رؤى

عرض المادة
رؤى
تاريخ الخبر 06-12-2018 | عدد الزوار 60

عبدالرحمن الامين

من يرد عليَّ عقلي

الحالة التي يمر بها اقتصادنا أعيت حتى علمائنا وفقهائنا ومشائخنا، ولم يعودوا يدركون وجه الصواب في معاملاتنا، وحكم الشرع في مبايعاتنا، أذكر هذا، وكنت أستمع في خطبة الجمعة الفائتة إلى الشيخ محمد أحمد حسن بمسجد الصحافة مربع (19)، الشيخ كان يحذر من الربا وتعاملاته، والآفات التي تنجم عنه ومترتباته، وأورد أمثلة ونماذج لربا ظل البعض يتعامل به، من ذلك أن من أعجزه الحصول على سيولة نقدية من البنك مقابل شيك بمائة ألف، يذهب إلى آخرين غير بعيدين، نذروا أنفسهم لهكذا مهمة غير شريفة، أن يصرفوا لك الشيك بـ95 ألف جنيه، الشيخ (محمد أحمد حسن)، اعتبر ذلك عين الربا، المنهي عنه قرآناً، وهو الربا الممحوقة بركته، المنقطع فضله.

وفيما نهى الشيخ محمد أحمد عن التعامل بالربا وأكله، قال إن كان لا مناص، يمكن للناس أن تلجأ لـ(الكسر)، أي والله قالها هكذا، وأفاض يشرح، إذا كنت تتوفر على شيك بمبلغ مائة ألف جنيه، يمكن أن تشتري بها بضاعة، وتبيعها لصاحب دكان آخر بمبلغ 95 ألف جنيه، قال إن هذا على سوئه أقل ضرراً وأخف خطرًا من الربا وشره وعاقبة أمره.

إلى هذا الحد أوصل شح السيولة حتى علمائنا إلى الإفتاء بأخف الضررين وأهون الشرّين، فالأمر لم يعد قاصراً على الذي أصاب دنيانا، وإنما يوشك أن يتسلل إلى أمر ديننا.

وعلى ذكر هذه السياسات التي ما زلنا نعاني من ويلاتها، ولم ننج من دائها ومن وبالها، وبرغم كل السياسات التي اتبعت، والمحاولات التي انتُهجت، فلم تتوفر بعد مصارفنا على سيولة تروي بها عطش الناس وحاجتهم وتسد بها مسغبتهم، وبات أمراً مألوفاً، أن تجد الناس وقد تراصوا صفوفًا، خلف كل صرافة عسى أن يظفروا ببعض نقودهم وليتوفروا على سد بعض حاجتهم.

أكثر من ذلك، بات الحصول على بعض مالك يتوقف على مهاراتك وعلى درجة علاقاتك ووساطاتك، بل الأمر يتطلب أن تتعطف مدير مصرفك وتذكر شكاتك، وتبذل عنده رجاءاتك، وتتوسل إليه بكل غالٍ عندك، عندها لن تبلغ سقف الذي تطلبه، ويطلبون منك أن تبقي الأمر سراً بينك وبينهم، لأن هناك آخرين قد اعتذروا لهم، ولا يريدون أن يدخلوا في حرج معهم، ويأتون اليك بالمال بعيدا عن أعين الناس ونظراتهم، وكأنك تستلم ممنوعاً من عندهم، ثم ما أن تخلو إلى نفسك حتى تتبين أن الذي أفاءوا به عليك وتعطفوا به نحوك إنما هو من عرق جبينك ومن جهدك وكدك.

هل يمكن لنا أن نصدّق هذا الذي نرى بأعيننا، هذا الذي رويته، حدثت تفاصيله معي تماماً، خرجت من مصرفي وأنا ألهج بالشكر لمديره ومساعديه، أن ردوا علي بعض مالي، لكن من يرد على بعض عقلي، فهذا الذي يحدث في دولتنا، هو مسرح اللامعقول، ولكن لمن تقول؟

ما زلت أكرر ذات السؤال الذي سأله كثيرون أين ذهبت السيولة، هل فعلاً هي بأيدي المعدنين، أم بأيدي المخزّنين، أم بيد تجار العملة والمحتكرين، أم إن حكومتنا لم تعُد تملك ما تطبع به نقوداً مبرئة لذمتنا ومريحة لبالنا وكاشفة لغمتنا وواضعة حداً لمعاناتنا.

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
9 + 7 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية
جديد المواد
جديد المواد
اندياح - قضايا وملفات
رؤى - قضايا وملفات
رؤى - قضايا وملفات
اندياح - قضايا وملفات