سودانيات في عرض البحر (2)

عرض المادة
سودانيات في عرض البحر (2)
تاريخ الخبر 27-10-2018 | عدد الزوار 924

المهاجرات السودانيات بأوروبا.. حواء (تركن) لمراكب المستحيل

وداد: فور صعودنا إلى السفينة فوجئت بهذا المشهد المثير

مها: بهذا الشرط بإمكانك الاستمتاع بكافة الخدمات في أوروبا

هيام: استطعت من خلال وجودي في فرنسا الحصول على عمل في مطعم

تحقيق: آيات مبارك

ما دعاني إلى هذا التحقيق هي تلك الأسئلة المتكررة داخل مواقع التواصل الاجتماعي عن سبل الهجرة غير الشرعية، خصوصاً بعد أن كثرت التغريدات من قبل النساء والفتيات، متسائلات عن جدوى هذا الفعل ومدى خطورته، وقد اختلفت الإفادات ما بين مشجع ومثبط، خصوصاً من اللواتي قمن بهذه التجربة المهيبة، نساء كثر عرضن تجاربهن وهن في أعمار صغيرة، قذفت بهن الظروف وسط أمواج المتوسط المتلاطمة.

أسباب مختلفة

أسباب مختلفة ما بين اقتصادية واجتماعية، كانت سبباً في مغادرتهن للأمان والدفء الأسري داخل المنازل السودانية، وظروف طاحنة جعلتهن يضعن حياتهن على جناح ليل كالح السواد في عرض المتوسط، مقابل العبور إلى شواطئ الأحلام والرفاهية . أخريات تفضلن بحكاية تجاربهن، وأخريات أسمينها مآسي، داعيات الأخريات لعدم الركون لهذا الحل القاتل. وصفن وقائع تعرضهن لاعتداءات جنسية ولمختلف ضروب الاستغلال نظير أحلامهن، الآمهن، وآمالهن، رأيت ثمة تردد وخوف من المجهول يختبئ بين الأحرف، لكن وعود الراحة والمستقبل المشرق كان يداعب تلك الأعين.

أسئلة حائرة

يا ترى هل كان العرض مجزياً مقابل تلك المغامرة التي دونها الأرواح؟ وهل كانت تلك الدوافع كافية لترك الأمان النفسي والجسدي وسط الأهل والأقارب وإيداع حياتهن على متن القوارب؟ والوقوع تحت براثن تجار التهريب والأعضاء البشرية؟ والاستغلال الجسدي وتسخيرهن ضمن العمالة المنزلية؟ وما هي المصاعب التي واجهتهن أثناء ذلك؟ وهل كن بمفردهن أم بصحبة أسر؟

أسئلة كثيرة كانت تطوف بذهني تجاه تلك التجربة المهولة؟ أغلب المهاجرات اللائي تحدثن إلى (الصيحة)، هاجرن لتحسين أوضاعهن المعيشية، وربما أسباب أخرى رمت بهن في الصحراء الليبية وربما الشواطئ الأيطالية ومنها إلى ضواحي فرنسا أو انجلترا، وها هن يغردن على مواقع التواصل الاجتماعي، ليكشفن عن مدى خطورة تلك الأوضاع والظروف التي جوبهن بها، فيما رأت أخريات بأنه ورغم مرارة تلك المغامرة، الإ أن النتيجة كانت إيجابية مائة بالمائة.

وسط الأمواج

التقينا أيضاً بـ(وداد عبد الرحيم)، التي وبعد محاولات عديدة وافقت أن تحكي لنا فقط عن تجربتها المخيفة داخل البحر، فقالت: دخلنا إلى مركب صغير تبعد عن الشاطئ بحوالي عشرة أمتار، ومن رائحتها يبدو أنها تستخدم في صيد الأسماك طولها حوالي 15 متراً عرضها 8، مقوسة من الأمام والخلف بها حمامان أحدهما مساحته متر×متر وغرفة يبدو أنها تستخدم كاستراحة للملاحين، احتلتها بعض النسوة الصوماليات ومن فوق تلك الغرفة توجد الكابينة، والسطح يبدأ من منتصف المركب حتى الأمام وتحته غرفة للرجال وأنا وبعض النسوة اتخذنا الركن اليمين من المركب ملجأ، أما بقية الرجال في المؤخرة، وفور استقرارنا داخل المركب دخل الكل في موجات من الاستفراغ لمدة ٣ أيام بسبب الماء المالح، وآخرون بسبب دوار البحر . حينها وصلت مرحلة من الرعب نتاجها اعتقاد جازم بأني سأفقد بناتي الثلاث: فقد رفضن الأكل.. وبدأت افكر متسائلة يا ترى إذا حدث أمر الله هل يتم إلقاؤهن في البحر؟ أم سيسمحون بالاحتفاظ بالجثث؟

صراخ وبكاء

وتضيف (وداد) واصفة لنا حال بقية النساء داخل تلك المركب، أن أغلب الأوقات كن يقضينها في الزعيق والصراخ والخلافات المتكررة، التي لا تتوقف إلا عند هيجان البحر أو ميلان المركب وبسرعة شديدة يتجهن إلى الله لأداء الصلوات والتسبيح، هكذا كان قد ارتبط إيقاف الشجار بحركة الأمواج.

زعامة داخل البحر

تواصل (وداد) في الحكي، بأنه أثناء وجودهن داخل المركب نصبت بعض النساء زعيمة، وكان اسمها (زهرة) على ما أذكر، وكانت ضخمة الجسد وشرسة جداً، وهي القاضي والجلاد، وكل النساء وأغلب الرجال يخافون بطشها، إضافة إلى أنها مسكونة بجن أو كما تدعي ذلك، وعندما تغضب تزأر فجأة، وفي ذات القارب كان هناك رجل ينتحل صفة (شيخ)، فيأتي ليقرأ لها بعض السور حتى يخفت صوتها قليلاً، ويقوم بمحادثة الجن الذي يسكن داخل جسد (زهرة)، والذي كنت أتوقع في أي وقت من الأوقات أن يخرج ليتلبس أحد أولادي .

قضينا أياماً شديدة الصعوبة في تلك المركب إلى أن تم إخطارنا بأن كمية المؤونة من أكل ومشروبات قد نفدت وأبنائي قد بحت أصواتهم من الصراخ، ووصلت مرحلة من الانهيار أن أغمي علي، وعندما أفقت من الإغماء وجدت مجموعة من الشباب السودانيين ملتفين حولي وهم يحاولونني أن أشرب بعض الماء، وفي مساء اليوم الخامس، جاء الفرج من حرس السواحل عند شعورهم بالمركب وتم الاتصال بالقبطان لاسلكياً وطالبونا بالتوقف في مكاننا إلى أن جاءت طائرة هيلكويتر.

إلى أن أسفر صباح اليوم التالي وتم إحضار سفينة الصليب الأحمر ووصفتها (وداد) بأنها أكبر سفينة تراها في حياتها وعلقت قائلة بأن مساحتها تساوي (مساحة حلتنا في السودان) ومن أجل أن نركب في هذه السفينة تم رفعنا إلى مراكب صغيرة، وعند حضور فرق الإنقاذ بدأت بحملي أنا أولاً وأولادي لأني الوحيدة التي كنت برفقة أطفال.

داخل السفينة

وفور صعودنا إلى السفينة فوجئت بالخواجات يحملون كاميراتهم وأنوار الفلاشات تحاصرنا من كل الاتجاهات، حينها تذكرت شكلي وملابسي، فقد كنت أرتدي عباءة ممزقة ورأسي مربوط بأكياس وجسدي يرتجف بشدة من الجوع والإعياء وعيوني محمرة جداً وجسدي ممتلئ بالجروح والكدمات من أثر المشاكل. أما ملابس أبنائي فصارت ممزقة وشديدة الاتساخ، مسيرتنا داخل السفينة كانت لمدة يومين حتى وصلنا جزيرة (لامبدوزا) هي جزيرة صغيرة جميله جداً وتبعد عن إيطاليا بمسافة 12 ساعة عبر السفينة وسكانها طيبون ولطيفون جداً تم استقبالنا بحفاوة بالغة وتم إنزالنا في معسكر كان يستخدم لتدريب الجيش وجدنا هناك كمية من المهاجرين .. أسبوع كامل كانت فترة إقامتنا في هذا المكان فتم إطعامنا وكساؤنا إضافة إلى فرق العلاج التي لم تبارحنا أبداً إلى أن استجمعنا قوانا الجسدية، وتم إخطارنا بأنه سيتم ترحيلنا صباحاً إلى (جزيرة سيسليا)، نسيت أن أقول أن الربان المصري حذرنا من مجرد ذكر اسمه وهذه التحذيرات كانت تتوالى علينا من أغلب الذين قابلونا في هذه الرحلة.

داخل جزيرة سيسليا

وهي جزيرة تقع جنوب إيطاليا وبمجرد وصولنا إلى هناك قام المصريون بالرقص والزغاريد وهم في قمة الفرح بوصولهم، ولكن لم تكتمل فرحتهم فقد تم نداؤهم وترحيلهم إلى المطار وإرجاعهم إلى مصر، أما الصوماليات فقد كان في نيتهن الذهاب إلى فرنسا، أما انا وأبنائي فقد تم ترحيلي إلى مدينة تورينو في أقصى الشمال وهي مدينة جميلة أعتقد هي جنة الله في الأرض ذات مناظر طبيعية خلابة ذات طبيعة جميلة جداً تكسو جبالها الخضرة، وأضافت ( ما لاقانا بيت تعبان ..حتي بيوت الحيوانات جميلة) وصلنا تورينو ونزلنا في المعسكر إلى ان تم إيداعنا في بعض المنازل .

ها هن قد طوين الماضي أمام الناظرينن ولكنها مشاهد تمزق أحشاء كل من يحاول مجرد تخيلها لا سيما وأن أعمارهن لم تتعدّ الثلاثين. لم تنته هذه الحكايات المتزايدة، ولكن حاولنا أن نرى بعض الأسباب التي تؤدي إلى الهجرة.

أسباب الهجرة

سألنا روعة الزين 25 عاماً، والتي اكتفت بذكر الأسباب التي جعلتها تترك السودان وتتجه نحو (هولندا) فقالت: أتيت إلى هنا خوفاً على مصير ابنتي الصغيرة من الموت، و ذلك بعد أن فقدت ابني (محمود) وأنا أطوف به بين المستشفيات إلى أن توفي نتيجة للإهمال الطبي، مشيرة إلى أنه ومنذ دفن محمود تراءت لها من على البعد صورة أوروبا، فحزمت أمتعتها سريعاً ومضت إلى هناك، مضيفة بأنها ظرفها الإقتصادي في السودان كان جيداً نوعاً ما، إلا أنها هاجرت من أجل خدمة علاجية أفضل.

في فرنسا

أما هيام، فقد أشارت إلى أنها مكثت في مصر ثلاثة أعوام، وحينما لم تحظ بفرصة عمل لا سيما وأنها تحمل شهادة البكالريوس في الترجمة، لم تجد غير طرق أبواب الهجرة عبر اللجوء السياسي، ولكن الحظ لم يبتسم لها، فلم تجد غير المغامرة عبر ركوب أمواج المستحيل. وتضيف عبر تطبيق الواتساب، وهي تحكي لي تجربتها من مقر إقامتها بمدينة ليون: إنها قد استطاعت ومن خلال وجودها داخل فرنسا الحصول على عمل داخل أحد المطاعم، وأثناء تلك الفترة قدمت إلى إحدى المنح في العلوم الاجتماعية الخاصة بدراسة مجتمعات السوشيال ميديا، وحالياً تشعر براحة تامة وهي تسكن في السكن الداخلي للجامعة، وتعمل في ذات الوقت الشيء الذي يجعلها توفر بعضاً من الأموال التي تقوم بإرسال بعض منها إلى أسرتها التي تقيم في إحدى المدن بشرق السودان، بل أسرتني قائلة بأنها تعرفت على شاب سوداني وهم على وشك الزواج على أن تتم بعض من المراسم في السودان.

من داخل معسكرات إيطاليا

لم تكن حكاية (مها) تختلف عن سابقاتها، فقد وصفت ذاك المعسكر الكبير الذي لا زالت تقيم فيها بكل راحة وطمأنينة وقالت: هو معسكر تورينو عبارة مبنى كبير جداً وبه عدد من الخيام وفرق ترابط على البحر من أجل إنقاذ المهاجرين القادمين من ليبيا، واشتكت قائلة: لقد مضيت فترة طويلة في هذا المكان وأتى من بعدي الكثير من المهاجرين الذين تعرفت بهم، وسمعت كثيراً من الحكايات خصوصاً من النساء الأفريقيات اللائي حضرن دون أزواجهن وقد ضل أغلبهم في الطريق أو اختلفت بهن السبل .

رعاية أممية

مضيفة بأنهم تحت رعاية الأمم المتحدة التي تتولى أمور معيشتهم وسكنهم، وبعد ذلك يتم فتح حساب مالي من أجل إيداع منصرفاتهم الشهرية، إضافة إلى مجانية العلاج والتعليم، وأردفت (مها) قائلة هذه الخدمات بإمكانك التمتع بها طيلة العمر شريطة أن تكون مهاجراً من دولة تعاني من الحروب .

وختمت مها حديثها قائلة بأنني في انتظار منحي منزلاً مثل صديقتي التي استقرت في منزل جميل بإيطاليا وتعلم أبناؤها اللغة الإيطالية وهي حالياً تقضي معظم أوقاتها في الرسم . بعد أن صارت تتقاضى أجراً عالياً مقابل تلك اللوحات .

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
8 + 8 = أدخل الكود