الفساد وسحرة فرعون المعاصرون!

عرض المادة
الفساد وسحرة فرعون المعاصرون!
8981 زائر
17-05-2014

أذكر في الجمعة قبل الماضية عندما صعد أمام مسجدنا على المنبر وألقى علينا خطبة الجمعة التي اعتاد أن يشرح فيها بعض من آيات القرآن الكريم, وفيها الكثير من العبر والدروس التي ربطها بواقعنا المعاش في السياسة والاقتصاد والاجتماع, لا سيما عندما شرح جزءاً من سورة طه وهي الآيات من 58 – إلى 71 التي تبدأ بقوله تعالى: (قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى)، ثم شبه واقع الحال في الدولة الحديثة بما كان عليه الحال في عهد فرعون من حيث رجال الدولة ومؤسساتها في القوة العسكرية والاقتصادية مثل (هامان) رجل القوة العسكرية والجيش الذي يدعم فرعون في حكمه وسطوته في مصر وبحالة النظم المشابهة لها والتي يستند فيها النظام على الجيش وشبه (قارون) برجال المال والاقتصاد والذين يتحكمون في خزينة الدولة التي كانت تنوء بحملها العصبة ذات القوة, ثم أشار الى السحرة الذين تمثلهم في عصرنا الحديث بطانة السوء حول الحاكم من الوزراء والمستشارين والمعتمدين ورجال الإعلام خاصة المطبلين منهم للحكام, والذين يجيرون أي حدث أو أمر لصالح الحاكم العبقري الفذ الذي لا تنتهي إنجازاته وأفضاله على شعبه المحب له والذي يسبح يحمده صباح مساء حتى يتحول الحاكم إلى آله يأتأمر الجميع بأمره ولا يرون إلا ما يرى.
ويتبع ذلك ما نراه هذه الأيام من مظاهر الفساد الذي استشرى في مجتمعاتنا في القرى والحضر, بل تكشف أمام الجميع على كافة المستويات وزادت عليها الاعترافات والاقرارات في الحوار على صفحات الصحف بمشروعية أفعالهم وأن ما كسبوه حلال وأن وضح أنه غير ذلك فلا بأس من (التحلل) منها كما حاولوا في قضية موظفي مكتب الوالي.
أما القضية المحيرة حقًا فهي ما أعلنه وأقر به مدير أراضي الخرطوم السابق والوكيل الحالي للعدل، أمر خطير وغريب إذا ما قرناه ما يجده المواطن السوداني الذي كان يزحف تحت هجير الشمس في صفوف الخطة الإسكانية ثم يملأ أرانيكها التي يرفق بها شهادات الأبناء والبنات والتي بموجبها كان يستحق قطعة أرض من أرض السودان عندما كان مليون ميل مربع ولا يجدها لأن درجاته نقصت بنصف نمرة فقط من الدرجات التي تمنحه الاستحقاق فيعود الى سكنه العشوائي أو يخليه صاحب المنزل بالقوة الجبرية لعدم سداد الأجرة, فيتشرد أفراد أسرته ويضيع أفراد هذه الأسرة ويهرب الزوج الأب من هذه المسؤولية وتذهب الزوجة لبيع الشاي في أحسن الفروض وربما ينضم الابن الكبير الى الحركات المسلحة أو عصابات النقرز.. وتختفي إحدى البنات في دروب التيه إن لم تنغمس في الرذيلة والعياذ بالله..
هذا السيناريو هو المصير الأرجح للكثير من الأسر التي ضاعت بسبب الإسكان وانعدام المأوى للمسحوقين والنازحين من أرياف وولايات السودان التي تدور فيها رحى الحرب, والأخرى التي تدهورت فيها المشاريع الزراعية وتوقفت فيها المصانع المنتجة.
كل هذا حدث ويحدث بسبب عامل واحد من العوامل المؤثرة في المجتمع هو (انعدام السكن), بينما القائمون بأمر الأراضى والمساحة يسبحون في بحارها لينتقوا نفيس الدرر منها.
إذن مسألة الفساد في الأراضى لم تنحصر في موظفي الأراضي ومن حولهم وأقربائهم أو من ارتبط بهم, بل امتد ضررها ليصبح أس البلاء لمشاكل السودان كلها تلك الأضرار التي لحقت بشعبه وتلحق الآن بحكومته وسمعتها, وبالتالي لا يمكن أن يكون هناك حوار أو إصلاح بدون محاربة الفساد ولو في بند واحد فقط وهو ملف (الأراضي) الذي يحتاج الى جيش من المحققين والمراجعين, خاصة بعد أن ضربت (الصيحة) أوكارهم وتطاولوا وأعلنوا الحرب المضادة عليها.. بدل أن يظلوا جاثمين.. وبالتالي تحولت مسألة الأراضي ميداناً لمعركة تمددت فيها أذرعهم مثل أذرع الأخطبوط لتطل برأسها من أعلى سلطة عد لية في البلاد لتمارس استغلال نفوذها لتغطي شمساً حقيقية، ما يحدث في الأراضي وتكمم أفواه الأحرار الذين لم يعد في يدهم عصا موسى بل مجرد يراع (قلم) يتكئ عليه الصحفيون الشرفاء فألقى به صحفي حر مثل الدكتور ياسر محجوب ربان سفينة (الصيحة) فزج به في غياهب السجن دون مرعاة لحقوق الإنسان والحريات التي صدر من أجلها القرار (158) من رئيس الجمهورية في بلد متهمة أصلاً بانعدام العدالة واستقلال القضاء فيها والنيابة العامة هي من رجال القضاء والقانون, الأمر الذي يتعارض مع المبدأ المعروف أن (العدالة معصوبة العينين) لا تفرق بين الأطراف وتحمل ميزان العدالة لتزن الأمور بالقسط.. فكيف يستقيم ذلك وبعض من قمة العدل تستغل نفوذها دفاعًا عن ذواتهم مما يشوه صورة العدالة في السودان بل يجعلها وكأنها معصوبة (العين الواحدة) حتى تحمي بالعين الأخرى القائمين على أمرها من أبناء السطة.
هذه الممارسات لا شك أنها مخالفه للدستور والقانون وهي تؤكد مدى انعدام مبدأ سيادة القانون وهذه الحالة ظهرت في أخطر صورها وذلك عندما خرجت الدولة نفسها من القانون وبالتالي يكون حكمها حكم دكتاتورياً مستبداً وهو ما ينفيه الرئيس وقادة المؤتمر الوطني في كل المناسبات, فما حكم الذين أصبحوا آلهة في وزاراتهم المركزية ثم ولاياتهم يتوعدون مخالفيهم في الرأي بالويل والثبور والزج في الحراسات وقطع الأرزاق إن لم يحشدوا لهم الناس!! سيما في إحدى ولاياتنا التي يعلن فيها واليها أن يجمعوا له الناس في يوم (الزينة) هنالك ليعلنوا البيعة والولاء له وحده.
والمعروف أن الأب الكبير للأسرة يسمى بالبجاوية (فرويون) يوصف بـ (فروب فرو- آور) ويقال في الأحاجي البجاوية إن هذا الاسم مشتق من اسم (فرعون) وهو الفيلم الذي نشاهده هذه الأيام وكأنه إعادة لمشاهد للفساد وبطولات حماته فأصبح أشبه بعمليات عصابات (المافيا) وأشهرها فيلم عصابة (آل كابوني) التي كونها كبيرهم الذي كان يسمى (الأب الروحي)God Father كونها من المهاجرين من فقراء جنوب إيطاليا في الولايات الأمريكية الغنية في القرن العشرين, وبناء على هذه الخلفيات ينتظر الناس ما سيفعله سحرة فرعون بعدما سطعت في سماء البلاد شمس الحق والحرية وبانت حقيقة الفساد الذي انتشر في البر والبحر.
وبناء علي تطورات الأحداث وكل ما نعايشه هذه الأيام والردة في مجال الحريات والحقوق أثبتت الممارسة العملية خطأ النظام القانوني الذي اتبعه السودان وهو النظام القاري الذي تطبقه مصر وبعض الدول العربية بينما نظامنا القضائي وإرثنا القانوني قام أساسًا على نظام القضاء البريطاني الذي يعمل تحت مبدأ فصل السلطات واستقلال القضاء من السلطة التنفيذية, ووضح من التجربة العملية أن تبعية النيابة لوزير العدل الممثل للحكومة والسلطة التنفيذية لا يحقق مبدأ العدالة المطلوبة في هذه المرحلة وبالتالي يجب أن نعود إلى نظام (النائب العام) المستقل من الوزارة حتى يستقيم العدل في البلاد. وأذكر أنه إبان خدمتنا في الشرطة تحت النظام القديم أننا كنا لا ننام الليل إذا لم نراجع الحراسات قبل مرور القاضي المقيم عليها والتجديد للمنتظرين فيها إذا كان لذلك مقتضى وهو القاضي الذي تعمل الشرطة تحت إمرته وذلك ليتأكد (الضابط المسؤول من النقطة) من سلامة المنتظرين وحالتهم العامة والصحية وهل بقاؤهم في الحراسات قانونية أم لا، لأن الحراسة ليست مخزناً للبشر ليخزنوا فيها بدون أدنى حد لحقوقهم كما يحدث الآن في بعض الحالات بكل آسف.. وبالتالي أثبتت التجارب المعاشة خاصة هذه الأيام حاجة البلاد لمؤتمر دستوري أو ورش عمل تعيد دراسة النظام القانوني المتبع ومدى تحقيقه لمبادئ حماية حقوق الإنسان وكفالة الحريات العامة التي تتماشى مع المواثيق الدولية وأحكام الشريعة الغراء..
ولله من وراء القصد

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
9 + 6 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية