من اغتال قرنق؟ (4)

عرض المادة
من اغتال قرنق؟ (4)
تاريخ الخبر 23-03-2015 | عدد الزوار 2686

البحث عن أجندة الزيارة

إعداد: ماهر أبوجوخ

رغم أن قرنق التقى بمدير مخابراته إدورد لينو صباحاً قبل مغادرته ولكنه لم يطلعه على تفاصيل تلك الرحلة.

موسفيني: اتصل علي هاتفياً وطلب لقائي للتباحث حول قضايا مهمة، أبلغته بأنني مشغول ولكن سأرسل لك مروحيتي الخاصة

وزير داخلية الجنوب الفريق إليو أجانق : سبب الزيارة هو استرجاع دبابات تم استيرادها عبر يوغندا

رواية أحد الضباط الكبار باستخبارات الجيش الشعبي بحدوث زيارة سرية لإسرئيل يشوبها كثير من الارتباك والضعف

كيف نجا عرفات من الموت في حادث سقوط طائرته القادمة من السودان؟!

++

رغم مرور سنوات على حادث تحطم المروحية التي كان يستقلها النائب الأول لرئيس الجمهورية رئيس حكومة الجنوب وزعيم الحركة الشعبية الفريق أول د. جون قرنق، لا تزال العديد من الأسئلة تنتظر الإجابة على ملابسات ووقائع ذلك الحادث الذي أنهى مسيرة (21) يوماً بالسلطة بعد (21) عاماً أمضاها مقاتلاً في الغابات والأحراش لأجل تحقيق غايات وأمنيات ورؤى وأطروحات اتفق معها البعض واختلف حولها آخرون، لكن ربما ما يجمع بين مؤيدي أطروحاتها والمناوئين لها هو محاولة الإجابة على إجابات على أسلئة في حادث سقوط المروحية التي كانت تقله مساء السبت 30 يوليو 2005م.

++

قائمة حوادث

وفاة قرنق بحادث طيران لا يعتبر الأول من نوعه أو الأخير الذي أودي بحياة مسؤولين سودانيين، فقد سبقه حادث في فبراير 1998م توفي فيه النائب الأول لرئيس الجمهورية الفريق الزبير محمد صالح بمدينة الناصر، أما في أبريل 2002م، فقد توفي وزير الدولة بوزارة الدفاع العقيد إبراهيم شمس الدين وقيادات من هيئة أركان القوات المسلحة إثر تحطم الطائرة التي كانت تقلهم بعد هبوطها في منطقة عدارييل بمنطقة أعالي النيل، ولم يخل جنوب السودان من تلك الكارثة إذ توفي في حادث تحطم طائرة قبل عدة سنوات كل من وزير شؤون الجيش الشعبي الفريق دومنيك ديم دينق ومستشار رئيس حكومة الجنوب د. جاستين ياج أروب إثر تحطم طائرة كانت تقلهم من واو لمدينة جوبا، أما آخر تلك الحوادث فكانت بمدينة تلودي بولاية جنوب كردفان التي توفي فيه وزير الإرشاد والأوقاف غازي السر ومرافقوه من الدستوريين والعسكريين الذين كانوا في طريقهم لأداء صلاة أول أيام عيد الفطر المبارك مع المواطنين ومنسوبي القوات النظامية.

فيما نجد قائمة من الشخصيات نجت من حوادث تحطم طائرتها أشهرهم وزير الزراعة السابق د. عبد الحليم المتعافي الذي نجا من الموت بعد سقوط الطائرة التي كانت تقله.

طائرة عرفات

تعتبر وفاة الرئيس العراقي عبد السلام عارف في 13 أبريل 1966م هو أبرز الحوادث الجوية التي لقي فيها مسؤول عربي مصرعه فيها، في أعقاب حادث جوي تعرضت له طائرته بعد زيارته لمحافظة البصرة الواقعة جنوب العراق، أما ثاني أبرز تلك الحوادث فلديه ارتباط بالسودان فهو الذي تعرضت فيه الطائرة التي تقل الرئيس الفلسطيني – والذي كان وقتها رئيس مظمة التحرير الفلسطينية- ياسر عرفات في مساء يوم الثامن من أبريل 1992م، لحادث بعد هبوطها الاضطراري بالصحراء الليبية في أعقاب تعرضها لعاصفة رملية عنيفة وكان وقتها عرفات قادماً من الخرطوم ومتوجهاً لتونس وظلت فرق البحث تبحث عن الطائرة ورجح الجميع سقوطها وتحطمها ومقتل كل من فيها، ولكن بعد أكثر من 12 ساعة من البحث تم العثور على حطام الطائرة وإنقاذ من تبقي أحياء من ركابها.

يعود الفضل لإنقاذ عرفات يومها لقائد الطائرة الكابتن محمد درويش –الذي قتل في هذا الحادث- حينما وجه عرفات بالوجود في الجزء الخلفي من طائرة الانتنوف التي كانت تقلهم باعتبارها ستكون الأكثر أمناً مقارنة ببقية أجزاء الطائرة عند هبوطها الاضطراري في رمال الصحراء ثم ربطه لعرفات على المقعد الخلفي بكل البطاطين الموجودة بالطائرة ووضع بقية مرافقيه حوله كدروع بشرية لتقليل صدمة السقوط أما الخطوة الأخيرة التي قام بها قبل هبوطها الاضطراري فهي التحليق بالطائرة حتى مشارفة وقودها على النفاد لضمان عدم انفجارها وعند تنفيذ الهبوط الاضطراري فإن الجزء الوحيد الذي لم يتعرض للتحطم هو الجانب الخلفي الذي كان يتواجد فيه عرفات ومرافقوه والذي تمكن بعد اكمال الهبوط الاضطراري من تحرير نفسه بفضل سكينة أمريكية كان يرتديها وقام بعدها بتوجيه بقية الركاب الأحياء بجلب ما تبقى من طعام وماء والابتعاد عن مقدمة الطائرة تجنباً من إمكانية جذب الدماء للحيوانات البرية المفترسة بالصحراء وظلوا قابعين ومددين لحين عثور طائرات وفرق الاستطلاع عليهم وتم بعدها نقلهم للمستشفيات لتلقي العلاج.

الأكثر كارثية

رغم وقوع العديد من حوادث الطيران لمسؤولين بحكومات الدول إقليمياً ودولياً فسيظل الحادث الذي وقع في السادس من أبريل 1994م فوق سماء كيجالي هو الأكثر كارثية في نتائجه، فيومها سقطت الطائرة المقلة لكل من رئيس رواندا جوفينال هابياريمانا ونظيره البورندي سيبرين نتاريمبيرا ولم يكن فقدان رئيسي بلدين في حادث واحد هو الكارثة وإنما ما أعقبه من نشوب حرب أهلية غير مسبوقة في البلدين ارتكبت فيها أفظع وأبشع جرائم الحرب والانتهاكات ونظمت فيها حملات التطهير العرقي المتبادلة بين الهوتو والتوتسي بصورة منهجية ومدروسة وباتت تلك الحرب الأهلية ضمن أبشع وأسوأ نماذج حروب التطهير العراقي خلال القرن الماضي.

البداية من (عداريل)

قبل الدخول في الجانب الخاص بتحطم طائرة قرنق دعونا نرجع للخلف لمدة أسبوع قبل الحادث وتحديداً اجتماع مجلس وزراء الحكومة المكلفة بحضور كل من رئيس الجمهورية ونائبيه الذي عقد بمنطقة عدارييل والتقيت بأحد الصحفيين الذين حضروا هذا الاجتماع والذي رافق قرنق لاحقاً وهو الصحفي بصحيفة (الأيام) – وقتها والمستقر حالياً خارج السودان- جعفر السبكي والذي قال لنا إن قرنق طلب منه ومن صحفيين آخرين بعد انتهاء اجتماع مجلس الوزراء لمرافقته لرومبيك ونيوسايد وحضور أول احتفال جماهيري يخاطبه بجوبا منذ خروجه وتكوينه للجيش الشعبي، لكن الأمر الثاني الذي دفع قرنق لاستصحاب الصحفيين معه هو ردهم عملياً على الإشاعات الرائجة بالخرطوم حول وجود خلافات بينه وبين نائبه سلفا كير وقوله لهم "أن يستمعوا لرأي سلفا وينقلوه عبر صحفهم".

وصل قرنق ومرافقوه لمدينة رومبيك والتقوا نائبه سلفا كير في منزل الأول، حيث نفى الثاني وجود أي خلافات بينه وبين قرنق واصفاً المروجين بذلك بأنهم من أعداء السلام ولا يريدون الاستقرار، ويذكر السبكي عبارة أوردها سلفا في ختام المقابلة: " أنا وأنتم بعد هذا اللقاء مدعوون لحضور حفل العشاء الذي يقيمه الرئيس على شرفكم، فإذا كنا مختلفين فلا أعتقد أنني كنت سألبي هذه الدعوة". واستمرت الزيارة لرومبيك لمدة ثلاثة أيام خصص قرنق معظمها لعقد الاجتماعات مع قيادات الحركة الشعبية، ومن ثم شدوا رحالهم لمدينة نيوسايد التي تعتبر مركز قيادة الجيش الشعبي لتحرير السودان والتي أيضاً شهدت اجتماعات مكثفة بين قرنق وقيادات سياسية وعسكرية بالحركة الشعبية.

انتظار طال

ويذكر السبكي أنهم التقوا بقرنق مساء الخميس 28 يوليو 2008م وأخبرهم بأنه سيغادر صباحاً ليوغندا لمقابلة الرئيس اليوغندي يوري موسفيني على أن يعود مساء يوم السبت، ودعاهم للاستعداد لمرافقته صباح الأحد لحضور الاحتقال الجماهيري الذي سيخاطبه بجوبا وأوضح أن ربيكا طلبت منه عدم المغادرة والمكوث مع ضيوفه من الصحفيين، لكنه أصر على الذهاب وحينما اقترح عليه الصحفيون السماح لهم بمرفقته اعتذر "لأنه أخذ إذناً يقتصر عليه وطاقمه الخاص من رئيس الجمهورية ومن الرئيس اليوغندي"، وأضاف السبكي قائلاً: "للأسف فإن انتظارنا طال وكانت تلك المرة الأخيرة التي التقينا فيها قرنق الذي لم يعد أبداً بعد تلك الرحلة" .

إبلاغ رسمي

خلال تلك المقابلة رفض قرنق طلباً لزوجته ربيكا بعدم المغادرة والمكوث مع ضيوفه وإرجاء زيارته ليوغندا حيث أصر على الذهاب كما رفض الاستجابة لطلب الوفد الصحفي بمرافقته في رحلته تلك "لأنه أخذ إذناً يقتصر عليه وطاقمه الخاص من رئيس الجمهورية ومن الرئيس اليوغندي". لكن قبل المرور عرضاً على ما ذكره قرنق دعونا نتوقف في جزئية "أخذ الإذن من رئيس الجمهورية" – وكان يقصد المشير عمر البشير- وهي نقطة مفتاحية باعتبار أن الشائع هو عدم أخذه لإذن رسمي وقيامه برحلة سرية.

نجد أن جزئية إبلاغ الرئاسة بالرحلة ورد ضمناً في سياق حديث السبكي ولكنها جاءت أكثر وضوحاً في إفادة لربيكا قرنق في مقابلتها مع برنامج (نقطة ساخنة) حينما قالت إنها طلبت منه عدم إخبار رئاسة الجمهورية بسفره، ولكنه رفض وقال: "كلا، أنا النائب الأول لجمهورية السودان ورئيس لحكومة الجنوب، نصبت للتوّ في هذا المنصب، لا أستطيع الذهاب إلى أوغندا دون إعلام البشير", وطبقاً لربيكا فقد قام فعلياً بالاتصال بالرئيس وأبلغه باعتزامه السفر لمقابلة الرئيس اليوغندي يوري موسفيني.

بداية النهاية

وفي يوم الجمعة 29 يوليو يغادر قرنق ومرافقوه على متن طائرة خاصة ويصلون عنتبي وقام مساعدوه بإبلاغ زوجته ربيكا بخبر وصولهم لعنتبي ثم استقلوا مروحية خاصة بموسفيني وتنقلهم لمزرعته الواقعة بمنطقة راكاتورا -والتي تبعد ثلاثمائة كيلومتر غرب كمبالا وعُقد ظهر اليوم التالي اجتماعان الاول ضمه هو وموسفيني بجانب وزراء الخارجية والداخلية والدفاع ونائب رئيس الوزراء ومدير المخابرات اليوغندي، أعقبه اجتماع ثانٍ بعد الأول شارك فيه بجانب قرنق وموسفيني كل من سفير الولايات المتحدة الأمريكية جيمي كولكر وسفيرة هولندا يوغا برانديت والسفير السويدي استيغ والسفير البريطاني، وبعد انتهاء هذين الاجتماعين أمضى الليل هناك وقفل عصر اليوم التالي عائداً في رحلة لم يصل محطتها النهائية.

البحث عن الأجندة

قبل محاولتنا البحث في تفاصيل تلك الزيارة الأخيرة دعونا نحاول التنقيب في أجندة قرنق قبل تلك الرحلة بالاستعانة بعدد من الإفادات التي أدلى بها مقربون له أو تمكنا من الحصول عليها، الأولى مصدرها اللواء ياسر سعيد عرمان – الأمين العام الحالي للحركة الشعبية /شمال- في إفادته للجنة التحقيق الوطنية حول حادث تحطم مروحية قرنق برئاسة مولانا أبيل ألير ذكر فيها أن قرنق بعثه لنيروبي لترتيب عقد اجتماع مع فصائل قادة الحركات المسلحة بدارفور وما يعضد رواية عرمان تلك ما ذكرته ربيكا قرنق – زوجة قرنق- في مقابلة أجراها معها برنامج (مهمة خاصة) بقناة العربية أشارت فيه لاتفاقهما مع زوجها على مرافقته لزيارته لنيروبي لرؤية أبنائها هناك.

أما الرواية الأهم فهي التي أوردها الرئيس اليوغندي يوري موسفيني في مقابلة أجرتها معه صحيفة (نيو فجن) اليوغندية والتي أشار فيها إلى أن قرنق هاتفه يوم الخميس 28 يوليو 2005م وطلب لقاءه للتباحث حول قضايا مهمة تخص شعبه وأفريقيا والعالم، وأضاف:" كان ردي أنني مشغول، مع ذلك قلت له سأرسل لك مروحيتي الخاصة تنتظرك في مطار عنتيبي ومن ثم تقلك إلى راكاتورا"، حيث تبعد الثانية مسافة ثلاثمائة كيلومتر غرب كمبالا وطبقاً لهذه المعطيات تجعل ترتيبات طلب الزيارة تم اقتراحها بالكامل من قبل قرنق بغرض مناقشة وبحث أجندة خاصة.

لكن آخرين ينظرون للأمر من وجهة نظر مغايرة ويعتبرون الأمر بمثابة (استدعاء) عاجل وطارئ قام به موسفيني وكل من سفير الولايات المتحدة الأمريكية جيمي كولكر وسفيرة هولندا يوغا برانديت والسفير النرويجي استيغ والسفير البيرطاني للتباحث حول عدد من القضايا. ومؤخراً ظهرت رواية نشرتها الزميلة (الإنتباهة) قبل أكثر من عام نقلاً عن ضابط استخبارات كبير بالجيش الشعبي أشار فيها إلى أن مكان الزيارة الحقيقية هي إسرائيل التي غادرها قرنق برفقة موسفيني وعقدا اجتماعاً مع مجموعات استخباراتية ومنظمات طوعية انتهى بحدوث اختلافات بين قرنق والداعين للاجتماع لكن هذه الرواية شابها كثير من الارتباك والضعف.

ما سيحدد طبيعة الجهة الداعية للاجتماع هو أجندته إلا أن الغموض يلف بدوره هذه الجزئية فموسفيني حصرها في "مناقشة قضايا تهم شعبه والإقليم والعالم" وهي إجابة أشبه بـ"البحث عن إبرة وسط حزم من القش"، فيما قال آخرون أن أحندة الاجتماع تطرقت لمسألة قضية جيش الرب المعارض لكمبالا الموجود بجنوب السودان، فيما تطرق الاجتماع الثاني الذي شارك فيه السفراء لمستقبل اتفاق السلام الشامل، إلا أن وزير الداخلية الحالي بجنوب السودان اللواء إليو اجانق- الذي كان استقال من عضوية لجنة التحقيق حول تحطم مروحية قرنق التي ترأسها مولانا أبيل الير- فذكر أن الغرض الرئيسي من تلك الزيارة هو استرجاع دبابات استوردها الجيش الشعبي عبر يوغندا.

إخفاء من المخابرات

من ضمن الشخصيات التي التقاها قرنق قبل سفره هو قائد جهاز الاستخبارات الخارجية للحركة الشعبية اللواء إدورد لينو والذي لم يستطع أن يوضح طبيعة أجندة الزيارة الأخيرة بشكل دقيق وحينما سأله مقدم برنامج (مهمة خاصة) على فضائية العربية حول أبرز القضايا التي ستناقش بين موسفيني وقرنق فقد أجاب نصاً:"ربما جيش الرب، ربما الدور الأوغندي في دعمه ولاّ هو في دعم أوغندا، ربما لكن ما كانتش موجود أنا يعني بصراحة كده، ده ما اطلعنا نحن المقربين خالص له علينا نحنا. أنا قابلته طبعاً قبل ما يسافر بيوم، تم اللقاء في رومبيك في الصباح الباكر، وعرفت أنه كان يعني سيذهب إلى أوغندا وقتها، وكان سيذهب إلى نيروبي بعدها، وقال لي: لا بد من الذهاب وطلب مني أن أذهب إلى كينيا واستعدّيت".

وبالنظر لهذه الإجابة الصادرة عن مدير مخابرات الحركة بأن قرنق لم يطلع حتى المقربين "جداً" على تفاصيل تلك الرحلة رغماً عن مقابلته له صباحاً قبل مغادرته وطلبه من مدير المخابرات لينو الاستعداد للذهاب لكينيا فإن هذا الامر زاد من دائرة الشكوك والظنون بأن الجوانب المتصلة بهذه الرحلة قصد لها أنها تبقى سراً قبلها وأثناءها وحتى بعدها عقب سقوط المروحية التي ضمت جانباً من الشهود.

-نواصل-

4 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
8 + 3 = أدخل الكود