علينا الواجب الوطني إعداد أنفسنا لمرحلة سلام تتوقف فيها الحرب فيما بيننا مرحلة تقودها حكومة قومية عريضة تمثل كل القوى الوطنية السودانية لنحافظ على ما بقي من بلدنا وأرضنا ونيلنا.. ولله المستعان.

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
4 + 3 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية