الطلاق السياسي و الخيانة الفكرية.. ظلم ذوي القربى أشد مضاضة (5)

عرض المادة
الطلاق السياسي و الخيانة الفكرية.. ظلم ذوي القربى أشد مضاضة (5)
3348 زائر
18-05-2014

ولا زلنا نمضي بحديثنا في هذا الأمر وهذه السيرة غير العطرة لنصل مرحلة البيع العلني للمبادئ والأفكار والالتفاف على الحق ولي عنق الحقيقة وكذا محاولة فرض الأفكار بالعنف طورًا وبالتدليس والمكر أحياناً كثيرة.
وشهد العام 1985 الزج بالعديد من الأبرياء والمفكرين والقادة وزعماء العمال في غياهب السجون والمعتقلات حتى امتلأت وضاقت عن أخرها في أم درمان وكوبر وكوستي ودبك وشالا وبورتسودان ونيالا والأبيض وغيرها وتمنت ساحات السجون أن تجمع ولأول مرة العديد من القيادات في زنزانة و احدة وعنبر متحد, وليسخر منا القدر لنجتمع ونحن أسرى ونفترق ونحن أحرار!
ولم يكتف النظام في ذلك العهد بذلك, بل أصيب بلوثة فكرية جعلته ينقلب على أفكاره ومبادئه ليتخذ اتجاهاً راديكالياً متشددًا ويمينياً صارخاً مفعماً بالجوانب ذات النزعة الدينية والروحية, ويسانده في ذلك العديد من أهل المصلحة من العلماء والأدباء ورجال الدين والدنيا كذلك.
وقد مل الناس في ذياك الزمان من القطع والجلد والشنق والصلب وكشف ستر الله الذي أسبغه على المخطئين في نشرات الأنباء وعلى رأس الساعة, في مخالفة واضحة لمقاصد الشريعة وحرمة المجتمع والسلام الاجتماعي
وكذلك عدم التشهير بالناس وإلحاق الأذى بهم طيلة أعمارهم..
وقام المقربون في ذلك العهد بتنصيب الراحل الأسبق النميري كإمام للقرن ومجدد دين الأمة وهم يعلمون أنه ليس كذلك ولن يكون ولكن كان القصد الانتصار على خصوم الفكر والاأنداد العقديين, وقد تم لهم ما أرادوا فتم قتل وشنق وصلب الراحل الواثق صباح الخير كمثال للمواطن الذي يأخذ من الغني ليعطي الفقير, ولتكون بذلك رسالة لكل من يريد أن يقوم بدور البطولة محاولة تعديل ميزان العدالة الاجتماعية المائل ميلاً شديداً وكل الميل نحو الأغنياء لا البسطاء ولا الودعاء والمساكين. ولقد كان في قتل وصلب الواثق رسالة من أولئك الدهاقنة أنهم هم فقط من يسرق وأنهم فقط من يعطي و قد صدقتهم الأيام بعد ذلك كما نشاهد الآن!!
و كما حدثت فضيحة فكرية أخرى وهي ما تعرض له الاستاذ الراحل محمود محمد طه, و الذي تواطأ الجميع على اغتياله ومحقه تماماً.
ولقد أحرج الأستاذ الشهيد كلا المعسكرين من إسلاميين واشتراكيين كثيرًا, فلقد كانت الصورة النمطية والتي زرعها الإسلاميون في عقول الناس عن الرجل الإشتراكي أو اليساري التقدمي, باعتبار أنه ذو مظهر غريب وغير منضبط أخلاقياً ويميل للسلوك السالب و لا يهتم بالدين وبعيد عن الله, وقد ساهم هذا البث الماكر في خلق حاجز نفسي بين اليساريين والشيوعيين وبين باقي أفراد الشعب السوداني, على اعتبارهم مشركين ملحدين وغيرها من الأوصاف المنفرة.
ولذا كان الأستاذ امتحاناً عسيرًا عليهم لكونه دعا للسلم في وقت تعالت فيه طبول الحرب ولكونه أعطى مثلاً نادرًا للاشتراكي الذي يكتب (تعلموا كيف تصلون) و(رسالة الصلاة) ويعلم الناس الصوم الصمدي ويقيم حلقات الذكر يوميًا وبذا شكل تحديًا كبيراً لـ (الفرمالة) التي اصطنعها الإسلاميون وعاشوا عليه دون الدخول في جدل أو نقاش وتولوا يوم زحف الأفكار والحجج والبراهين. حيث لا يزال رد المتأسلمين على أندادهم من أهل اليسار بأنكم (ملاحدة) دون النقاش الموضوعي والجدل المستند للدلائل والبراهين, ومن المناسب في هذا المقام أن نذكر طرفة الراحل محمد إبراهيم نقد سكرتير الحزب الشيوعي والذي دخل على صديق له ذات نهار قائظ الحرارة وطلب منه (كوزًا) من الماء البارد فلما شربه وأطفأ ظمأه قال بعفوية: (لا إله إلا الله محمدًا رسول الله دي سخانة شنو) قبل أن ينفجر ضاحكًا عليه الرحمة وهو يعلق بأسلوبه الساخر البسيط ( نتشهد و نستغفر اليوم كلو وبعد ده يقولوا ليك ملحدين!!).
ولم يكن أهل اليسار بأحسن حظ في هذا الموضوع إذ أنهم أيضًا عانوا أشد المعاناة من وجود الجمهوريين, ومنبع ذلك يعود أيضًا للصورة النمطية للمتشدد الإسلامي بنظرهم وصورته كشخص ميسور الحال ممتلئ الجسم منتفخ الأوداج وبعيد عن الشعب ويتاجر بكل شيء وأي شيء, وكانت هذه الصورة مثل خيال المآته لتخويف الناس من المد الإسلامي والأحزاب ذات الاتجاه الإسلامي ونجحت في ذلك بنسب متفاوتة وإلى اليوم
نسمعها تتحدث عن الرأسمالية الطفيلية وتجار الدين وما شابه ويتخذونها شعارات وشعراً وخطابة, وفي أدبياتهم إلى اليوم:
الكافرين متأسلمين ما مسلمين ما مسلمين
بل مشركين لابسين دقون شايلين سبح
قايمينو ليل فيهو الضبح أدونا شين لاطشين سمح
و هنا يجيء الأستاذ الراحل برغبة في تجديد الدين وتحريره من التكبيل والشرح على المتون ليكون منهاجاً للحياة ودستورًا للناس, ورافدًا للبشرية ككل ومنبعًا للود والسلام والصفاء والتصالح والمحبة, وكما أنه كان يرتدي زيه البسيط من العراقي والتوب والمركوب وركب وهو المهندس المرموق في قطار بالدرجة الثالثة وعندما سأله الناس لماذا يجيب بكل بساطة ( بركب درجة تالتة لانو القطر ما فيهو درجة رابعة), ونراه يحمل كوزاً أيضًا قذف به أحد زملائه بعيدًا ليقوم هو بتنظيفه وهو يقول ( حرام عليك الكوز ده خدمنا ما صاح تعمل ليهو كده رفقاً بالأحياء والأشياء أيضا)!!
ومن هنا حدث نوع من التحالف الخفي والاتفاق بين اليسار واليمين على التخلص من هذا الشخص المزعج فكرياً, وهذا ما تم بعد تقديم المنشور السياسي (هذا أو الطوفان) والذي هو منشور سياسي ليس إلا, بيد أن تلك النية المبيتة للنيل من الفكرة واغتيال الشخصية والقتل ونية الإهلاك ومحق تلك الاتجاهات كانت ظاهرة عند تشكيل محكمة هزلية ومنافية لكل مبادئ العدالة وهي التي حاكمته بالردة رغم عدم اعترافه بها كجهة محايدة, وحكمت عليه بالقتل شنقاً وقبل أن مضى لمصيره يسأله قاضي المحكمة تلك (اسم الكريم قلتا لي منو) فيجيبه المقتول المشنوق ( اسم الكريم الله يا أخوي, إلا أنا بسموني محمود محمد طه) ليعطي من اتهموه الردة درسًا في التوحيد وفي أصول الققه لمن ادعوا علماً بها ومنها صمت الطرفان شمالاً ويميناً وهم يرون الأستاذ يجر لمقصلة سجن كوبر سيئة الذكر ليلاقي ربه في 18 يناير 1985 ويبتسم وتبلجت أساريره وكأنه يستشرف صبحًا جديدًا للسودان وفجرًا أبلج أملح للإنسانية على وشك البزوغ وهذا ما كان في انتفاضة رجب ابريل 1985 والتي أطاحت بحكم الطاغية وزمرته الذين لم يلبثوا خلفه إلا قليلاً, كما أن البعض منهم هتف فرحاً بموته وخرجوا وهم يهتفون (سقط محمود سقط هبل) ونسوا ما قاله المسيح ابن مريم عليه السلام (إياكم أن تنتصروا بالسيف لأن من ينتصرون بالسيف، بالسيف أيضاً سوف يؤخذون ويغلبون)، وهذا ما حدث فعلاً, إذ أخذت السكاكين والأنصال والبنادق والمدافع الكثيرين منهم والكثيرات بعد ذلك.
وبعد كل ذلك جاءت المحكمة العليا وأبطلت تلك الأحكام وبرأت محمود من ما نسب إليه وأزالت هذا الحكم الظالم والذي أصبح وصمة عار على جبين القضاء السوداني, ولتخلد الدول العربية هذا المقتول المشنوق باعتبار يوم 18 يناير يوماً للاحتفال بيوم حقوق الإنسان العربي من كل عام!
ودع بابتسامة
ثم قال مع السلامة
قتلوه
فتسامى
قطعوه
فتنامى
وسيبقى رغم سجن الموت
يبقى غير محدود الاقامة!!
ونواصل ..!!

   طباعة 
1 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
1 + 9 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية
جديد المواد
جديد المواد
أقوال أخرى - د. علي بلدو
المرض المقدس !! - د. علي بلدو
صراع الأزواج - د. علي بلدو