بين المهدي وقوات التدخل السريع

عرض المادة
بين المهدي وقوات التدخل السريع
3654 زائر
18-05-2014

لم أستسغ اتهامات السيد الصادق المهدي لقوات التدخل السريع التي تُعتبر جزءاً من القوات النظامية كما لم أجد سبباً مقنعاً لرد فعل جهاز الأمن والبرلمان ضد المهدي والذي لم يراعِ الظرف السياسي الذي تداعت فيه معظم القوى السياسيَّة للحوار الوطني.
السيد الصادق المهدي يعلم تماماً وقد كان وزيراً للدفاع ورئيساً لمجلس الوزراء في الحكومة السابقة لانقلاب الإنقاذ.. يعلم أن الحروب والتمردات التي عانى منها السُّودان منذ ما قبل الاستقلال وتحديداً منذ تمرد توريت (1955) كانت هي المعوِّق الأكبر لنهضة وتطور السُّودان وفي إدخاله نفق الاضطراب السياسي والأمني والضعف الاقتصادي الذي أمسك بخناقه منذ ذلك التاريخ البعيد حتى اليوم كما يعلم أن انشاء قوات التدخل السريع اقتضته الضرورة لمواجهة التمرد بأسلوب قتالي مختلف عن النهج التقليدي يشبه بل ويماثل أسلوب حرب العصابات الذي تمارسه الحركات المسلحة المتمردة على سلطان الدولة وقد حقق نجاحاً كبيراً في التحرك السريع لمطاردة المتمردين وهزيمتهم وإلجائهم إلى حائط الدفاع بعد أن كانوا في موقف المهاجم الذي يقتل ويسلب ويخرب ويدمِّر ويحرق بدون وازع من دين أو رادع من قِيم أو أخلاق.
صحيح أن هذه القوات ارتكب بعضُ أفرادها عدداً من الجرائم كما حدث في مدينة الأبيض وغيرها لكنها انتهاكات فردية لا يمكن بأي حال تعميمها أو اعتبارها عملاً ممنهجًا ومنظمًا من كل القوة التي يعلم الجميع أنها تعمل تحت قيادة منضبطة بضوابط القوات النظامية التي تخضع لنظام إداري وعسكري صارم.
كان الأحرى بالإمام الصادق أن يكون متوازناً وهو يصدر أحكامه في قضية حساسة تمس أمن البلاد القومي فهل توجد مقارنة بين ما يفعله المتمردون حين يدخلون قرية آمنة مطمئنة من حرق وتخريب وقتل جماعي وما يرتكبه بعض المتفلتين من أفراد قوات التدخل السريع؟! هل توجد مقارنة بين ما ارتكبه المتمردون في اب كرشولا والطويشة وما ارتُكب من انتهاكات من بعض أفراد التدخل السريع؟!
القائد العام لقوات التدخل السريع اللواء عباس عبد العزيز وكذلك القائد الميداني للقوات محمد حمدان حميدتي كانا موضوعيين حين اعترفا بأن أفراد تلك القوات بشر وليسوا ملائكة وأن هناك بعض التجاوزات التي ارتُكبت لكنها لا تعدو الأخطاء الفردية التي تخضع للحساب العسير وليت قيادة قوات التدخل السريع تكثف من تدريب تلك القوات بالذات في جانب التربية الروحيَّة والسلوكيَّة لتجنُّب كل ما من شأنه أن يفتح عليها وعلى السُّودان نيران أعداء الخارج سواء من ممثلي المنظمات الدوليَّة والسفارات الغربيَّة التي لا ترى في طيران أمريكا العابر للقارات لقصف (الأعداء) في اليمن والعراق وأفغانستان وباكستان.. لا ترى فيه إلا حمائم للسلام وفراشات تلثم الأزاهير.
لقد عانى السُّودان طويلاً من الحروب وينبغي أن يحتشد الناس جميعاً ــ وفيهم القيادات السياسيَّة والإمام الصادق بالطبع ــ خلف القوات النظاميَّة لدحر التمرد الذي لن يجنح للسلام وينخرط في الحوار الوطني والمسار الديمقراطي كبديل للبندقية ما لم يعلموا أن القتال يكلفهم كثيراً وأنه لا مجال أمامهم إلا الانخراط في العمليَّة السياسيَّة السلميَّة ذلك أنَّه لا أمل في نجاح الحوار ما لم ينكسر التمرد في ميدان القتال ويقتنع مساندوه من الشيوعيين وبني علمان بعد أن رفض هؤلاء كل دعوات الجنوح للسلام.
من جانب آخر فإن الحكومة ترتكب خطأ فادحاً بتخريب أجواء الحوار من خلال تجريم أحد أكبر داعميه فإن كان الصادق المهدي قد قال ما لا ينبغي أن يُقال فإن الظرف السياسي يقتضي إعمال مبادئ التسامح حتى نمضي بسفينة الحوار والتراضي الوطني إلى الأمام.. فذلك جزء من التنازلات التي ظللنا نطالب بها الحكومة التي بيدها كل مفاتيح اللعبة السياسيَّة التي يمكن أن تقود السُّودان إلى بر الأمان.
غضبة جهاز الأمن تجاوزت الحدود وما زلت أرى أن على الجهاز أن يتخلى عن دوره القديم ويرضخ للقرار السياسي لا أن يتخذ قرارات وخطوات ذات أبعاد وتداعيات سياسيَّة قد تنسف كل أجواء الحوار والتراضي الوطني الجارية اليوم.
(إذلال) المهدي بكل ثقله السياسي خاصة في هذه المرحلة بالطلب إليه (المثول) أما نيابة أمن الدولة قرار سياسي اتخذه جهاز الأمن الذي ينبغي أن يكف عن اتخاذ القرارات السياسيَّة اتساقاً مع توجه الدولة نحو إتاحة الحريات وتهيئة المناخ للحوار الوطني.
كذلك فإن (ظاهرة) منع النشر من قِبل نيابة الصحافة أو غيرها لا يعدو كونه التفافًا على مناخ الحريات نخشى أن يتطور إلى ما هو أسوأ .
أملنا في (حكيم المرحلة) بروف إبراهيم غندور كبير فهلاّ باشر دوره في إطفاء هذه الحرائق الصغيرة قبل أن تتفاقم وتلتهم مسيرة الحوار والتراضي الوطني الذي نعوِّل عليه كثيراً في نقل السُّودان إلى مرحلة سياسيَّة جديدة تسوقه إلى السلام والحكم الراشد والاستقرار والنهضة تحت ظل مسار ديمقراطي يُنهي الاحتراب ويحقق السلام المستدام!!

   طباعة 
3 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
4 + 7 = أدخل الكود
جديد المواد