بعد ارتفاع معدلاتها الأمراض النفسية.. تشخيص الحالة (النسوية)

عرض المادة
بعد ارتفاع معدلاتها الأمراض النفسية.. تشخيص الحالة (النسوية)
تاريخ الخبر 03-11-2018 | عدد الزوار 239

تبيدي: أزمة منتصف العمر من الحالات النفسية الشائعة بين النساء

بروف بلدو: المرأة تشكل 70% من المترددين على العيادات النفسية

بروف لبيب: الموقف الاجتماعي له دور في التأثير على شدة الاضطرابات

تحقيق: معاوية السقا

ترجلت الحسناء من عربتها الفارهه قاصدة عيادة اختصاصي نفسي معروف، كانت العيادة مكتظة بالمرضى الكل مستغرق في عالمه الخاص، جلست الحسناء في انتظار مقابلة الاختصاصي وظلت العيون تلاحقها تتأمل في جمالها وأناقتها كان تبدو عليها مظاهر النعمة والترف، ولا يمكن أن يستوعب عقل أن تكون هذه الحسناء تعاني من علة نفسية من واقع مظهرها وطريقة كلامها التي تنم عن رقة متناهية.

على رصيف الانتظار

نصف ساعة قضتها الحسناء مع الاختصاصي النفسي لتخرج بعد ذلك وفي يدها روشتة علاجية توجهت صوب الصيدلية التي كنت أجلس بالقرب منها ولازالت العيون تلاحقها، وكانت تقف بجانبي امرأة في العقد الرابع من عمرها، يبدو عليها الإعياء والشقاء وتخبئ وراء عينيها المحمرتين الكثير من المآسي والمحن، وما إن رأت تلك الحسناء داخل الصيدلية، إلا وقامت تقلب كفيها وتتحدث بسخرية "شوف محن الزمن ما جنيت أنا الراجلي بشرب طول اليوم ومنومني بعلقة ومصحيني بعلقة ".

حديث تلك المرأة ظل يدور في خلدي، وولد بداخلي الفضول أن أتناول الأمراض النفسية لدى النساء خاصة أن لدي تجارب شاهدتها عن قرب بحكم علاقتي باستشاري أمراض نفسية وعصبية، ومن خلال ترددي الدائم على عيادته شاهدت الكثير من الحالات التي تجسد مأساة حقيقية.

حكاية رانيا

أصيبت رانيا بصدمة عصبية وهي تتلقى نبأ وفاة والدتها وكانت حينها في العاشرة من عمرها، لم تستوعب فكرة الرحيل، فقد كانت أمها تمثل لها الملاذ الآمن والحصن المتين من تسلط والدها وقسوته.

لم تمض شهور على وفاة والدتها، حتى وجدت نفسها تحت سلطة زوجة الأب التي كانت أشد تسلطاً وغلظة من والدها لتتحول حياتها لجحيم.

الهروب من الجحيم

عندما بلغت سن الرابعة عشرة أحب رانيا ابن خالتها أحمد، وكانت تتعشم أن ينقذها من ذلك الجحيم، وقد تحقق لها ما أرادت وبعد عام وجدت نفسها أماً لطفل، غير أن الرياح لم تمض كما تشتهي، فقد وقع خلاف بين زوجها وأبيها أدى إلى طلاقها ليرفض الأب المتسلط أن يعيش الطفل في كنف والدته لتزداد معاناتها، وبعد أن أكملت العدة وجدت نفسها زوجة لرجل سبعيني لديه معاملات تجارية مع والدها وطيلة السنوات التي قضتها مع زوجها لم تشعر اتجاهه بأي إحساس من حب، ولكنها شعرت بإحساس الأبوة الذي فقدته علي الرغم من أن اباها على قيد الحياة، غير أن طريقته في التعامل كانت منفرة وفيها شيء من القسوة، بعد تلاث سنوات توفي زوجها وورثت منه منزلاً في أحد أحياء أم درمان العريقة لتبدأ فصول جديدة من مأساتها قادتها للشروع في الانتحار لتتحول إلى المصحة النفسية.

مفاجأة لم تخطر على البال

قصة رانيا لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة، فذات المأساة عايشتها حنان التي كانت تعيش في سعادة وهناء مع زوجها، مضيا سوياً في درب الحياة، كافحا لتحسين وضعهما، وقد فتح الله على زوجها برزق وفير وبات من أصحاب الجاه والمال.

ذات يوم والشمس تلوح في الأفق بالوداع وترسل أشعتها الذهبية كانت تجلس حنان في حوش المنزل مع أسرتها في جلسة أنس يتبادلون الضحكات ورائحة البن تعبق المكان، لتتوقف تلك القهقهات مع طرقات باب الشارع، أسرعت حنان لتعرف من الطارق فتحت الباب لتجد أمامها رجلياً عالي القوام عرفها بأنه صاحب قلاب من طرف زوجها يحمل سراميك وتسأءل هل يضعه عندها أم في البيت الجديد توقفت حنان في عبارة البيت الجديد، لتعرف بالنبأ الذي حول مجرى حياتها، اكتشفت حنان أن زوجها متزوج بأخرى منذ سنتين، وقد أنجب منها طفلاً، أصيبت بانهيار عصبي ورفضت إرضاع طفلها الصغير، بل ارتدت ملابس الحداد ذات اللون الأبيض، وأضربت عن الطعام، وباتت تعيش في عزلة فكان مصيرها الطبيب النفسي.

خلل في الشخصية

وبحسب بروفيسور علي بلدو استشاري الأمراض النفسية والعصبية، أن المرض النفسي، عبارة عن خلل في شخصية الإنسان، يسبب له إحساساً بالضيق وعدم القدرة على القيام بأي عمل يتعلق به، ويجعله غير قادر على حل أي مشكلة تواجهه في الحياة. كما يسبب المرض النفسي حدوث إحساس داخلي للشخص بأنه يكره نفسه، ولا يتقبلها ويرفض العالم الخارجي.

ويظهر المرض نتيجة أحداث مر بها الإنسان في حياته لا تتعلق بالنمو العقلي، بل نتيجة أحداث مؤلمة وصعبة، ومع انتشار هذه المشاكل يدخل الشخص المصاب في حالة اكتئاب ويأس من حياته.

تحولات نفسية

ويضيف بلدو أن الإنسان يتعرض في منتصف العمر إلى تحولات جسمانية ونفسية، وهذا أمر طبيعي في إطار دورة حياته، كما أنها تكون في جزء من عملية النضج والوعي، حيث يختبر الإنسان خلالها العديد من المشاعر ويتعرض للتغيرات البيولوجية الجسمية، يُحدث تغييراً في الأدوار الاجتماعية وزيادة المسؤوليات، والتغيرات النفسية المرتبطة بها.

رعاية من نوع خاص

وفيما يتعلق بالمرأة يقول بلدو، إن التغيرات التي تحدث لها خلال مراحل حياتها المختلفة، تجعلها دائماً تعيش مجموعة من التحولات النفسية والجسمانية والاجتماعية المختلفة. وتشير التقديرات إلى أن المرأة تشكل 70% من المترددين على العيادات النفسية بسبب ما تواجهه من هذه التحولات في مرحلة منتصف العمر، وما بعدها، ويكشف بلدو أن الدراسات أثبتت أن المرأة قبل المراهقة تكون أقل عرضة للاضطرابات النفسية ذات الصلة بالنمو العصبي، ولكن مع التقدم العمري لها نجدها من أكثر المرضى النفسيين من حيث العدد ومن حيث احتياجهن للرعاية النفسية.

وقد بينت معظم الدراسات المجتمعية، ازدياد نسبة الاضطرابات النفسية في النساء، خاصة الاضطرابات النفسية البسيطة.

يرجع بلدو ارتفاع معدل الأمراض النفسية وسط النساء إلى التكوين البيولوجي المتغير للمرأة من طمث شهري إلى حمل، إلى ولادة، إلى رضاعة إلى انقطاع الطمث، وما يصاحب هذه التغيرات من مظاهر فسيولوجية وانفعالية، إضافة إلى الوضع الاجتماعي للمرأة هو الذي يضعها تحت ضغوط مستمرة ومتعددة تؤدي في النهاية إلى إصابتها بالعديد من الاضطرابات النفسية والعصبية والجسدية.

ويؤكد بلدو أن المرأة لديها القدرة على التعبير عن معاناتها النفسية، وأكثر شجاعة من الرجل في طلب المساعدة الطبية.

الموقف الاجتماعي

فيما يؤكد بروفيسور معتصم اللبيب، استشاري الأمراض النفسية، أن الاضطرابات النفسية عند المرأة تظهر دائماً ما قبل الدورة الشهرية، موضحاً أن هذه الحالة تصيب 40% من النساء، وأن 10% من النساء يحتجن لمساعدة طبية. وأكد أن الموقف الاجتماعي له دور في التأثير على شدة هذه الاضطرابات ومسارها. ويضيف بروف اللبيب: بالنسبة للاضطرابات النفسية أثناء الحمل فتظهر في الاتجاهات نحو الحمل، والارتباط النفسي بين الأم والجنين وسيكولوجية زوج المرأة الحامل، وتأثير الحمل في العلاقة الزوجية، والحمل والعلاقة الجنسية والاضطرابات النفسية المصاحبة للحمل مثل الوحم والحمل الكاذب والقيء أثناء الحمل.

اكتئاب ما بعد الولادة

ويؤكد د. جعفر الحسن، أن اكتئاب ما بعد الولادة من الأمراض الشائعة بالنسبة للمرأة، ويشير إلى أن 5% من النساء بعد الولادة بأيام قليلة يصبن بهذا المرض، ويظهر من خلال اعتلال مزاج المرأة وسرعة بكائها وشعورها بالتعب والقلق وسرعة الاستثارة، وتقل حدة الأعراض مع الوقت، وفي الغالب تحتاج الى دعم نفسي من المجتمع المحيط بها.

ويؤكد د. جعفر أن مرحلة الاكتئاب ما بعد الولادة قد تؤدي الى أضرار وأن 5% من المريضات يقمن بالانتحار، في حين أن 4% يقمن بقتل أطفالهن. ومن الناحية الإكلينيكية يكون الاكتئاب ما بعد الولادة نتيجة الاضطراب الوجداني أو الاكتئاب الجسيم المصحوب بأعراض ذهنية، وهو يحدث في أي وقت في السنة الأولى بعد الولادة، مؤكداً أن متوسط حدوثه من أسبوعين لثلاثة بعد الولادة، أما الوقت الأكثر توقعاً فهو ثمانية أسابيع بعد الولادة.

تغيرات هرمونية

ويفسر د. جعفر هذه الحالة، أن هذا الاضطراب يحدث نتيجة التغيرات الهرمونية السريعة بعد الولادة، أو الضغط الجسدي والنفسي لعملية الولادة، أو الإصابة ببعض الأمراض مثل تسمم الحمل، أو بعض العوامل. وعندما يتم تشخيص هذا الاضطراب، يجب أن يتم الاهتمام به حيث أنه يعد أحد الطوارئ النفسية التي تحتاج إلى عناية خاصة، وربما تحتاج لدخول المستشفى، والتعامل معه بمضادات الاكتئاب والأدوية المهدئة.

أزمة منتصف العمر

ويرى المرشد النفسي محمد أحمد الخضر تبيدي أن أزمة منتصف العمر من أهم الحالات النفسية الشائعة بين النساء تحدث للكثير منهن في بداية الأربعينات، وأحياناً قبل ذلك، حين يكبر الأبناء وينشغلون بحياتهم، وحين ينشغل الزوج بمسؤولياته، وتجد المرأة نفسها وحيدة فتستغرق في التفكير في ماضيها وتبدأ الشعور بالحزن والندم على عمرها، ثم تنظر إلى حاضرها فتجده أقل بكثير مما كانت تحلم به، فزوجها الذي عاشت معه لم يكن أبداً هو فارس أحلامها، وأبناؤها الذين ضحت من أجلهم لم يحققوا طموحها، ولم يشعروا بتضحيتها، وشبابها اختفى مع التعب والإجهاد، وجمالها قد أخذ في الانحدار، ثم تنظر إلى المستقبل فتشعر بالخوف والضياع، ومن هنا تبدأ مشكلة ظهور عدم التوازن النفسي عند المرأة.

القبول بالأمر الواقع

ويضيف تبيدي: تختلف النساء عن بعضهن في مواجهتهن لهذه الأزمة، فهناك نساء يتقبلن الأمر بواقعية، وتمر الأزمة بسلام خاصة حين تكون معترفة بأهميتها ودورها ونجاحاتها السابقة كأم وكموظفة وكزوجة، وتعترف بالمرحلة العمرية التي تمر بها، وتحاول رؤية مميزاتها والاستفادة منها.

ويشير إلى أن هناك نساء لم يتقلبن الفكرة ويكن أكثر عرضة للاكتئاب ويحتجن إلى من يحنو عليهن ويتهيأن نفسياً لهذة المرحلة.

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
9 + 9 = أدخل الكود