بسبب خفض سن المعاش إلى ستين عاماً شمال كردفان.. إخراج سيف الصالح العام من غمده

عرض المادة
بسبب خفض سن المعاش إلى ستين عاماً شمال كردفان.. إخراج سيف الصالح العام من غمده
تاريخ الخبر 03-01-2019 | عدد الزوار 288

رئيس شورى الحركة الإسلامية السابق: القرار ظالم

وزير التربية والتعليم: استثناء المعلمين فرضته الضرورة

رئيس المجلس التشريعي: يوجد ترهل وتضخم وكان لابد من القرار

الأبيض: صديق رمضان

في الرابع والعشرين من شهر سبتمبر من العام المنصرم، أصدر رئيس الجمهورية قرارًا قضى باستثناء ولاية شمال كردفان من تطبيق قرار مجلس الوزراء رقم 133 لسنة 2015 الذي تم بموجبه رفع سن التقاعد للعاملين بالخدمة المدنية إلى 65 عامًا، وهذا القرار يعني أن العامل في حكومة شمال كردفان يتوقف عند سقف الستين عاماً باستثناء المعلمين الذين يمكنهم العمل حتى بلوغ سن الخمسة والستين عامًا، وحيال هذا القرار فإن الآراء تتباين بشمال كردفان، البعض يرى أن فيه ظلماً بينا على العاملين الذين منحهم قرار مجلس الوزراء رقم 133 حق العمل حتى سن الخامسة والستين عاماًفيما يرى آخرون أن الخدمة المدنية بالولاية تعاني ترهلاً وتضخماً في الفصل الأولن وكان لابد من خفض سن المعاش وإعادتها إلى محطة الستين عاماً.

قرار ظالم

يعتقد رئيس شورى الحركة الإسلامية حسين الطاهر أبو حجيل أن خفض سن المعاش بولاية شمال كردفان الى ستين عامًا يطرح سؤالاً هاماً وهو "هل هو يسود على القانون أم القرار"، ويقول في حديث لـ(الصيحة) إن سؤاله هذا يعود إلى أن تحديد سن المعاش أن تكون عند الخمسة والستين عاماً قانون أجازه المجلس الوطني، فيما تم استثناء شمال كردفان بقرار صادر من رئيس الجمهورية، ويؤكد أبو حجيل أنه ومع احترامهم وتقديرهم لرئيس الجمهورية ووالي الولاية، إلا أن الاستثناء كان لولاية شمال كردفان فقط دون ولايات السودان الأخرى التي ما تزال تطبق قرار مجلس الوزراء رقم 133، ويرى أن في هذا إجحافاً في حق عمال شمال كردفان، وقال إن القرار أيضاً حمل بين طياته عند تطبيقه بالولاية ظلماً، وذلك حينما تم استثناء المعلمين في وزارة التربية الذين سيتقاعدون في سن الخامس والستين عاماً، ولم يشمل هذا الأمر حتى العاملين الآخرين بوزراة التربية والتعليم من غير المعلمين الذين يعتبرون دعامة العمل التربوي إداريين كانوا أم عمالاً، وهذا يعني حدوث ضمور في الجهاز المساعد للمعلم الذي لا يعمل منفرداً، بل معه آخرون شركاء في العملية التربوية.

ويلفت أبو حجيل إلى أن المساواة في الظلم عدالة، وهذا يعني أنه كان يجب أن تتساوى أولاً كل الولايات في هذا القرار، كما أنه وعلى مستوى الولاية كان يجب أن يتساوى العاملون ولا يتم استثناء المعلمين، وينوه إلى أن العمال بالولاية يعتبرون الدعامة الحقيقية للنفير عبر الاستقطاعات الشهرية التي تخصم من أجورهم، ويضيف: أعتقد أن هذا القرار من ناحية سياسية سيضر كثيرًا بالمؤتمر الوطني، لانه جاء على حساب فئة هامة وهم العاملون الذين يمثلون شريحة الوعي والاستنارة، وهذا بدوره سيلقي بظلاله السالبة على عضوية الحزب بسبب عدم الرضا. ويضيف: أعتقد أن هذا القرار يحتاج إلى إعادة النظر لأنه مخالف للقانون، كما أنه وضع اتحادات ونقابات العاملين تحت ضغط العمال الذين ظلوا يعبرون عن سخطهم منها لعدم قدرتها على أجهاض هذا القرار.

طلب ورجاء ومبررات

وعلى ذكر استثناء المعلمين من القرار، فإن وزير التربية والتعليم السابق بشمال كردفان الدكتور إسماعيل مكي، وفي اجتماع للمكتب القيادي للمؤتمر الوطني بالولاية وهو يتأهب للتنازل عن منصبه لأحد الأحزاب المشاركة بعد رحلة حافلة بالنجاحات، لم يجد غير أن يتقدم بطلب أقرب للرجاء مضمونه استثناء المعلمين عن قرار تحديد سن المعاش بستين عاماً حسبما جاء في قرار رئيس الجمهورية الثاني والخاص بشمال كردفان، ولم يكتف بذلك، بل خاطب رسمياً والي الولاية مولانا أحمد هارون بذات الخصوص، لذا فقد سألت الدكتور إسماعيل مكي عن أسباب مطالبته الابقاء على المعلمين واستثنائهم من القرار الأخير الذي قضى بالعودة إلى الستين عاماً بوصفها سن التقاعد عن العمل، قال لـ(الصيحة) إنه ارتكز في طلبه إلى عدد من الأسباب أبرزها نفسياً كما يؤكد الدكتور، ويفسر حديثه هذا بالإشارة إلى أن الذين بلغوا سن الستين من المعلمين تهيأوا نفسياً للاستمرار في عملهم لخمسة أعوام أخرى بحسب القرار الاول الذي رفع سن المعاش إلى خمسة وستين عاماً، ويلفت مكي إلى أن السبب الثاني يتمثل في أن المعلمين يؤدون دورهم على أكمل وجه، وأداؤهم يعتبر الأفضل بين مسنوبي الخدمة المدنية، وينوه الى أن التعليم في الولاية يعاني نقصاً في الوظائف وأن الاستغناء عن 661 معلمًا من شأنه التأثير سلبًا على مسيرة التعليم بالولاية، وينوه مكي إلى أن وضع امتحانات الأساس يتطلب استمرار عملية تبادل الأجيال وأن الاستغناء عن هذا العدد من المعلمين له تأثير سالب.

مقارنات

ويمضي الدكتور والوزير السابق للتربية والتعليم بشمال كردفان، الدكتور إسماعيل مكي، في التعبير عن موقفه المؤيد لاستمرارية المعلمين حتى سن الخامسة والستين، ويلفت إلى أن المعلم يمكنه أن يعطي دون توقف، ويضرب المثل بالمعلمين الذين تقاعدوا للمعاش وواصلوا عملهم بالمدارس الخاصة، كاشفاً عن أن معلمًا تلقى تعليمه على يد مكي لا يزال يعمل في مدرسة خاصة وعطاؤه لم ينخفض ويدرس في الأسبوع 24 حصة، ويقول إن أثر المعلمين أصحاب الخبرة في المدارس الخاصة يبدو واضحاً بوجود فوارق في الكتابة بين طلاب الخاص والحكومي.

رؤية مختلفة

ومثلما رفض كثيرون قرار خفض سن المعاش بشمال كردفان، فإن آخرين يعتقدون أن القرار صائب، وقد فرضته الضرورة، وفي هذا الاتجاه يذهب رئيس المجلس التشريعي، سليمان بله، الذي يلفت في بداية حديثه مع الصيحة إلى أن القرارين الأول والثاني أصدرهما رئيس الجمهورية، وليس حكومة الولاية، ويقول إن رفع سن المعاش إلى 65 عامًا جاء بطلب من اتحاد عمال نقابات السودان.

ويشير سليمان بله إلى أن القرار الثاني باستثناء ولاية شمال كردفان جاء استناداً على عدد من المعطيات، يرى أن ابرزها وجود اختناق في الوظائف العليا وأن هذا بدوره تسبب في إيقاف استيعاب موظفين جدد، ويقول إن الولاية تبدو في أمس الحاجة إلى تعيين عمالة في الصحة والتعليم، ولكن هذا الأمر استعصى في ظل قرار رفع سن المعاش إلى 60 عاماً بعدم خلو الوظائف كما كان معتاداً في الماضي، وينوه كمال بله إلى أن سياسة الدولة العامة تذهب ناحية خفض الإنفاق خاصة على صعيد الفصل الأول، ويقول إن هذا التوجه ليس حصرياً على السودان، بل عالمي، ويعتقد أن حدوث هذا الأمر يمر عبر بوابة خفض سن المعاش لتقليل عدد القوى العاملة، ويضيف: مع كامل احترامنا للذين تقاعدوا بسبب القرار الأخير، ولكن أعتقد أن الضرورة فرضت ذلك، وكان لابد من العودة إلى سن المعاش السابقة، وهنا وللتأكيد على أن التوجه العالمي يذهب ناحية خفض الفصل الأول فإن بعض الدول حددت سن التقاعد بخمسة وخمسين عاماً، وذلك لتحقيق مكسبين، يتمثل الأول في تقليل الفصل الأول، أما المكسب الثاني فيتلخص في إتاحة الفرصة لضخ دماء جديدة في شرايين الخدمة المدنية.

عوامل إضافية

ويمضي رئيس تشريعي شمال كردفان في حديثه ويقول إن أسباباً أخرى حتمت الرجوع إلى سن المعاش السابقة، موضحاً أن كردفان فيما مضى كانت إقليمًا واحدًا وبعد تقسيمها إلى ثلاث ولايات فإن عدداً كبيراً من الموظفين فضلوا البقاء في شمال كردفان، وهذا بحسب كمال بله، أسهم في ترهل الخدمة المدنية وزيادة الفصل الأول، مبينًا أن أغلب من فضلوا البقاء في الولاية كانوا من الدرجات العليا وهذا أحدث اختناقاً وتكدساً، ويلفت إلى أن مقارنة عدد مسنوبي الخدمة المدنية في شمال كردفان بغرب وجنوب كردفان، يوضح أن عددهم أكبر بشمال كردفان، ويرى أن وظيفة عليا واحدة إذا تقاعد شاغلها في سن الستين فإنها تتيح المجال لتعيين ثلاثة أشخاص في درجات أدنى وأن حدوث هذا يساعد على تغطية العجز في المعلمين والصحة على سبيل المثال.

ويشدد كمال بله على أهمية التجديد وإتاحة الفرصة للوجوه الشابة لتجديد الحياة في جسد الخدمة المدنية، متوقعاً أن تعمل الولايات الأخرى على تنفيذ تجربة شمال كردفان لوجود شكاوى بعدد من الولايات من تضخم الفصل الأول وترهل الخدمة المدنية بعد رفع سن المعاش إلى خمسة وستين عاماً.

ويؤكد رئيس تشريعي شمال كردفان في خاتمة حديثه على أن الولاية ستجني فوائد كثيرة من إعادة سن التقاعد إلى الستين عاماً.

رؤية قانونية

من ناحيته، فإن القانوني والقيادي البارز بالمؤتمر الشعبي بشمال كردفان، الدكتور عبد الله علي إبراهيم، يشير إلى أنه ومن المعلوم أن الستين عاماً كانت سن المعاش في السابق، ومؤخرًا عدّل مجلس الوزراء الاتحادي سن المعاش إلى الخامسة والستين بعد أن تبين أن غالبية المحالين للمعاش يستطيعون العمل لعدة سنوات أخرى لا سيما وأنهم يتمتعون بخبرات تراكمية واسعة، ويضيف عبد الله في حديث لـ(الصيحة): بدأت الاستثناءات بوزارة الطاقة التي طلبت في عهد وزيرها السابق من الرئيس استثناءها من هذه الزياده في سن المعاش واستجاب لها الرئيس رغم أن الوزير تجاوز عمره وقتها السبعين ولا أدري بعد دمجها في وزارة أخرى كيف يتم التعامل، وبكل أسف مضت ولاية شمال كردفان على ذات المنوال واستصدرت قراراً من رئيس الجمهورية باستثناء العاملين فيها من قرار مجلس الوزراء ونفذت هذا القرار بإحالة المئات للمعاش، ولي في ذلك ملاحظات منها، أنه ومن حيث الشكل، فإن القرار صادر عن مجلس الوزراء الاتحادي وليس رئيس الجمهورية، وإن كان من سلطة تستثني فهي هذا المجلس وليس الرئيس الذي هو الآن ليس رئيس لمجلس الوزراء الاتحادي بل لا يمكن لرئيس الوزراء حق الاستثناء إلا إذا نص القرار في متنه على ذلك، ولم يوضح قرار الاستثناء الأسباب الموضوعيه التي أدت لاتخاذه، هل أهل شمال كردفان مثلاً يشيخون قبل غيرهم من أهل السودان بما يستدعي رحيلهم من الخدمة المدنية باكراً أم ببلوغهم هذه السن ينقطع عطاؤهم الذهني والبدني أم لأسباب مادية بحتة بتضخم الفصل الأول أم لأن التكدس أضحى الصفة المائزة بالخدمة المدنية بما يجعل القرار معيباً من حيث الشكل، إذ يتبدى لي أنه اتخذ فقط استجابة لرغبة الأخ الوالي وهو الوالي الواصل لا كغيره من الولاة الآخرين.

هزيمة الفكرة

ويمضي الدكتور عبد الله في حديثه، ويضيف: هذا الاستثناء يهزم الفكرة المركزية من زيادة سن المعاش ويقدم المؤسسات الاتحادية بصورة المؤسسات غير المحيطة بالواقع الموجود في الولايات وأنها تتخذ قراراتها من علٍ بما يستدعي مراجعتها وإبطال أي أثر لها.

من ناحية أخرى، فإن هذا القرار المفاجئ قد خلق عدة إشكالات بالولاية منها على سبيل المثال أنه تم تنفيذه بصورة انتقائية حيث تم استثناء بعض العاملين وهو استثناء من الاستثناء، وليس من الأصل وفي ذلك ظلم واضح للناس، لا سيما أن أحد المستثنين هو المسؤول عن إعداد الكشوفات الخاصة بالعاملين المحالين للمعاش بما يضعف الجانب الأخلاقي في الاستثناء من الاستثناء. وقاعدتنا أن المساواه في الظلم عدالة، ولكنها افتقدت حتى في الظلم، أفقد عدداً كبيراً من العاملين وبصورة مفاجئة وظائفهم وبالتالي مصدر كسبهم الرئيس أو الوحيد في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية غاية في البؤس، وحتماً لن تكون البدائل متوفرة وتخيلوا انعكاس ذلك على آلاف الأسر في طعامها وشرابها وتطبيبها وتعليم أبنائها، علمًا بأن واحدة من مهام الحكومة توفير فرص العمل داخل القطاع الحكومي أو خارجه بخلق فرص عمل استناداً على سياسات ذات رشد ومنتوج يعود خيراً على مواطنيها زاد من احتقان الناس ضد مجمل الأوضاع بالبلاد من ناحية عامة وبالولاية بصفة خاصة، ومن شأن ذلك انخفاض معدلات الدعم والتأييد للأخ الوالي ولحكومته في ظل حاجته لهم لأغراض استمرار النفير الذي توقفت مشروعاته إلا من طريق الصادرات الذي بانتهائه سيختصر جهداً ووقتًا وإنفاقا مقدراً على الناس.

عمومًا أعتقد أن الخدمة المدنية قد شهدت تردياً ملموساً وتحتاج الى وقفه لإعادتها لسابق عهدها بإنهاء تمكين أهل الولاء وجعل الأمر فيها وفقاً للقوانين والأعراف المرعية والتي كانت في ظلها تعد الخدمة المدنية إحدى إشراقات السودان وملاذاته الآمنة وليس عبر قرارات واستثناءات منها ومن الاستثناءات كما يحدث اليوم.

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
1 + 6 = أدخل الكود