"الصيحة" تفتح الملف المُرعب شبكات عصابات الاتجار بالبشر.. المخابئ السرية

عرض المادة
"الصيحة" تفتح الملف المُرعب شبكات عصابات الاتجار بالبشر.. المخابئ السرية
تاريخ الخبر 25-02-2015 | عدد الزوار 2101

تفاصيل محزنة لقصة اختطاف (7) فتيات بواسطة الشبكة

شباب فقراء يتحولون إلى أثرياء.. وحكايات لا تُصدق

العطالى يفضلون القيام بدور الوسطاء

مدير إدارة مكافحة التهريب يروي معارك تحرير المختطفين

قانوني: وجود النيابة يحاصر الجريمة

رئيس المجلس التشريعي:الأسباب الاقتصادية وراء احتراف هذه الممارسة

قانوني: وجود النيابة يحاصر الجريمة

خبير متخصص في الملف : مراقبة الحدود بالكاميرات ضرورة قصوى

تحقيق: صديق رمضان

في معسكر الشجراب للاجئين بولاية كسلا، بدأت الشابة الإرترية ندى المولودة بالسودان ـ في دهشة من أمرها عقب تحريرها من قبل القوات النظامية من الاختطاف بأحد المخابئ في ذات المنطقة، وحينما تحدثت إلينا وقتها كانت في حالة نفسية سئية، وسردت لنا قصتها التي أوضحت من خلالها أن الذين قاموا بخطفها طلبوا من والدها عبر الهاتف فدية تبلغ ثلاثين ألف جنيه لإطلاق سراحها، وبدت ممتنة لقوة من جهاز الأمن والشرطة بكسلا نجحت في الوصول إليها قبل دفع الفدية ومعها سبع فتيات أخريات وتحريرهن من قبضة عصابة وصفت أفرادها بالمتجردين عن الإنسانية والرحمة.

خياران أحلاهما مر

وقصة اختطاف ندى ومرافقاتها في رحلة الأهوال من إرتريا الى السودان التي انتهت بهن على غير ما يشتهين ويخططن، ليست الأولى وربما لا تكون الأخيرة في الوقت الراهن، ولكن قد يسدل الستار عليها في المدى البعيد، عقب إنشاء نيابة مختصة بالاتجار في البشر بولاية كسلا تسعى من خلالها الدولة جادة لاجتثاث هذه القضية التي تحولت من مربع الظاهرة إلى محطة المهنة المستديمة للخارجين عن القانون، وخلال زياراتنا المتكررة لولاية كسلا في الأعوام الأخيرة، فإن الاتجار في البشر بات جاذباً لأعداد مقدرة من الشباب، وهذا ما أكده لنا في زيارتنا الأخيرة شاب ثلاثيني بأحد القهاوي بوسط مدينة كسلا، مشيراً إلى أن الشباب في ولاية كسلا يعانون من البطالة والفقر والإحباط، وهذا الواقع الذي وصفه بالمزري يدفعهم الى طرق كافة الأبواب بحثاً عن "الرزق" بغض النظر إن كان حرامًا أو حلالاًـ كما أشارـ ويقول إن الكثير من الشباب ظهر عليهم الثراء وتحسنت أوضاعهم الاقتصادية بعد أن اتجهوا لممارسة الاتجار في البشر وأن هذا يعتبر عامل جذب لشباب آخرين للمهنة رغم معرفتهم التامة بأن الطريق الذي سلكوه خاطئ، وقال الشاب الثلاثيني "الذي فضل عدم إيراد اسمه" إن الواقع في كسلا يضع الشاب أمام خيارين أحلاهما مرا، ويضيف: لا يوجد عمل، وهناك فقر وضيق اقتصادي، نعم هذه ليست أسباب موضوعية تبرر الاتجاه لمخالفة الشرع والقانون، ولكن هو الواقع وعلينا التعامل معه.

وبالعودة إلى الخيارين المتاحين أمام الشباب في ولاية كسلا، فإن الاول يتمثل في الاتجاه نحو امتهان الاتجار في البشر ولو عن طريق دور لعب الوسيط الذي ينقل الرهائن إلى المخابئ أو أن يقوم بحراستهم أو توفير الغذاءات لهم، والخيار الثاني أن يمتهن الشباب تجارة تهريب السلع الى دولة إرتريا، وبخلاف ذلك فليست هناك خيارات في ظل تجاهل حكومتي المركز والولاية مناقشة وحل الأسباب الحقيقية التي تدفع الشباب لامتهان تجارتي البشر وتهريب السلع.

تفاصيل مهنة

ويسرد شاب آخر بعض التفاصيل لما أسماه مهنة الاتجار في البشر، وقال: بعد أن شدد أيضاً على "عدم ذكر اسمه"، إن ولوج هذا العالم لا يحتاج إلى " واسطة" ، ويضيف:"من يريد الانضمام لهذه العصابات والمجموعات يعرف إلى من يتجه"، وذلك لأن معظم الضالعين في هذه المهنة معروفون للجميع ،" ففي كسلا كل من يظهر عليه ثراء سريع فهو إما مهرب للسلع أو يمارس تجارة البشر"، ورغم أن المجال مفتوح للعمل فيه مع التنظيمات العصابية إلا أن أفرادها يتعاملون بتحفظ وحذر مع المنضم حديثًا إليهم خاصة في الفترة الاولى الى أن يشعرون تجاهه بالاطمئنان ويثقون فيه، والمهام تختلف من فرد الى آخر، وتبدأ العملية من دول الجوار التي يوجد فيها وسطاء يقومون بإقناع الشباب بقدرتهم على تهربيهم الى داخل السودان ومن ثم مساعدتهم في إيجاد عمل او الهجرة الى الدول الأوربية ومصر، الوسيط في دول الجوار يتحصل أموال توصيل الراغبين في الهجرة مقدمًا وبالفعل يقوم بإيصالهم الى الحدود السودانية ثم يتجه الى تسليمهم لعصابات اتجار سودانية أو يتركهم في الحدود ويهرب، ويوجد تنسيق بين العصابات في السودان ودول الجوار عبر الاتصالات الهاتفية، ويقول الشاب إن العصابات السودانية وبعد استلام الوافدين في الحدود يتم توزيعهم في مخابئ سرية بعدد من محليات خاصة كسلا، ود الحليو وريفي غرب كسلا وغيرها .

ويشير الشاب الى أن التعامل مع الوافدين الذين يتم استلامهم في الحدود يذهب الى اتجاهين: الأول يتمثل في الاتصال على أهلهم والمطالبة بفدية لا تخضع لمعايير محددة وفي حالة عدم الدفع يتم بيعهم لعصابات أخرى خارج السودان وتحديدًا في مصر التي ربما تستغلهم في تجارة الأعضاء البشرية، ويكشف الشاب عن نشاط آخر لعصابات الاتجار يقوم على التمركز في الحدود لخطف الوافدين القادمين من دول الجوار لممارسة الابتزاز والاحتجاز غير المشروع لتحصيل اكبر عائد منهم، ويقول إن هناك عصابات تنشط في اختطاف اللاجئين من معسكراتهم بالسودان وذلك عن طريق استدراجهم بدعوى تسفيرهم الى خارج السودان، ويشير إلى أن هناك من يمارس تجارة البشر بشكل يعتقد انه ليس مخالفًا للشرع والقانون وهو ذلك المتمثل في تهريب اللاجئين الى الخرطوم أو الحدود المصرية، ويختم الشاب: بصفة عامة هذا الضرب من الجريمة يشهد تنامياً واضحاً وتوجد فيه ممارسات لا تمت الى الإنسانيىة بصلة، وكلما تدهورت الأوضاع الاقتصادية بولاية كسلا ترتفع نسبة الاتجار في البشر ويزيد عدد ممارسيها.

ثلاث جبهات

القوات النظامية بولاية كسلا وضعتها الظروف أمام موقف صعب يحتم عليها القتال في ثلاث جبهات وفق إمكانيات تعتبر بالمقارنة مع المخاطر والتحديات أكثر من عادية بل ومتواضعة، فالجبهة الأولى تلك المتمثلة في مكافحة تجارة تهريب السلع عبر الحدود بين السودان وارتريا وهي مهنة باتت تجد سوقًا رائجة وإقبالاً كبيرًا من الشباب بكسلا وذلك لأنها بحسب أحد المهربين تدر دخولاً عالية، أما الجبهة الثانية فتتمثل في مطاردة عصابات الاتجار في البشر التي تنشط في اختطاف اللاجئين من دول الجوار وكذلك سودانيين من داخل كسلا لطلب فدية أو لبيعهم ، أما الجبهة الثالثة التي على القوات النظامية العمل على سد ثغراتها هي تلك المتعلقة بمكافحة الجريمة بمختلف أنواعها والعمل على فرض الاستقرار الأمني.

وهذا بحسب مدير مكتب الجزيرة للخدمات الإعلامية بكسلا، والمتخصص في ملف الاتجار في البشر والتهريب، سيف آدم، يمثل ضغطًا إضافياً على القوات النظامية خاصة الشرطة ويضاعف من مهامها ، ويعتقد آدم في حديث لـ(الصيحة) أن يوزع عمل الأجهزة النظامية في ثلاث جبهات استراتيجية يمثل عليها عبئاً ضخماً وإضافياً، ويرى المختص في هذا الملف انه مثلما توجد شرطة خاصة لمكافحة التهريب لابد ان تكون هناك قوة ضاربة تشكل من كل الأجهزة النظامية وذلك للتصدي لجرائم الاتجار في البشر التي تضطلع بها حالياً ذات الجهات، ويعتقد أن انشاء نيابة خاصة لجرائم الاتجار في البشر يجب أن يصاحبها قرار آخر بتوفير قوة خاصة بهذه النيابة ،و يطالب هارون بتوفير دعم لوجستي للقوات في ولاية كسلا حتى تتمكن من السيطرة الكاملة على الحدود الشاسعة مع دول الجوار، ورأى سيف آدم ان توفير مروحيات ليس بالأمر الصعب على الدولة بالإضافة الى كاميرات المراقبة الحديثة والمتطورة، مثلما تفعل الكثير من الدول التي تراقب حدودها بالكاميرات وكذلك التنسيق مع دول الجوار وذلك للحد من هكذا جرائم، ويرى أن الاتجار في البشر شوه كثيراً من سمعة السودان وأن الخوف من عبور السودان بات يمثل هاجسًا مخيفاً للاجئين، ولابد أن يكون الدور واضحاً لمنظمات الأمم المتحدة تجاه معاناة المواطنين المحليين من معسكرات اللاجئين.

مجرد نماذج

وخلال الفترة الماضية داهمت القوات النظامية عدداً من المخابئ التي تحتجز فيها عصابات الاتجار رهائنها من اللاجئين ، وآخر عملية قامت بها شرطة مكافحة التهريب في هذا العام، حينما تمكنت من تحرير ستة رهائن كانوا محتجزين لدى عصابة تعمل في "الاتجار بالبشر" والتهريب، بعد مواجهة مسلحة شرسة مع أفرادها بمنطقة شرق نهر عطبرة بريفي مدينة كسلا شرقي السودان، وقال مدير إدارة مكافحة التهريب بالقطاع الشرقي ولايتي كسلا والقضارف العقيد مروان الحسين، إن القوة تلقت معلومات تفيد بوجود بضائع مهربة وحركة عربات مريبة وملفتة للنظر بالمنطقة، وأضاف: "توجهت القوة للمنطقة وقامت بتمشيطها وقوبلت بمواجهة شرسة من قبل أفراد العصابة، وبعد تبادل لإطلاق النار، فر على إثرها المهربون مخلفين وراءهم ستة رهائن مقيدين بالسلاسل وشاحنة محملة بالمواد الغذائية المهربة كانت في طريقها لخارج الولاية، إضافة إلى ستة كراتين من السجائر وبندقية ماركة "جي4".وكانت قوة من جهاز الأمن والمخابرات تمكنت خواتيم العام الماضي من تحرير 17 إريترياً كانوا محتجزين لدى إحدى عصابات الاتجار بالبشر بولاية كسلا على الحدود السودانية الإريترية.

مرحلة متطورة

وتم تحرير الرهائن بعد عملية ناجحة شهدت اشتباكات بالذخيرة الحية مع الخاطفين في منطقة غابة أم ستيبة بولاية كسلا"، التي تبعد نحو 810 كيلومتراً إلى الشرق من الخرطوم، ونحو 27 كيلو متراً من الحدود الإريترية مع السودان، وعثرت القوة على المختَطَفين مكبلين بالسلاسل في الأيدى والأرجل وبدت على أجسادهم آثار للضرب والتعذيب البدني، وتمكن الخاطفون من الهرب مستقلين 4 مركبات، وتبادل العصابات النيران من أسلحة حديثة مع القوات النظامية يؤكد وصولها مرحلة متطورة من التنظيم الاجرامي.

وكانت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين بالسودان قد كشفت في نوفمبر الماضي، عن انخفاض عدد حوادث الاتجار بالبشر بالسودان، "حيث تم التحقق من 74 حالة منذ بداية العام 2014 مقابل 100 حادث في 2013 و 388 في 2012 ".

وشكلت ظاهرتا الاتجار وتهريب البشر مصدر قلق خطيراً للمفوضية ولا سيما في شرق السودان "حيث يطلب متوسط 1200 ارتري اللجوء الى السودان كل شهر".

أن تأتي متأخرًا

ورغم التصنيف المتأخر للسودان لدى مجلس حقوق الإنسان الدولي بجنيف، إلا أنه حظي بإشادة نادرة خلال اجتماعات الجمعية العامة للمجلس في العام الماضي، نظير جهوده لمكافحة الاتجار بالبشر وتهريبهم، ولتأكيد جدية الحكومة تجاه محاربة جرائم الاتجار بالبشر، دشنت بولاية كسلا أخيرًا نيابة مختصة للحد من الظاهرة، وكان البرلمان قد صادق في 2014، على قانون لمكافحة الاتجار بالبشر، تراوحت عقوباته ما بين الإعدام والسجن من 5 – 20 عامًا، على من يتورط في هذه الجريمة.

ويشير رئيس المجلس التشريعي بولاية كسلا، المهندس أحمد حامد، إلى أن وجود نيابة مختصة يعتبر أمراً جيداً يصب في ناحية

التضييق على الخارجين عن القانون والناشطين في الاتجار بالبشر، ويشير في حديث الى (الصيحة) أن الأسباب الاقتصادية تقف وراء احتراف ضعاف النفوس لهذه الممارسة التي لا تمت إلى الدين والإنسانية بصلة، معتبرًا ان القانون الذي سيتم تطبيقه بعد إنشاء النيابة سيكون رادعًا وحاسماً، معتقداً أن تطبيقه على حالتين فقط من شأنه الاسهام في انحسار الظاهرة ، ويرى ان اجتثاث هذه التجارة والقضاء عليها يجب أن ينال اهتمام الجميع وذلك حتى لا تستشري وتنتقل الى خطف المواطنين السودانيين ، مؤكدًا أن حدوث هذا يعني دخول ولاية كسلا في فتنة قبلية لا تبقي ولا تذر، مطالباً بتكاتف جهود المجتمع من اجل القضاء على الاتجار في البشر.

ضعاف نفوس

أما القانوني والأمين السياسي لحزب المؤتمر الشعبي بولاية كسلا، نجم رمضان، فيرى في حديث لـ(الصيحة) أن عدم وجود نيابة مختصة خلال الفترة الفترة الماضية بولاية كسلا وضعف العقوبات أغرى ضعاف النفوس بامتهان الاتجار في البشر، متوقعًا أن يسهم وجود النيابة في انخفاض الجرائم في هذا المجال إذا تم تطبيق القانون بصرامة، ويطالب بأهمية تبصير المواطنين بضرورة التبليغ الفوري والتعاون مع النيابة والأجهزة الشرطية والأمنية وذلك لمحاصرة الظاهرة، مؤكداً على ضرورة مخاطبة جذور الأزمة والعمل على حل الضائقة المعيشية والبطالة التي يرزح تحت وطأتها مواطنو ولاية كسلا.

1 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
2 + 1 = أدخل الكود