محاولة لقراءة المؤشرات والأرقام الراهن الاقتصادي... خارطة طريق للخروج من النفق

عرض المادة
محاولة لقراءة المؤشرات والأرقام الراهن الاقتصادي... خارطة طريق للخروج من النفق
تاريخ الخبر 21-12-2018 | عدد الزوار 252

الخرطوم: جمعة عبد الله

في العاشر من سبتمبر الماضي، صدر قرار تعيين معتز موسى رئيسا للوزراء بعد حل حكومة الوفاق الوطني السابقة، التعيين بدا حينها مفاجئاً لكنه كان مطلوباً بشدة نظراً لاستمرار وتفاقم أزمات البلاد الإقتصادية، وكان الرهان على معتز وحكومته التي ستشكل بعد تعيينه كبيرًا والطموحات بلا حد في أن يسهم الطاقم الجديد في وضع معالجات وتدارك الوضع الاقتصادي، وهو ذات الهدف الذي بموجبه كان التغيير، أي معالجة الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي واجهتها البلاد في تلك الفترة.

1

ثلاث معضلات لم تنجح معها المعالجات

بنظرة سريعة بعد ثلاثة أشهر من تعيين معتز، يعطي الواقع لمحة عن الحال الذي لم يشهد تحسناً بقدر ما تراجع للأسوأ، فصفوف الخبز وطوابير المركبات المنتظرة للوقود وحال المودعين مع المصارف شكلت ثلاث معضلات لم تنجح المعالجات المتخذة في وضع حد لها، ويعيب مختصون على حكومة معتز اتخاذها قرارات لم تكن موفقة وتطبيقها بلا سند موضوعي، مثل رفع السعر الرسمي للعملات الأجنبية مقابل الجنيه، وهو ما ساهم تلقائياً في رفع أسعار السوق الموازي، فبعدما كان الدولار في حدود "43- 45" جنيهاً ارتفع لأكثر من 70 جنيهاً في بعض الأيام ولم يهبط عن حاجز الـ "60" حتى اللحظة.

2

دعوة إلى تحرك جماعي من المواطنين لحماية حقوقهم

ومع مرور الوقت وعدم نجاح تلك السياسات عاود رئيس الوزراء الكرة مرة أخرى، ولكنها بطريقة تختلف عن سابقاتها، وشدد رئيس الوزراء معتز موسى على أهمية وجود رقابة شعبية على توزيع الدقيق للمخابز، مؤكداً أن الكميات الموزعة يومياً بولاية الخرطوم كافية مشيراً إلى أن الحكومة تسلم المخابز يومياً أكثر 43 ألف جوال دقيق بدعم يومي يفوق 350 مليار جنيه يكفي لبناء 70 مدرسة يومياً كل صباح. وقال رئيس الوزراء إن جوال الدقيق سعة 100 كيلو يباع بسعر 550 جنيهاً بينما الحكومة تدعم دقيق المخابز يومياً بـ 350 مليار جنيه، وقال إن المخابز تتسلم حصتها كاملة، ولكن من بينها مخابز لا تعمل بكل الكميات، إذ يقوم مخبز بتحويل دقيق الخبز الى باسطة ويكسب أضعاف ما يكسب من الرغيف، ولذلك لا بد من رقابة شعبية.

وتابع: "المشهد الآن الحكومة داعمة للدقيق بعشرات المليارات والمواطن لا يجد خبزاً كافياً ما يخلق صفوفاً، ولما تشوف الصفوف معناتو أن الدقيق كله لا يخبز، لذا لا بد أن يكون هنالك تحرك جماعي للمواطنين لحماية حقوقهم". وزاد: بالقول: نعم الحكومة عليها واجبات والمواطن عليه واجبات. وقال إن الحكومة توزع يومياً على مخابز ولاية الخرطوم 43 ألف جوال دقيق لأكثر من 7.4 ملايين مواطن نصفهم أطفال وثلثهم شيوخ فوق السبعين، لذا يتوجب على اللجان الشعبية أن تتحرك لمراقبة حقوق هؤلاء.

وأضاف "الدقيق موجود والدعم مدفوع"، وجدد رئيس الوزراء التأكيد على عدم وجود أي اتجاه لرفع الدعم الآن، مشيراً إلى أن ذلك سيزيد العبء على المواطنين، لكنه شدد على أن هذا ليس هو الوضع الأفضل.

3

استخدام جزء من الدقيق المدعوم في صناعة الحلويات والباسطة

ركز معتز في حديثه الأخير على قضية دقيق الخبز والدعم الحكومي المخصص له، وعلى كثرة حجم الدعم، لكنه لم يسهم في حل أزمة الصفوف المتراصة بالمخابز من أجل الحصول على الرغيف، وبدا رئيس الوزراء حائراً وهو يؤكد على وجود الدعم وتسليم مخابز ولاية الخرطوم كامل حصتها البالغة "43" ألف جوال دقيق يومياً، قبل أن يجيب بنفسه بالقول: "ربما بعض المخابز لا تعمل بكل حصتها من الدقيق"، في إشارة لاستخدام جزء من الدقيق المدعوم في صناعة الحلويات والباسطة، رغم أن ذلك ليس مؤكداً بحسب حديث معتز نفسه الذي قال إن هذه المعلومة ليست مؤكدة تماماً.

4

قرارات جريئة تمهد لحل الأزمة من جذورها

للدقة، لا يمكن إرجاع الأزمة والضائقة الاقتصادية التي تمر بها البلاد لسياسات رئيس الوزراء التي أقرها منذ تعيينه، فهي نتاج لاختلالات متراكمة منذ سنوات طويلة، وفي عرف الاقتصاديين فإن حلها والتغلب عليها يحتاج لعزيمة قوية وإرادة من الحكومة باتخاذ قرارات جريئة تمهد لحل الأزمة من جذورها. فمنذ نحو سبع سنوات تتخبط البلاد في قرارات اقتصادية غير مدروسة، وكثير منها كان ضرره أكثر من نفعه، علاوة على أن الخطط والإستراتيجيات لم تطبق بشكل جيد، وكمثال لذلك البرنامج الخماسي للإصلاح الاقتصادي الذي لم تتجاوز نسبة تنفيذه الـ "43%".

5

كل المعطيات ليست غائبة ولكن ما هو الحل؟

كل تلك المؤشرات تبين وجود خلل في الاوضاع الاقتصادية، ونتيجة لذلك وصلت الأزمة الاقتصادية حدًا فوق طاقة احتمال المواطنين، وبات توفير أبسط ضروريات معاش الناس في صعوبة، مع محاولات حكومية خجولة لتخفيف حدة الأزمة دون نجاح يذكر، وتتصاعد أسعار السلع الاستهلاكية باستمرار تزامناً مع زيادة التضخم وتناقص قيمة العملة الوطنية، وبالتأكيد هذه المعطيات ليست غائبة عن الحكومة، لكن الغائب هو "الحل الجذري الناجز.

6

مصاعب كثيرة أولها مواجهة معسكر يهدم الجهود

المحلل الاقتصادي هيثم محمد فتحي يقول إن معتز يواجه مصاعب كثيرة جداً لا يستطيع حلها ويعمل منفرداً ويواجه معسكراً يهدم المجهود الذي يبذله من أجل إصلاح الدولة، أصدر سلسلة قرارات اقتصادية ومالية هدفت لمعالجة اختلالات الاقتصاد الكلي وأبرزها تحريك سعر صرف الجنيه بواسطة صناع السوق، تحدد سعر الصرف يومياً. موضحاً أن معدل التضخم عندما تسلم معتز رئاسة الوزراء كان "66%" ومنها ارتفع سعر الدولار من 27 جنيهاً إلى قرابة 70 جنيهاً، هذه الزيادة كانت في حدود الـ66% من سعر الدولار، خفضت قيمة العملة السودانية بـ95% وهو أكبر تخفيض للجنيه السوداني معدل التضخم قفز إلى 68%.

7

العمل بقانون العرض والطلب لن يجدي مع الاحتكار

وقال فتحي إن رئيس الوزراء وعد بعدم عودة أزمة الوقود وأزمة الخبز والصفوف المتكدسة للسيارات في محطات خدمة الوقود وللمواطنين في المخابز، ولكن الأزمات عادت مرة أخرى في وقود الجازولين وفي الخبز، فزادت من معاناة المواطن، وصارت أسعار السلع في الأسواق تتزايد في متوالية هندسية، وصار السوق يعيش فوضى الأسعار مع تدخل محدود من قبل الحكومة لتحديد الأسعار، ولكن تصدها موجة تحرير الأسعار والعمل بقانون العرض والطلب والذي لا ينفع العمل به مع تواجد نظام الاحتكار.

وعاب فتحي على الحكومة الاستمرار في طباعة عدة مليارات من الجنيهات وضخها في البنوك حتى تقوم بعملها المعهود في الصرف والإيداع وتغذية الصرافات الآلية للصرف للجمهور، ولكن اتجاه المواطنين للسحب من حساباتهم بدون توريد عادت البنوك للمربع الأول حيث الأزمة نفسها "شح السيولة".

8

زيارات لمناطق الإنتاج ذللت المصاعب ولكن!

وعن الخطوات الإيجابية التي قام بها معتز موسى، يشير فتحي إلى أن الإيجابيات التي قام بها رئيس الوزراء تمثلت في زياراته لمناطق الإنتاج في الجزيرة والقضارف والأبيض وتذليله لمعوقات الإنتاج كنقص السيولة وعدم تدخل الحكومة لدعم المزارعين، معتبراً أن ذلك يصب في زيادة الصادر، كما عمل على ﻣﺮﺍجعة "22" قانوناً للإعفاءات الجمركية، ووجه بالتركيز ﻋﻠﻰ ﺟﻮﻫﺮ ﺍﻹﻋﻔﺎء ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺠﺎﻻﺕ ﺍﻟﺨﻴﺮية وعمل على ﺍﻹﻋﻔﺎءﺍﺕ ﻟﻤﺮﺍﺟﻌﺎتها ﺣﺪﺩ ﻧﻬﺎﻳﺔ ﺍﻟﻌﺎﻡ ﺍﻟﺤﺎﻟﻲ ﻹﻧﻬﺎء ﺍﻟﺘﻌﺎﻣﻞ ﺑﺎﻟﻜﺎﺵ.

9

شرح تفصيلي لمعالجة الوضع الراهن

رئيس قطاع الإعلام بالمؤتمر الوطني، د. إبراهيم الصديق، قال إن رئيس الوزراء، وزير المالية معتز موسى شرح بالتفاصيل الإجراءات التي تم اتخاذها في مجال معالجة الراهن، بجانب توضيحه لبنود الموازنة الجديدة 2019م، وأرجع أزمة الوقود إلى ما أسماه بالتقصير الإداري والإجرائي. وأوضح الصديق أن رئيس الوزراء أعلن أن الموازنة الجديدة تهدف إلى تحقيق الاستقرار الاقتصادي من خلال خفض معدلات التضخم واستقرار سعر الصرف وتحسين معاش الناس وإصلاح الخدمة المدنية وسيادة حكم القانون ومكافحة الفساد، وأشار الصديق إلى أن اجتماع المكتب القيادي سيطر على أجندته الوضع الراهن بتركيزه على قضايا توفر الوقود والخبز ومعالجة مشكلة سعر الصرف والسيولة النقدية، وقال إن الاجتماع اطمأن على انسياب الوقود بكميات تتجاوز 150% من الحاجة اليومية. وكشف الصديق أن تقصيراً إدارياً وإجرائياً كان وراء شح الوقود، لافتاً إلى أن المكتب القيادي شدد على أهمية عدم تكرار الظاهرة، وأعلن عن ترتيبات إدارية لضمان انسياب دقيق الخبز، مشيراً إلى أن الحكومة تدعم الدقيق بمبلغ 35 مليون جنيه يومياً، وأكد الصديق أن الموازنة الجديدة لن تتضمن أي رسوم جديدة مع استمرارية دعم السلع الاستراتيجية بما يفوق 173 مليار جنيه، وقال إن الموازنة ستناقش في الآلية التنسيقية العليا ومجلس الوزراء، ويتوقع أن تقدم للمجلس الوطني الثلاثاء المقبل، ودعا د. إبراهيم الصديق كل الخبراء وأهل الاختصاص للإسهام بآرائهم في تحقيق نهضة تنموية في البلاد.

10

تدابير عملية لمحاصرة الغلاء والقضاء على المضاربات

ويدعو الخبير الاقتصادي، ورئيس اللجنة الاقتصادية الأسبق بالبرلمان، بابكر محمد لوجوب اتخاذ تدابير عملية لمحاصرة غلاء المعيشة وتخفيف الأعباء عن كاهل المواطنين، قبل أن يشدد على ضرورة ضبط الأسواق والقضاء على المضاربات والسلوكيات التجارية الملتوية.

وقال التوم لـ "الصيحة"، إن الحلول متعددة، ونادى باستصحاب أنجع الحلول للحد من تأثير الضائقة الاقتصادية على المواطن، ويقول التوم إن الحل يمكن أن يتم عبر تشجيع المنتجين في مختلف المجالات وتشجيع الشباب على ريادة الاعمال، وإعطائهم كافة المطلوبات ليعملوا بشكل جيد في استغلال الموارد المتاحة في الصناعة والتجارة والزراعة، وزاد: أبسط مثال أن السودان يمتلك أراضي كتيرة جداً يمكن استغلالها في الزراعة وزيادة الإنتاج بما يكفي ويفيض للتصدير والاستفادة من عائد الصادر في مشروعات أخرى، وقطع بأن اتباع وتطبيق هذه الطريقة يتيح للبلاد الحصول على المنتجات من الإنتاج المحلي بتكاليف قليلة وتوفير فواتير الشراء من الخارج.

11

توفير متطلبات العيش الكريم حلم الجميع

تأسيساً على المعطيات الماثلة.. لا يمكن إنكار أن البلاد تسير للخلف في اقتصادها ومعاش المواطن بات في صعوبة، والعملة الوطنية في تراجع وكذلك الإنتاج المحلي، وكل هذه المؤشرات وغيرها تؤكد فشل الحكومة في إدارة الشأن الاقتصادي وعدم استغلال الموارد المتاحة.

ويقول مواطنون، لـ "الصيحة" إن توفير متطلبات العيش الكريم بات حلماً بعيد المنال، ولهذا القول ما يسنده من مبررات، فنحو ثلثي سكان البلاد يعدون ضمن الفقراء، ومنهم نسبة لا يستهان بها ضمن شريحة "الأشد فقراً" فيما أكثرية الثلث الآخر بين حد الفقر وقليل منهم أعلى من هذا الحد.

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
1 + 7 = أدخل الكود
روابط ذات صلة