الغبن المكتوم

عرض المادة
الغبن المكتوم
385 زائر
20-10-2018

أن تكسب المليارات من معاملاتك التجارية بالحلال، وأنت معروف بصدقك واستقامتك بين الناس فلا ضير ولا بأس، وأن تبني أبراجاً وعمارات وفللاً، وتمتلك شركات ومصانع وفاره السيارات، وأنت من أصحاب المال المعروفين بالعقلية التجارية والمشهود لهم بالنجاح، ولم تحظ بإعفاءات جمركية أو ضرائبية أو صفقات مشبوهة، تستحوذ عليها بطرق غير مشروعة، أو تنال عطاءً دونما منافسة من رصفائك في السوق، ولم تستغل أو توظّف ولاءك السياسي، فحقك علينا أن نفتخر بك، ونقدمك أنموذجاً للرأسمالية الوطنية، التي تستحق التكريم؛ لأنك تفعل ما عجزت عنه الحكومة في توظيف الشعب، وحل مشكلة العطالة ودعم الاقتصاد الوطني، فأنت يا هذا الصنف مظلوم في غمرة الحديث عن رعاةِ شاةٍ تطاولوا في البنيان، بعد أن كانوا فقراء يقطنون الأحياء الشعبية في منازل مشيدة من (الجالوص)، وكثيراً ما كانوا يعجزون عن دفع قيمة إيجارها الشهري، فأصبحوا من المتنافسين في امتلاك العمارات وتعدّد الزوجات، وهم قد تولوا مواقع عامة.

قد نستوعب قصة نجاح استثمارات ومعاملات تجارية لعائلات وأسر ضاربة الجذور في أعماق دنيا المال والأعمال التجارية، ولن نتوقف عندها إلا بمقدار ما نأخذ من وقتٍ للدعاء لهم – اللهم بارك وزد- لكن يبقى عصيَّاً على أفهامنا أن نسمع بـ(موظف) عام – كحيان- جاء إلى أقصى المدينة يسعى، يترنح من شدة العوز والفقر يسكن بالإيجار، ويعيش بـ(مجابدة ومباصرة) ثم يجد موقعاً بساحة (المال السايب) فيرتع وما يلبث إلا قليلاً حتى تسمع بأملاكه العقارية وشركاته التجارية واستثمارته الخارجية، فإن كان موظف أراضي حوَّل أرض السودان إلى ملك خاص يبيع ويشتري ويستبدل كيفما شاء، بعد أن أصبحت عنده بمثابة سلعة في متجره، وهكذا يفعل من هم مثله من نهبة مال الشعب السوداني الذين يؤتمنون على المال العام، فيمارسون فيه هواية الخيانة والسرقة والاختلاسات.

تنشأ الحساسية المفرطة لدى الشعب السوداني عادةً من واقع التحول الكبير، والعلامات الفارقة في حياة أشخاص هم في الأصل يتقلدون مناصب عامة مما يشي بأنهم استغلوا سلطاتهم ونفوذهم، وإلا فكيف لشخص يعمل موظفاً بالأراضي فيمتلك (10) أو (15) قطعة باسمه أو موظف آخر يمتلك عقارات في مواقع مميزة جداً، وشركات واستثمارات وهو لا يزال موظفاً بالخدمة المدنية التي جاءها ولم يملك من حطام الدنيا إلا (قميصين) و(بنطالاً) واحداً كما قال أحد المسؤولين الكبار ذات (زلة) لسان حينما قال: "إن المواطن قبل الإنقاذ كان لا يملك أكثر من قميصين والآن الدواليب ملااانة".. صحيح من بين أولئك الذين لا يملكون إلا قميصين هيمنوا على مواقع عامة والآن تملَّكوا العمارات والفارهات وتزوجوا مثنى وثلاث ورباع.

الفريق إبراهيم عبود لم يكن يخصص لأفراد أسرته حرساً أو سيارة حكومية تقودهم إلى مشاويرهم الخاصة أو إلى مدارسهم، فقد سبق أن قالت كريمته (سلمى) "حين كان والدي رئيساً لم نركب أي سيارة حكومية أو رافقنا حرس خاص وكان محرماً علينا أن نستغل أشياء عامة. والزعيم الأزهري كان يقترض من التجار والرئيس نميري انتقل إلى الدار الآخرة ولم يمتلك منزلاً واحداً، وإدريس البنا كثيرا ما يُشاهد وهو يستقل (ركشة) ووزير الإسكان الأسبق عمر حضرة ذات مرة قال لي إنه لا يملك الآن ما يستأجر به عربة تاكسي لتقله إلى قلب الخرطوم، وكان ذلك في مطلع العام 2000 .. ولكم فيهم أسوة حسنة ولنا بهم الحجة البالغة.. اللهم هذا قسمي فيما أملك..

نبضة أخيرة:

ضع نفسك دائماً في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله وثق أنه يراك في كل حين.

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
1 + 3 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية
جديد المواد
جديد المواد
مرحبا بالخدّاعين - أحمد يوسف التاي
النخب - أحمد يوسف التاي
إعلام العمل الطوعي - أحمد يوسف التاي
حالة توهان - أحمد يوسف التاي
في ما عدا ذلك أنت حر - أحمد يوسف التاي