دوي الصيحة

عرض المادة
دوي الصيحة
تاريخ الخبر 09-02-2019 | عدد الزوار 531

عودة لحديث الرئيس ..

ما طرحه السيد رئيس الجمهورية، في لقائه بقيادات العمل الإعلامي والصحفي ببيت الضيافة مساء الأربعاء الماضي، حول قضايا الشباب والأوضاع في البلاد، وتفسيره لما حَدث مِن احتجاجات يستحق بالفعل التوقُّف عنده وقراءته بأعين وعقول فاحصة مُدقِّقة وبصيرة، لما فيه من طرح جريء ومتقدِّم ومتجاوِز لكثير من الأطر الراهنة، سواء أكانت هذه الأطر في المجال السياسي التنفيذي، ولعل هذا الحديث يفتح أبواب نقاش واسع، يمكن أن يقود إلى توافُق كبير بين السودانيين، فلا خِلاف البتَّة حول ما قاله الرئيس عن أسباب نزول الشباب إلى الشارع وعن تطلُّعاتهم وطموحاتهم ورؤيتهم للمستقبل الذي يريدون، لكن في نفس الوقت تحتاج الأفكار التي قدّمها الرئيس البشير إلى تفكيك وجزئيات تتبلوَر في شكل برامج وسياسات كُلية وتفصيلية وتُقدَّم لتُطبَّق على الفور.

تتلازَم قضايا المجتمع المُلِحّة مقرونة بالتطوّرات الاجتماعية وتترافَق مع طبيعة الفعل السياسي ومجالاته ووظائفه وتأثيراته، لا يمكن أن تنشأ عملية حِراك احتجاجي ورفض مهما صغُر أم كبُر، أو لاحت موجة من التأزُّم السياسي دون أن يكون للمُعطى الاجتماعي دور رئيس فيها، ومن هنا فإنَّ حديث الرئيس في ذاك المساء نحا منحى التفسير الاجتماعي للأحداث، ومِن ثَم توابعها وتداعياتها السياسية، وهو اتجاه سليم، حيث لا يتجرَّد الرأي والموقف السياسي من بواعثه الاجتماعية ودوافع الفرد والمجتمع المرتبطة بأوضاعه الحياتية، ومرهون بها المستقبل والآمال والتطلُّعات.

الذي لم يُعطِه الناسُ كثير اهتمام وتدارُس، طوال السنوات والفترات الماضية، ولفت إليه السيد الرئيس الأنظار والانتباه، هو الترابُط الوثيق بين راهن الأحداث الحالية وما طرأ على بعض طبقات وشرائح المجتمع، أو قُل المجتمع كله، من انعكاسات للتنمية الاجتماعية والاقتصادية التي تمّت في البلاد خلال العشرين سنة الماضية، خاصة مع بداية تصدير البترول وزيادة الاستثمارات المُتنوِّعة، وتعدُّد الفرص التي أتاحتها عمليات التنامي المضطردة في معدلات الوعي والتعليم والقدر الضئيل من الرفاه الخدمي في مجالات الاتصالات والمعرفة والصحة والبنى التحتية، فكل هذه العوامل شكَّلت خلفية مُهمة لسياق الأحداث التي جرت مؤخراً، ولا يمكن فصلها عنها في إطار التفسير والتحليل، وهو ما شكّل الصدمة العنيفة للشباب والجيل الذي تربَّي في ظل طلائع ومؤشرات تلك الأيام والسنوات التي شهدت التوسّع والتنامي المقصود.

وليس بخافٍ على أحد أن أي معدل في مجالات التنمية الاجتماعية والاقتصادية من دون أن يُكتَب لها الاستمرار وتستدام وتنتكس، وتعجز أن تتحوّل بفعل التطوّر والارتقاء إلى نطاقات أوسع، وتتمدّد بقوة وكثافة تعم كل فئات المجتمع، وتتحوّل إلى حالة تغيير عام في أنماط المجتمع منافعه وسلوكه، فإن ردّات الفعل الطبيعية لها تكون متساوية في المقدار والاتجاه، فالانتكاسات التي حدثت لمشروعات التنمية الاقتصادية والاجتماعية بفعل العوامل الخارجية والداخلية والأزمات المحلية والدولية، أوجدت لدى قطاعات الشباب السأم والهلع والخوف على المستقبل، خاصة عندما ظهرت بوادر الفساد المالي والإداري والقطط السمان..

والذي يلحظه الجميع، أن اتساع دائرة الوعي والمعرفة جعلت المعلومات والإحصاءات والبيانات متوفّرة لدى طلابها خاصة من الشباب، والحصول على المعلومات والاطلاع والتوفّر على كل صغيرة وكبيرة، يجعل الجميع يتشاركون أو يحسّون بأنهم في ذات مركب المسؤولية الوطنية، ولا توجد أفضلية لشخص على آخر في تقييم وتقدير المعلومات المُتاحة والاستفراد والاستحواذ بالقرار والرأي. لذا يحس الجميع أنهم سواسية، بل يُمكن لمن هو خارج دائرة الفعل السياسي وقراراته أن يتحوّل من الرصيف الذي يتفرّج منه صاحب اعتقاد بأنه يجب أن يعمل على التغيير أو يكون شريكاً في صناعته أو يحتج على التقصير أو على غياب المخرج واندحار الأمل.

إذا كانت إشارات الرئيس البشير في حديثه أمام الصحفيين تُومئ إلى كل هذه العوامل، وربما بطريقة مختلفة، لكنها تُلقِي بمسؤولية كبيرة على أهل العلم والمعرفة والمفكّرين والسياسيين ومراكز البحث والدراسات أن تعمل على دراسة هذه الظاهرة الشبابية الاحتجاجية ورفد الدولة بسرعة وفي أعجل ما يكون برؤى وبرامج وسياسات في كل المجالات تجعل من الحلول ممكنة وتُخرِج المجتمع من حالة القنوط والإحباط وتُعيد الثقة في النفس بأن البلاد يمكنها أن تتجاوَز مُعضِلاتها وتضع حداً للاختناق الاقتصادي والتكلُّس السياسي وحِدّة الأزمة الاجتماعية، وليعود التطلُّع من جديد وتوقد شمعة الأمل ويسطع الضوء من بعيد.. لقد أعطى الرئيس الإشارة فهل من مجيب..؟

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
1 + 4 = أدخل الكود