(الصيحة) تواصل رحلة البحث وتقترب من قتلة قرنق

عرض المادة
(الصيحة) تواصل رحلة البحث وتقترب من قتلة قرنق
تاريخ الخبر 21-03-2015 | عدد الزوار 1544

من اغتال قرنق؟ (3)

هل عصفت أحلام الوحدة بصاحبها ؟!

إعداد: ماهر أبوجوخ

وجه سلفاكير انتقادات عنيفة في اجتماع رومبيك لموقف قرنق الرافض لاستيعاب فاولينو ماتيب وقواته بجيش الحركة

خيار (الانفصال) كان وارداً ضمن النماذج الخمسة لمسار السودان التي قدمت في مؤتمر شقدوم وندوة واشنطون.

حسمت المراسيم الرئاسية الأولى ولاء الجيش الشعبي وشرعت في تسديد أولى الضربات للقبلية بجنوب السودان

توافقت الرؤى النقدية لبونا ملول وأطراف دولية تجاه قرنق في هذا الأمر (...)

ما حقيقة سعي قرنق لتعضيد رؤيته الوحدوية بتعيين شماليين بحكومة الجنوب ومؤسساته؟!

يوم الإثنين الأول من أغسطس 2005م الذي أؤرخ لدى بعض السودانيين بمسمى (الإثنين الحزين) بإعلان الحكومة رسمياً عن مصرع النائب الأول لرئيس البلاد رئيس حكومة الجنوب رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان، وقائد جيشها الفريق أول د.جون قرنق دي مابيور عقب تحطم المروحية التي تقله، فيما اختار آخرون تسميته بيوم (الإثنين الأسود) نتيجة لأحداث العنف التي اندلعت في ذلك اليوم بين الشماليين والجنوبيين بشكل أقرب لوضع الحرب الأهلية. وربما يصح القول ان سنوات عديدة مرت على هذا الحادث جرت فيها مياه كثيرة تحت الجسور أبرزها استقلال دولة جنوب السودان، وعودة الحرب مجدداً لمنطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان. أما الحدث الأبرز والأكثر أهمية فهو اندلاع الصراع والحرب الداخلية العنيفة بين قادة جنوب السودان.

++

مشيئة القدر أم صنع البشر؟

تبدو تطورات الأحداث تلك وكأنها قد سحبت البساط والأنظار فيما يتصل بمصرع قرنق وملابساته، ولكن على النقيض من ذلك، فإن تلك التطورات سيما المرتبطة منها بالتطورات في جنوب السودان منذ رحيله وحتى الانفجار العنيف للصراع بين الحكومة والمعارضة هناك وانقسام صفوف الحركة الشعبية لثلاثة معسكرات أحدهما في الحكومة مساند للرئيس الجنوبي السوداني الفريق أول سلفاكير ميارديت، وثانيهما مؤيد لزعيم المتمردين دكتور رياك مشار، وفريق ثالث اختار الوقوف بين هذين المعسكرين أبرز قادته ورموزه الأمين العام السابق للحركة الشعبية، باقان أموم ودينق الور وآخرين، ولعل جميع تلك المعطيات وغيرها جعلت السؤال يلح في الأذهان أكثر من المرات السابقة "هل كان حادث قرنق مشيئة القدر أم صنع بشر أرادوا اغتياله؟!".

النماذج الخمسة

من المهم الإلمام بالتطورات الأخيرة التي سبقت ذلك الحادث قبل التطرق لتفاصيله وهو ما يستوجب إلقاء نظرة سريعة وعاجلة على عدد من الوقائع والأحداث التي تبلورت في الأيام الأخيرة لقرنق لكن قبل ذلك دعونا نلقي نظرة للكيفية التي يفكر بها قرنق ورؤيته للمشهد العام للبلاد.

من المهم الإشارة هنا لرؤية قرنق الخاصة وأطروحته التي عرفت باسم (السودان الجديد) والتي نجد أنها ظهرت لأول مرة في خطاب صاغه وكتبه لقيادة حركة الأنانيا في إطار نقده لاتفاقية أديس أبابا ومن ثم تبلورت في أعقاب هزيمة التيار الانفصالي واكتمال سيطرته على الحركة الشعبية لتحرير السودان بعد قيامها في مايو 1983م من خلال المنفستو الأول الذي أصدرته الحركة الشعبية وجيشها الشعبي، ووقتها فإن السودان الجديد في ذلك المنفستو كان يعني (سوداناً اشتراكياً) على غرار النماذج الاشتراكية والشيوعية ووقتها وضح التأثر الكبير للمنفستو بمنهج التحليل الماركسي من خلال فرضياته ورؤيته وتحليله للواقع والنتائج وحتى الأهداف التي أراد الوصول إليها ممثلة في (السودان الاشتراكي).

في أعقاب التطورات الإقليمية والدولية في تسعينيات القرن الماضي أعقاب سقوط المعسكر الشرقي وانهيار أبرز حلفائها ممثلاً في نظام منقستو هيلامريام بأثيوبيا وما تبعها من تداعيات داخلية على الحركة الشعبية بانقسام مجموعة الناصر في منتصف العام 1991م بقيادة كل من الدكتورين رياك مشار ولام أكول ومناداتهما بتقرير حق المصير لجنوب السودان فإن قرنق قدم أطروحة مختلفة لما يقصده بالسودان الجديد في المؤتمر الأول للحركة الشعبية الذي عقدته بمنطقة شقدوم في العام 1994م، والذي تطوره مجدداً حينما استعرضه في ندوة عقدها بالعاصمة الأمريكية واشنطون في العام 2002م، وقدم فيها خمسة سيناريوهات للسودان اصطلح على تسميتها بالنماذج الخمسة.

نجد أن النموذج الأول هو السودان الجديد وأطلق عليه (السودان المتحول الديمقراطي) ويتم الوصول إليه وتحقيقه من خلال تحلل وتحطيم وزوال السودان القديم كلياً ليبنى على أنقاضه السودان الجديد العادل الموحد الديمقراطي العلماني متعدد الأعراق والثقافات والأديان واللغات.

أما النموذج الثاني فهي الكونفدرالية وأسماها قرنق (الإجماع السوداني) وهو وضع انتقالي يتضمن ترتيبات انتقالية بنظامين يتضمن (السودان القديم والجديد معاً) ويكون فيها (القديم) فاعلاً في الأجزاء التي يتواجد فيها مبيناً أن هدفهم في ظل هذا النموذج هو تمديد مساحة السودان الجديد، مشيراً إلى أن ذلك النموذج الكونفدرالي هو إنهاء الحرب ووقف إهدار الأرواح وصيانة وحدة السودان، وخلق تعايش بين النظامين لإيجاد ظروف مناسبة تمكن الشعب السوداني من تقرير مصيره عن طريق الاستفتاء ليختار بين سودان موحد ديمقراطي علماني أو الاتفاق على الانفصال.

أما الثالث فأطلق عليه (السودان الموحد العربي الإسلامي) وهو المطبق منذ الاستقلال واعتبره ينتج الحرب بسبب عدم قبول السودانيين (الأفارقة) أو غير المسلمين به مبيناً أن استمراره سيترتب عليه انفصال لمناطق بالسودان باعتباره يخصع الآخرين المخالفين له ويقوم بتذويبهم مما يؤدي لاشتعال الحرب وتنامي نزعات الانفصال. أما النموذج الرابع فهو (السودان الأسود الإفريقي) واعتبره "افتراضي ولكنه غير بعيد" واستند فيه لإحصائيات (الافارقة) الذين يمثلون أكثر من 60% من البلاد مما يعطيهم الحق في المناداة بسودان إفريقي علماني، ولكنه يعتبره بدوره نموذجاً للحرب أيضاً لأن غير الأفارقة والعرب لن يقبلوا به وسيقاومونه وسيحاربونه وغالباً سيقودهم أيضاً لاختيار الانفصال.

بالنسبة للتصور الأخير فأطلق عليه (الانفصال التام)، وطبقاً لرؤية قرنق فهو نموذج للوجود المنفصل أو الاستقلال الذي يتفارق فيه السودان القديم مع الجديد نتيجة لعدم التناسق واعتبره بمثابة (نموذج الحل الأخير)، معتبراً أن نماذج الكونفدرالية أو العربي الإسلامي أو الأسود الإفريقي يمكن أن تقود لهذا النموذج في حال فشلها في تحقيق النموذج الأول المتمثل في (السودان الجديد).

عواصف (الداخل)

بدا للعديدين أن رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان والقائد العام لجيشها العقيد د. جون قرنق هو في أفضل حالاته بعدما تمكن من إحداث اختراقات كبرى في مسار المفاوضات مع الحكومة السودانية خلال جولات التفاوض مع النائب الأول لرئيس الجمهورية علي عثمان محمد طه، وما أكد هذا الإحساس هو قرب انتهاء الحقبة الصعبة وسنوات الحرب والاستعداد للانخراط في عملية سلام تحظى بمساندة إقليمية ودولية ولم يتبق من المباحثات سوى جداول التنفيذ النهائية والتي توقع الفراغ منها قبل نهاية ديسمبر 2004م.

بخلاف الصورة المتفائلة تلك، كانت الوقائع على الأرض تمضي في اتجاه مختلف، إذ تصاعد الخلاف بين قرنق ونائبه سلفاكير ميارديت والتي بلغت ذروتها في نوفمبر 2004م، حيث سرت إشاعة تفيد بنية قرنق استبدال نائبه بالقائد نيال دينق نيال ثم تبعتها أخرى بصدور توجيهات باعتقال سلفاكير واحتجازه في ياي.

رغماً عن محاولات واتصالات قام بها عدد من قادة الحركة الشعبية لعقد لقاء بين الرجلين لنزع ما في نفوسهم فقد رفض سلفاكير تلبية دعوتين الأولى من قرنق للالتقاء في يرول خلال اتصاله به الثاني من كمبالا، والثانية للالتقاء في نيروبي وبدلاً من ذلك لجأ سلفاكير للتحصن في مدينة ياي، وحينها تصاعدت التكهنات بأن الفريقين في طريقهما للدخول في مواجهات مسلحة.

نجاح الوساطة

حينما تفاقمت الأزمة تقرر عقد اجتماع مشترك لمجلس قيادة الحركة الشعبية والجيش وقادة المجتمع المدني والزعماء المحليين برومبيك أواخر نوفمبر 2004م، إلا أن المشكلة الأساسية كانت في كيفية إقناع سلفاكير بحضور الاجتماع وعدم اتخاذ قرار بمقاطعته. وأفضت تحركات عديدة قادها عدد من قيادات الحركة الشعبية وأبرزهم د.رياك مشار في إقناع الرجل بحضور الاجتماع.

استقبل سلفاكير رئيسه عند وصوله للمدينة باعتباره نائبه، ولكن هذا الأمر لم يكن بمثابة إيذان بانتهاء الخلافات بينهما، وشهدت قاعة الاجتماعات إخراج كل الهواء الساخن من صدره وشرح كل تحفظاته على طريقة إدارة الحركة والجيش وهيمنة (الرئيس) على كل الأمور بالحركة بقوله:"عندما يسافر الرئيس إلى الخارج لا نجد أية موجهات، ليس بوسع أي شخص أن يتصرف إنابة عنه. فلا أعرف لمن تترك شؤون الحركة أم أنه يحملها معه في حقيبته اليدوية".

التهدئة والشكوك

صحيح أن اجتماعات رومبيك العاصفة خلصت لنزع فتيل الأزمة بين الرجلين قبل تطورها لصدام مسلح بينهما، وصدرت بموجبها العديد من القرارات والموجهات على رأسها تكليف سلفاكير بمهمة إعادة تنظيم قوات الجيش الشعبي، أما مهمة بناء الحزب السياسي فكلف بها نائب الرئيس جيمس واني إيقا، أما نائب الرئيس د. رياك مشار فكلف بملف الترتيبات الحكومية للفترة التي ستعقب تنفيذ اتفاق السلام.

أثارت عدة قرارات ومواقف كان مصدرها قرنق نفسه ردود فعل غاضبة، صحيح أنها لم تتطور لموقف معارض بشكل علني لها لعدة عوامل ترتبط بشخصيته وسجله الطويل في التعامل الحاسم مع أي محاولات لمخالفة منهجه في القيادة، وأضيف لها الزخم الإقليمي والدولي الكبير الذي بات يتمتع به في أعقاب التوقيع على اتفاق السلام الشامل في يناير 2005م، والتي بدأها بإصدره قراراً بحل لمجلس التحرير الخاص بالحركة الشعبية في فبراير 2005م، وإطلاقه دعوة للحوار (الجنوبي-الجنوبي) وهو ما أفضى لخلق حالة من الارتباك الداخلي بسبب اتخاذ تلك الخطوات دون مشاورة أي جهة من الجهات.

يضاف لذلك ما ذكره تقرير أعده مركز الأزمات الدولية في يوليو 2005م، أشار فيه إلى أن شهر مارس من نفس العام شهد تململاً داخلياً وسط صفوف الحركة على خلفية اختيار أعضاء لبرنامج تدريبي دبلوماسي والحكم تم استبعاد مناصري سلفاكير، وهو ما اعتبروه تمهيداً لتعيين أولئك المبعوثين لتقلد المناصب العليا على المستويين الاتحادي وبجنوب السودان، إلا أن قرنق نفى هذا الأمر مشيراً لاختيارهم للتدريب وليس تعيينهم في المواقع القيادية.

لمن (الجيش)؟

لم يكن الجيش الشعبي خلال تلك الفترة معزولاً وبعيداً عن دائرة "الهواجس والظنون" حتى إن ذات تقرير مركز الأزمات الدولية –الذي أشرنا له سلفاً- نقل عن أحد الضباط الكبار قوله إن "جميع الضباط الكبار الذين أيدوا سلفا" خلال فترة أزمته قبل اجتماعات رومبيك بدأ تطهيرهم من الجيش الشعبي وإبعادهم عنه.

وجاءت العاصفة الكبرى بالقرار (1) لسنة 2005م الذي أصدره قرنق في العشرين من يوليو 2005م بوصفه رئيساً لحكومة الجنوب والقائد العام للجيش الشعبي والذي نص على تكوين سجل للضباط الاحتياطيين بالجيش الشعبي وأعفى بموجبه كلاً من رئيس هيئة أركان الجيش سلفاكير ميارديت ونقل اثنين من نوابه الثلاثة لكشف الاحتياطي، فيما تقلد ثالثهم الفريق أوياي دينق – الذي ينظر إليه باعتباره من ضمن المقربين جداً لقرنق- لمنصب رئيس هيئة الأركان.

رغم المنطق القانوني والدستوري لهذا القرار باعتباره متوائماً مع نصوص اتفاق السلام الشامل والدستور الانتقالي ومعطى سياسياً باعتباره مؤشراً لشغل الأعضاء الـ(15) بمجلس قيادة الحركة الشعبية الذين أحيلوا للمعاش لمواقع تنفيذية اتحادياً أو بمستوى جنوب السودان إلا أن الجزئية الخاصة بالضباط الاحتياطي فسرت باعتبارها "إقصاء" للعسكريين الذين ساندوا سلفاكير سابقاً وإبعاداً لهم من الجيش الشعبي.

مباغتة (القبلية)

انتقل قرنق لميدان آخر هذه المرة بإصداره بوصفه رئيساً لحكومة الجنوب (4) مراسيم رئاسية قضى الأول بتعيين القائد سلفاكير ميارديت نائباً لرئيس حكومة الجنوب، أما الثاني فنص على حل حكومات الولايات بجنوب السودان وإعفاء الولاة والوزارء والمستشارين السياسيين والمعتمدين فيما أنشأ الثالث إدارة انتقالية لجنوب السودان.

أثار المرسوم الرئاسي الرابع الخاص بتعيين مشرفيين إداريين مكلفين للولايات وكبار مستشارين لرئيس حكومة الجنوب دهشة المجتمع الجنوبي باعتباره تعمد اختيار مشرف لأي ولاية من الولايات العشر من غير أبنائها، وهو أمر مخالف لتوجهات المجتمع الجنوبي السوداني القائم على الأساس القبلي. المؤكد أن خطوة قرنق تلك كان المقصود منها تهيئة المجتمع المحلي لقفزة كبرى لا يتم فيها تجاوز القبلية ككيان اجتماعي وإنما تحجيم تأثيرها السياسي خاصة فيما يتصل بالتعيينات السياسية وهي خطوة مباغتة وغير متوقعة وسيضعف من فرص الاحتجاج والاعتراض عليها الجانب الأسطوري الذي بات يحظى به قرنق بجنوب السودان.

خلاف الحوار

منذ التوصل لاتفاق الترتيبات الأمنية في سبتمبر 2003م، والذي نص على وجود جيشين فقط بالبلاد، وهما القوات المسلحة السودانية والجيش الشعبي لتحرير السودان، وعدم السماح بوجود أي مجموعات مسلحة، فإن موقف قرنق من الحوار مع المجموعات الجنوبية المتحالفة مع الحكومة السودانية تحت مسمى (قوات دفاع جنوب السودان) التي كان يقودها الفريق فاولينو ماتيب كانت رفض استيعابهم بالجيش الشعبي والتلويح بطردهم بالقوة من الجنوب إذا رفضوا تسليم سلاحهم ودمجهم في المجتمع المدني.

على الضفة الأخرى، فإن سلفاكير كانت لديه وجهة نظر أخرى تدعو للجلوس مع تلك المجموعة واستيعابها ضمن الجيش الشعبي لتحقيق أمرين أولهما: لتوحيد الصف الجنوبي- الجنوبي وثانيهما لحرمان الشمال من استغلالهم مستقبلاً في أي أعمال عدائية، ولعله عبر عن هذا الخلاف بوضوح خلال جلسات اجتماعات رومبيك حينما وجه حديثه لقرنق قائلاً:"تتحدث عن الذين يأكلون القارب ونحن في منتصف النهر، دعني أضيف أن القضية ليست الأكل في منتصف النهر.. هناك قلة عبرت إلى الجانب الآخر وعندما طلب منهم الآخرون الذين بقوا في الشاطئ إعادة القارب تلك القلة رفضت وهذه هي المشكلة أنت والقلة الذين عبروا النهر معك لا تريدون بقية الجنوب أن ينضم إليكم، إن بعضنا يرون الخطر ولكنك لا تسمع".

من المهم هنا الإشارة لجزئية مهمة تتمثل في تطابق وجهة نظر سلفا مع القيادي الجنوبي بونا ملول – والذي كان على خلاف عميق مع قرنق- كما تنظر أوساط عديدة بجنوب السودان وخارجه لملوال باعتباره المحرض الرئيسي والمخطط الأساسي للخلافات التي سبقت اجتماع رومبيك ولعل هذه النقطة ضمن رؤى أخرى مثلت التوافق في الرؤى ما بين كير وملوال وبلورة موقفهما الداعى لاتخاذ كل الإجراءات التي تغلق أي ثغرة تتيح للشمال التنصل من حق تقرير المصير، وهو ما يستوجب توحيد وتجميع الجنوبيين على هدف تقرير المصير.

سيبقى الأمر المثير أن هذا الموقف تجاه استيعاب المجموعات الجنوبية عموماً خاصة قوات دفاع جنوب السودان لم يكن مقتصراً على الرجلين فقط، وإنما تبنته أيضاً أطراف إقليمية ودولية لارتباطه بضمان تطبيق حق تقرير المصير لجنوب السودان المنصوص عليه باتفاقية السلام الشامل.

توعد (جيش الرب)

وعيد قرنق لم يكن مقصوراً على مجموعة (قوات دفاع جنوب السودان) وإنما طال حتى (أعداء أصدقائه) ممثلين في قوات جيش الرب للمقاومة المعارضة للحكومة اليوغندية برئاسة يوري موسفيني –زميل دراسة قرنق وأبرز حلفائه الإقليميين- وذكر في آخر حوار صحفي أجرته معه صحيفة (نيوفشن) اليوغندية قبل تحطم مروحيته رداً على سؤال حول ما سيفعله مع جيش الرب وقائده كوني بقوله:"لن يتمكن من الاختباء هناك – ويقصد جنوب السودان، المحرر- وعملنا لن يكون تجاه مليشيا كوني بل سيشمل جميع المليشيات التي في الجنوب لأننا نعمل من أجل توفير السلام والاستقرار في الجنوب".

قلق متنامٍ

على مستوى الأطراف الإقليمية والدولية، فإنها تنظر لقرنق من عدة زوايا تختلط فيها صور الإفريقي الثوري المتحرر بنظرة أخرى تصنفه كديكتاتور متسلط يقود حزبه وجيشه بقوة الحديد والنار دون شفقة، أما على مستوى شمال السودان فينظر إليه –خاصة من قبل المتعاطفين مع الحركة الشعبية- باعتباره (وحدوياً يقود سفينة، ركابها ومحيطها الإقليمي والدولي انفصاليون)، وراهنوا على تعضيد الحشد المليوني الذي حظي به عند وصوله للخرطوم لأداء القسم نائباً أول لرئيس الجمهورية ورئيساً لحكومة الجنوب في تعضيد توجهه وقناعته الوحدوية بل وشروعه في معالجة قضية المحالين للصالح العام بطريقة مختلفة من خلال استيعابهم بالعمل في مجال الخدمة المدنية والعسكرية بجنوب السودان، فوقتها يكون قد أسهم في حل هذا الملف واستفاد من خبراتهم في بناء وتأسيس المؤسسات العامة للجنوب.

لم يقتصر الأمر على الشق الخاص بالخدمة المدنية، ولكنه طال حتى التعيينات الدستورية بجنوب السودان، وفي هذا السياق يمكن الاستدلال بما ذكره المقدم بالقوات الخاصة بالجيش الشعبي هاشم بدر الدين والذي يعتبر ضمن أفراد قوات النخبة الخاصة التي تولت حراسة وتأمين قائد الحركة خلال حديثه لقناة (العربية) أن قرنق عرض عليه منصب والي ولاية غرب بحر الغزال كاشفاً عن اتجاهه لتعيين شماليين بمواقع دستورية بالجنوب لتعضيد هذا المسار الوحدودي.

ولن نحتاج لكثير عناء لنجد إجابة لتعثر تلك الخطوات جراء (مقتله) في حادث المروحية وهذا ما يجعل العديد من الناس يربط ذلك الغياب باعتباره ناتجاً عن سباحته ضد الموجة الانفصالية داخل الجنوب وخارجه إقليمياً ودولياً وهو ما أدى لإغراقه بعدما استعصم ورفض ركوبها.

-نواصل-

1 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
6 + 4 = أدخل الكود