الخبير الاقتصادي د. أحمد محمد الشيخ لـ"الصيحة"

عرض المادة
الخبير الاقتصادي د. أحمد محمد الشيخ لـ"الصيحة"
تاريخ الخبر 10-11-2018 | عدد الزوار 472

الأزمة الاقتصادية بدأت مع خروج الإنجليز من السودان

السياسات الاقتصادية وُجّهت لخفض الدولار وأهملت زيادة الإنتاج

هنالك ضعف في الخدمة المدنية تحوّل جزء منها لإمبراطوريات

في السودان توجد صراعات مصالح وتمدّد نفوذ

معظم مشروعات الدولة أصبح تنفيذها بالمزاج والسلطة النافذة

الحكومة تتعامل مع أسماء محدّدة تعتقد أنهم القطاع الخاص

التعامل مع البنوك بهذه الطريقة يعكس وجهاً سيئاً في الخارج

حوار: عاصم إسماعيل

قطع الدكتور أحمد محمد أحمد الشيخ، الخبير الاقتصادي بإمكانية حدوث نهضة اقتصادية قريباً، إذا ثبتت السياسات الاقتصادية مع إعانة القطاع الخاص ومعالجة ضعف الخدمة المدنية، وتقديم تسهيلات للمستثمرين وتقليل الواجهات الكثيرة وتربية النشء على حب الوطن، مع إزالة الحقد والضغائن والوقوف مع الناجحين إلى أقصى حد دون تمييز.

*كيف ترى الأزمة الاقتصادية التي يمر بها السودان؟

- مشكلة السودان الاقتصادية بدأت منذ زمن طويل عندما خرج الإنجليز من السودان الذي كانت خزانته تصرف على مستعمراتها في أفريقيا، والسودان ضمن تلك المستعمرات، إلا أنه حدث استقرار نسبي حيث ظل المواطن في رؤيته للأمور كما يشاء، ولكن حينما جاء قرار التأميم تحولت مؤسسات القطاع العام إلى قطاع خاص، ولكن العامل الاقتصادي لم يكن مهماً للاستمرار فيها واستمرت تعتمد تلك المؤسسات على ميزانية الدولة.

*ولكن ألم يتغير الوضع كثيراً؟

- نعم، حينما بدأت الخصخصة بالعالم في حقبة الثمانينات والتي حاولت عودة تلك المؤسسات إلى طبيعتها، واصلت الأزمات الاقتصادية، وبدأنا الاقتراض الذي زاد من مشاكل المديونية التي كانت في حدود 3 مليارات وتفاقمت بعد ذلك.

*ولكن حقبة حكومة الإنقاذ عملت بعض الإصلاحات؟

- صحيح، ولكنها تعرضت أيضاً لحصار اقتصادي ولكنه لم يكن سبباً معيقاً، بل هنالك مشاكل متعلقة بالنمو الاقتصادي، رغم أن الفترة شهدت أعلى معدل وصل إلى 8%، ولكن حتماً أن ارتفاع مستوى المعيشة أيضاً يخلق مشاكل اقتصادية.

*ولكن ألا ترى أن استخراج النفط كانت له إيجابيات؟

- النفط أحدث مشاكل في اقتصاديات الدولة باعتبار أن عائداته لم توظف بالشكل الصحيح، ولم يتم عمل تركيز لمحاصيل الصادر أو صناعات بعينها، كما أن البرامج الاقتصادية لم تكن واضحة ما تسبب في مشاكل لاحقة.

* ولكن الحكومة تبدو جادة في عملية الإصلاح عقب تلك الفترة؟

- السياسات الاقتصادية، ظلت دائماً توجه نحو خفض قيمة الدولار أمام العملة الوطنية، وكل السياسات ذهبت نحو ذلك الاتجاه، وتناست مسألة زيادة الإنتاج والإنتاجية، فهنالك دول تعمل عكس ما نقوم به تسعى إلى خفض قيمتها الوطنية لدعم الصادر.

*السودان دولة نامية تعمل في اتجاه الاستقرار الاقتصادي؟

- المدارس الاقتصادية متعددة، ولكن ليست كلها تعمل على رفع قيمة العملة الوطنية، كما ليس بالضرورة رفع القيمة لسبب اقتصادي، ولكن الدول التي تعمل لأجل صادراتها تعرف جيداً أن العامل الاقتصادي ليس سبباً.

*وماذا عن سياسات الصادر التي ظلت تنتهجها الدولة؟

- الإنتاج السوداني وفير دون مراعاة لجوانب التصدير والصناعات التحويلية بها مشاكل متعددة من بينها تكلفة الإنتاج التي لا تخلق منافسة في ظل الرسوم وغلاء الترحيل وعدم وجود ميزات نسبية للصادر.

* ما هو المثال على ذلك؟

- مثلاً صادر الماشية، يتعرض لأكثر من 35 رسماً حتى وصوله غلى ميناء الصادر، وهذا في اعتقادي تعطيل متعمد في بلد يحتاج إلى عملات حرة، وحتى نصدر بسهولة يجب إزالة كل هذه الأشياء التي تقف عائقاً أمامه.

* ولكن هذا الأمر ظل يطرق في كل منبر؟

- أقصد أننا نظل نتراخى دائماً في الأمور، ولم نتعامل معها للوصول إلى نتائج ملموسة، مثلاً تركيا ركزت على صادرات معينة وميزات تفضيلية كبيرة وحتى المصدر يخصص له جزء من العائد وتخفيضات في الجمارك والضرائب، ولكن في السودان، نجد أن إدارة الجمارك تأخذ رسومها من المنتج قبل أن يخرج إلى الميناء، لذا أعتقد لدينا عدم رؤية ثاقبة للسياسات الكلية للدولة.

* هل تعقتد بعدم وجود تناغم في السياسات الاقتصادية؟

- هنالك ضعف في الخدمة المدنية تحول جزء منها لامبراطوريات "تحب من تحب وتكره من تكره" وتعاكس أيضاً بدون رؤية وبرامج وسياسات واضحة، والعكس تماماً مفترض يكون دورها إرشادي وتوجيهي، نحن في حاجة شديدة إلى التدرج في التعامل الاقتصادي يمكن أن تصل لدرجة التساهل والتغاضي عن الصغائر.

* ومع ذلك تسعى الدولة إلى جذب استثمارات؟

- مسألة الاستثمار هذه كل له رأي، المفوضية والجمارك، وهنالك آراء متباينة في الأشخاص المستثمرين، ولدينا الحسد في التعامل في الدولة، ولدينا أيضاً مشكلة، جزء كبير منها واضح في قضايا التعامل مع الخدمة المدنية .

* وما هي المشكلة برأيك؟

- النظريات والسياسات الكلية موجودة، ولكن لا توجد عزيمة وبرامج تفصيلية لتنفيذ تلك البرامج في الواقع "إذا وسد الأمر لغير أهله فانتظر الساعة".

*وماذا تعني بإسناد الأمر لغير أهله؟

- أعني لابد من التدريب والتأهيل وعدم المجاملات غير المدروسة، فأي شخص يجب أن تكون له مهام واضحة وخطة محددة، كما يجب على الدولة أن تحدد وتحاسب الموظفين، لأن معظم الشغل في الدولة أصبح مزاجياً حتى في تنفيذ المشروعات التي تتم وفقاً للمزاج والسلطة النافذة، نحن نحتاج إلى قرار اقتصادي، لأن المشكلة واضح أنها قرارات سياسية وليست اقتصادية.

* هل تعتقد أن الوضع الحالي أصبح ثقافة عامة؟

- في السودان توجد صراعات مصالح وتمدد نفوذ وهذه أصبحت ثقافة عامة، فإذا جاء شخص مجتهد وفاهم جداً، فإنه يتعرض لمؤامرات، وهذه تحتاج إلى جهد، يجب أن نبدأ الإصلاح فيه بالنشء الجديد، وعلينا عمل مبادرة حب الوطن، وهذه يجب ألا نشتغلها بالطريقة العقيمة.

* وماذا تقصد بالطريقة العقيمة؟

- بمعنى أننا في حاجة إلى ترويج للسودان وموارده بصورة مختلفة، لأنه مرتبط بالاقتصاد، فهنالك دول مثلاً فيها استثمارات ضخمة، تقدمت فيها بالعملية الإعلامية والترويج. السودان لم يجد حظه من الترويج العالمي حتى يصلح حاله سواء كان بجذب الاستثمارات أو تعريف الناس به.

* ولكن في عهد الحكومة، زادت المنابر الإعلامية؟

- حتى الآن، نحن نخاطب العالم باللغة العربية، وفي نفس الوقت نجد الأجانب يتحدثون لغة عربية لمخاطبتنا سواء بالترجمة أو الدبلجة في كل برامجهم وهذا فى اعتقادي عمل مرتب ومنظم، ونحن في حاجة إلى طريقة مثلى لمخاطبة العالم لتقديم السودان أولاً ولتعريف الناس بما يوجد فيه.

* ألا تعقتد أنك تتحامل على وضعية السودان خارجياً؟

- بالعكس، كل الذي ينقل عن السودان ما هو إلا قضايا سالبة، نحن نمتلك سياحة، لماذا لا تنتج أفلاماً لتحسين صورة البلد لجذب السياحة والاستثمارات، فالرسوم التي تأخذها الحكومة كان يجب أن تخصص جزءاً منها للإعلام، والسؤال الأهم هو لماذا يتهرب الناس عن دفع الضرائب لأنهم لم يروها تنعكس على مجمل القضايا، وهذا هو أساس المشكلة .

*ومع ذلك ظلت مؤسسات دولية تشير إلى دوره في جذب الاسثتمار؟

- نعترف أن هنالك قوانين جيدة وسياسات ممتازة بمعايير عالمية، ولكن تكمن المشكلة في تنفيذ وتطبيق القانون، ذات القانون يأتيك شخص ما وله رأي في تنفيذه ولا يوجد معيار واحد في التطبيق، وهذا مرده إلى الخدمة المدنية وعدم تطورها من حيث التدريب، وهذا أثر بشكل كبير على القطاع الاقتصادي، كما نجد أن معظم التعاملات ورقية تفتح الباب أمام الفساد، ومناداة العمل بالحكومة الإلكترونية غير موجود بالواقع، لأن هنالك اجراءات مرهقة ومتعبة للوصول إلى مرحلة الإيصال الإلكتروني.

* ولكن هنالك تجارب ناجحة في تقديم الخدمات؟

- نعم هنالك تجربة الفريق أول هاشم في الشرطة الذي استطاع عمل مراكز يتمركز فيها تقديم الخدمات بتعاملات سريعة، عملت نقلة نوعية في ولاية الخرطوم، إذاً لماذا لا تعمم هذه التجربة في الولاية والمحليات، ولماذا كل هذه الجهات لا تعمل نوافذ لتقديم الخدمات في منطقة واحدة، وتكون مجمعاً لتقديم أي خدمة مرتبطة بالمواطن، أعتقد أن هنالك أناس لا يريدون الشفافية في تقديم الخدمات.

* تعد السياحة أبرز واجهات السودان ما رأيك في ذلك؟

- السودانيون بطبيعتهم لا يحبون السياحة، ولو وجدت مائة سوداني فإن اثنين منهم تجدهم قد زاروا حظيرة الدندر، الأمر كله متعلق بعدم وجود بنيات تحتية وجبايات، حتى عندما تتحدث عن جذب سياح من الخارج، فالتكلفة عالية جداً "مائة دولار"، في الوقت الذي نجد فيه دولاً تقدم خدمات متكاملة بأرخص الأثمان، الآن تريد طرح السودان كمنتج سياحي عليك البحث عن مصادر متعددة وليس واحداً.

*ولكن هنالك ملحقيات إعلامية بالخارج؟

- ضعف الدبلوماسيين في الخارج من حيث التدريب والتأهيل خلق نظرة سالبة تجاة السودانيين، كما أننا انتقائيون ومزاجيون في التخطيط للسياسات الخارجية، ورغم ذلك أعتقد انها معقولة، قد يكون نريد الأفضل، ولكن أعتقد أن الباب الاقتصادي يمكنه أن يحسن العلاقات السياسية.

* دور الدبلوماسية الشعبية؟

- عدم الاستفادة من التمثيل الشعبي ناشئ عن مشكلة السياسات الكلية الخارجية، وهذا مقرون بضعف التمثيل من حيث التأهيل، هنالك سودانيون لديهم علاقات خارجية على مستوى عالٍ جداً، ووضع مميز لم يستفد منهم، يمكنهم تحسين صورة البلد، وهنالك أيضاً شباب سوداني بالخارج متميز ومبدع في الإعلام يجب الاستفادة منهم في هذا الإطار.

* القطاع الخاص السوداني يعمل منفرداً رغم أنه المعني بالأمر؟

- الدولة تتعامل مع أسماء محددة تعتقد أنهم القطاع الخاص، وهؤلاء يعملون لمصالحهم فقط وقضاياهم الخاصة رغم وجود قطاع عريض لم يسمع له صوت، لأن الدولة تعتقد أن القطاع الخاص واجهات، لذلك أعتقد أن القطاع الخاص ليس اسماء محددة، وتلك الأسماء ماذا فعلت وأضافت للاقتصاد السوداني، بعض منها ظل على مدى عشرين عاماً نفس الشخصيات، على الدولة أن تطالب بمطلوب ومنفذ وعمل جرد حساب لمعرفة ماذا قدم القطاع الخاص .

* البنوك تمر بأزمات سيولة وفقدان ثقة؟

- العالم يعتمد على قطاع البنوك في تحريك الاقتصاد لأنها تعيد تدوير الأموال لأكثر من مرة في السنة، الآن الدولة في ظل حربها مع الدولار، حجمت السيولة فاقمت المشكلة، وهزت ثقة الجهاز المصرفي، هذه المؤسسات المصرفية يعتمد عليها عمل الدولة محلياً وخارجياً، نحن في حاجة إلى تحسين صورة الدولة ومؤسساتها والأجهزة التي لها علاقة بها، السؤال المطروح لماذا هذا التبشيع بالبنوك المحلية، ولماذا الصيغة التجريمية التي تعكس وجهاً سيئاً في العالم الخارجي تنفره من التعامل مع مؤسساتنا، فالأمر يحتاج إلى خطط لمعالجة ما بداخل البيت بالداخل.

* ولكن ربما قيام الدولة بمعاقبة المقصرين في البنوك أمر إيجابي؟

- يمكن يكون عندها إضافة سياسياً، ولكن اقتصادياً مضرة لتلك المؤسسات، الآن لو أثرت أي قضية في الإعلام كل شخص يقرأها، وأيضاً أقول تعطيني الجوانب السالبة ولماذا لا نفكر في الجوانب الإيجابية وعدم الميل نحو الإثارة.

* أين ذهبت السيولة وطباعة العملة؟

- طباعة العملة ليست فيها مشكلة، ولكن أزمة السيولة فجرتها الحكومة في نصف ساعة، ولكن علاجها يحتاج لسنوات، أما معادلة العملة، فتحسب بالناتج المحلي الإجمالي، فهنالك موارد أضيفت للناتج المحلي السوداني، ولم تطبع ما يقابلها من عملات، فالأمر يحتاج إلى حساب دقيق، هل طبعنا أقل أم أكثر، لا أعتقد أن ذلك يتسبب في ارتفاع التضخم نتيجة لمقابلة الموارد بالعملة المطبوعة.

*الضائقة المعيشية التي يمر بها المواطن كيف تنظر إليها؟

- أعتقد أن الحكومة غير ذكية، ففي السنوات الأخيرة حدث تحسن كبير في الاقتصاد، فهنالك تغيير حدث لدى المواطن من حيث امتلاك أقل شخص لموبايل حديث وعربات وأجهزة كهربائية غير متوافرة في زمان سابق، أعتقد أن التطور الاقتصادي له مشاكله أيضاً يحتاج إلى تدخل ضمان اجتماعي، ولكنه لا يمكن أن يكون سبباً لإيقاف التطور، فلابد من عمل معالجات، لذلك ذكاء الحكومة يتوقف على تفعيل آليات الضمان الاجتماعي لمعالجة التشوهات التي تحدث هنا وهنالك.

* هل تعتقد بتخصصية الوزير أو المدير بالمؤسسات؟

- إذا كانت هنالك خطط وبرامج ينفذها أي شخص وحتى حينما ذكر اسم القوي الأمين قدم معيار القوي على الأمين الذي يكون مؤهلاً ويقدم خدمة دون الرأي الشخصي لإدارة المؤسسة في الدولة بمشاركة الأشخاص محل الاهتمام.

*كثيرون يلقون باللائمة على سياسة التحرير؟

- سياسة التحرير لا تعني الفوضى في الأسواق .. مثلاً حينما يرتفع سعر سلع في الأسواق لابد من تدخلات عاجلة بإجراءات معروفة، لأن الاقتصاد ليس فيه ثبات، فسياسة التحرير لا تسمح للدولة التدخل بآلياتها، ومعروف عالمياً وجود هامش ربح محدد لكل سلعة، ولكن نقول على الأقل إلزام التجار بديباجة أسعار للتنافس .

* دخلنا الكوميسا ولم نستفد منها، وفي طريقنا إلى التجارة العالمية؟

- نحن مشكلتنا وفهمنا الاقتصادي احتكاري، وأي شيء نريده احتكاراً لا مجال للمنافسه فيه، المفروض عمل سياسات محلية، لكن الأصل في المسائل الدفع "التدافع"، فالسودان يقع في قلب القارة الأفريقية إلا أنه لم يستطع خلق علاقات اقتصادية مع دول الجوار، فهذه يمكن أن تكون عقبة أمام الانضمام لمنظمات أخرى ما لم تتغير العقلية المحلية في عملية التجارة .

* الآن الجنوب فتحنا معه باباً جديداً في العمل التجاري ماذا ترى في ذلك؟

- هل تعلم أن عدد المواعين النهرية التي تعمل بالجنوب أصحابها يصنفون من مليارديرات السودانيين، الآن المواعين النهرية لسنوات طويلة واقفة وتفرض عليها رسوم من الدولة وواقفة بأمر الدولة، التجارة مع الجنوب ناجحة جدًا ومربحة جداً والتجارة تفتح الشغل لشركات ومنتجات صناعية وتجارية وشركات المقاولات، لأن الجنوب محتاج، وهنال جهات مؤهلة وقادرة لنقل مئات الأطنان. نحن نريد فقط الإجماع على القرارات.

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
1 + 2 = أدخل الكود