استياء بسبب تراجعها الأغنية السودانية.. السقوط في مستنقع الهبوط

عرض المادة
استياء بسبب تراجعها الأغنية السودانية.. السقوط في مستنقع الهبوط
تاريخ الخبر 19-10-2018 | عدد الزوار 184

برعي محمد دفع الله أول من تنبأ بالسقوط

عبد العظيم أكول: الظاهرة تمددت وفشلت كل محاولات الإصلاح

أنس العاقب: خرج غناء الظل إلى السطح وهو ما يُعرف بغناء السباتة

تحقيق: معاوية السقا

لم يدر بخلد الموسيقار الكبير برعي محمد دفع الله، أن الأقدار تخبئ له نبأ سيحدث تحولاً كبيرا في مسيرة الأغنية السودانية، فعندما ذهب إلى حوش الإذاعة في إطار عمله الروتيني ولحظة دخوله صالة الموسيقى وجد كل الوجوه واجمة ويكسوها الأسى، غابت تلك الابتسامات والقفشات وصمتت أصوات الكمنجات التي كانت تعطر المكان، كان الصمت سيد الموقف، أحس الموسيقار بشيء من الحيرة وبدأت تدور في رأسه العديد من التساؤلات بعد أن ارتسمت على محياه الكثير من علامات الدهشة ، وبدأ يتساءل في قرارة نفسه ماذا حدث وماذا هناك، لتأتي الإجابه على عجل ليصاب بخيبة أمل كبيرة، عندما علم بنبـأ يفيد بإيقاف التسجيلات الرسمية وحل لجنتي النصوص والألحان والأصوات.

غضب ووعيد

تسمر الرجل من هول المفاجأة وخرج من الإذاعة مغاضباً بعد أن قال كلمته الشهيرة ستدفعون ثمن هذا القرار، لأنه يدرك تماماً أبعاده وما يمكن أن يترتب عليه من دمار يحيق بالأغنية السودانية. لم تمض سنوات وتتحقق نبوءة برعي محمد دفع الله وتصاب الساحة الفنية بالكثير من الشطط واختلاط الحابل بالنابل لتزداد الأمور سوءاً يوماً بعد يوم إلى أن تعدت مسألة الهبوط إلى مرحلة السقوط بعد ظهور نمط جديد من الغناء بات هو السائد والمسيطر على الساحة الفنية.

انحطاط في الذوق العام

واقع الحال الآن يشير إلى انحطاط في الذوق العام ورداءة المنتج الإبداعي، وقد فشلت كل المحاولات لإزالة التشوهات التي طرأت على المشهد الغنائي، بل وصل الأمر إلى حالة من الانفلات تصعب معها كل سبل المعالجة وتنافس جيل اليوم لتقديم كل ما هو غث ليتحول الأمر من كونه ظاهرة عابرة الى حالة بدأت تترسخ وتشكل نوعاً من الثقافة الجديدة.

ظاهرة قديمة

حول هذه القضية، يعترف الشاعر الغنائي عبد العظيم أكول بأن الغناء الهابط ظاهرة موجودة منذ قديم الزمان غير أن هذا النمط من الغناء كان محصوراً في إطار ضيق ولا يتناوله المغنون إلا في جلساتهم الخاصة للتنفيس عن الدواخل، ويرى أكول أن هذه الظاهرة باتت واقعاً ملموساً فشلت معه كل المحاولات للحد من انتشاره، بل تمددت حتى أصبحت جزءاً من ثقافة جيل لتهدم كل القيم المتعارف عليها في الساحة الفنية.

الإعلام الجديد

ويؤكد أكول أن وسائل التواصل الاجتماعي تسببت بشكل مباشر في تمدد وانتشار هذا النمط من الغناء، لأنها منابر ليس عليها رقابة ولا سلطان، وإنما تخضع للرقيب الذاتي، مشيراً إلى أن قرار حل لجنتي الألحان والنصوص من القرارات الكارثية التي أدت إلى ما وصلنا إليه الآن، مضيفاً أن الأجهزة الإعلامية كانت تمثل حارس البوابة على الوجدان السوداني، وبعد توقفها عن بث الأغنيات وتسجيلها لجأ المغنون إلى منابر أخرى كشركات الكاسيت التي استسهلت أمر الغناء وهبطت بمستوى المفردة الغنائية، وبالتالي ظهر نمط جديد من الغناء يسمى بغناء السوق والسندويتشات، وهي أغنيات سريعة وخفيفة لا تحمل أي مضامين جمالية ثم تطور هذا النمط وبات له شعراء وملحنون متخصصون جنوا أموالاً طائلة فارتبط الغناء بالمادة، وما أن يرتبط الفن بالمادة إلا وصار المنتوج هابطاً.

غناء الظل

الموسيقار أنس العاقب، في رؤيته لا يختلف كثيراً عما ذهب إليه عبد العظيم أكول، يقول أنس: في الفترة التي سيطرت فيها إمبراطورية الكاسيت، وباتت المتحكمة في مفاصل الأغنية، تنامت الظاهرة، وتبلورت وبدأت تتغير ملامح الأغنية السودانية، فخرج غناء الظل إلى السطح أو ما يعرف بغناء السباتة، وهو غناء خاص بالمرأة تترنم به في محيطها الخاص ويعبر عن أحلامها وتطلعاتها في أن تصبح أماً وزوجة، وهو أقل هبوطاً من الأغاني المغلقة بيد أنه يعاني من إشكاليات فنية متمثلة في التكنيك وحرفية الكتابة.

منبر مؤثر

ويمضي أنس في حديثه ويقول: هذه الأغنيات بمسمياتها المختلفة كانت تمضي بخطوط متوازية كل في المنبر الذي يستوعبه دون اختلاط الحابل بالنابل، فالأغنيات الأصيلة كان مكانها الأجهزة الإعلامية التي كانت تضم لجان نصوص صارمة لا تجامل على الإطلاق، وكانت حارساً أميناً على وجدان الأمة لا سيما الإذاعة ذات التقاليد المتعارف عليها والتي لا يمكن أن تتبدل مهما كانت المواقف والضغوط، لذا ما أفرزته الإذاعة كمنبر مؤثر في الإنسان السوداني من غناء رسخ إلى يومنا هذا، لأن الإذاعة بتقاليدها الصارمة ولجانها الحصيفة كانت تنتقي العبارات بعناية.

العصر الذهبي

فيما يرى الشاعر مختار دفع الله أن العصر الذهبي للأغنية السودانية ازدان بالأغنيات المحتشدة بالجمال مما أكسبها الخلود عبر عقود من الزمان، في ذلك الزمان كنا نمتلك إذاعة واحدة منوط بها إثراء وجدان الأمة، وكانت الأغنية تمر بمرحلة هي أشبه بالمصفاة ذات الثقوب الدقيقة المتمثلة في لجان النصوص والألحان والأصوات والتي كانت تضم خبراء ومن النخب في مجالات الغناء، فكانت الأغنية تأتي وهي مبرأة من كل التشوهات التي نلحظها في الكثير من الأغنيات التي نستمع إليها اليوم.

حرب شعواء

ويكشف دفع الله أن ما تم من تضييق على الغناء جعل شبابنا يلجأ إلى الأغاني العربية عبر قنوات وإذاعات تقل فيها درجة الانضباط عما كان سائدًا في أجهزتنا، فكانت هذه الأغنية رديئة المضمون وضعيفة الصياغة تصل إلى شبابنا، وفي ظل الفراغ الذي تركته الإذاعة في تلك السنوات الكالحات تم اختراق وجدان الشباب السوداني وكانت الكارثة الكبرى بانتشار إذاعات الإف إم التي رسخت لهذا الغناء والتي باتت أكثر عدداً من محلات تركيب العطور، وفتحت الأبواب لكل من هب ودب من أدباء الفن الغنائي فعاثوا في الساحة الفنية بما طاب لهم من غناء ركيك ليختلط حابل الفن بنابله دونما رقبيب أو حسيب في ظل تغييب تام للمبدعين الكبار الذين اكتفوا بالفرجة في ظل الإحباط الذي يعيشونه.

انكسار للشخصية السودانية

د. فضل الله أحمد عبد الله، الناقد المعروف في تشريحه للظاهرة، يرى أن تردي الأغنية له علاقة مباشرة بالسياق العام السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وإذا ما تأملنا الواقع من حولنا نجد أن هنالك تردياً في كل المجالات وانكساراً في الشخصية السودانية لتتضامن كل هذه المسائل وتخرج لنا السياق الذي نراه الآن، هذا جنباً إلى جنب مع انقطاع حبل التواصل بين الأجيال، وهذا الانقطاع نتج لظروف سياسية شكلت هذه المسألة.

محاولات خجولة

محاولات خجولة يقوم بها مجلس المهن الموسيقية والمسرحية للحد من هذه الظاهرة، إلا أن الوضع لا زال كما هو عليه لأن الآلية التي يعمل بها المجلس من المستحيل أن تراقب كل النشاط الفني، فحاولت تقييد المبدعين بالنظم واللوائح التي تنظم المهنة واكتفت بالمخالفات القانونية المتمثلة في عدم نيل الرخصة وانتهاك حقوق الملكية الفكرية بالنسبة لصاحب المنصف، ولكن لم تلقِ بالاً للمنتوج الإبداعي الضعيف والخارج عن إطار الذوق العام، كما أن للأجهزة الإعلامية دوراً كبيراً إذ ساهمت في الترويج لهولاء الفنانين وإبداعهم الساقط دون رقيب أو حسيب أو قوانين صارمة تحجم مثل هكذا إبداع.

الجمهور عايز كدا

معظم الفنانين الشباب المرددين لساقط القول يبررون اتجاههم لهذا النوع من الغناء أن "الجمهور عايز كدا" وأنهم يعبرون عن أبناء جيلهم وبمفردات متداولة في الأوساط المجتمعية والجامعية، ويتعللون بأن بعض كبار الفنانين تغنوا بمثل هذه الأغنيات، والبعض الآخر منهم يرى أن الأغنيات الهابطة طريق مختصر إلى النجومية والشهرة والمال في ظل الضغوط الاقتصادية والأوضاع المعيشية المتردية، وهي أمر لابد منه حتى تكون متواجداً في الوسط الفني.

غزو ثقافي

عنصر آخر يدخل كسبب مهم ومباشر في تردي الأغنية هو الجانب الاجتماعي، وفي ذلك يقول المرشد النفسي محمد أحمد الخضر إن الانهيار الكبير الذي أصاب المجتمع نتيجة للغزو الثقافي وبعض السياسات الاقتصادية والقوانين الوائح المقيدة ألقت بظلالها على الأغنية لأن المجتمع لا ينفصل عن السياسة والاقتصاد، فإذا فسد الساسة فسد المجتمع والفن هو مرآة للمجتمع.

ومن الأشياء الغريبة والمحيرة أن غناء الظل نفسه في حقب زمنية معينة مقارنة بالمطروح الآن يمكن أن نصفه بالاحترام، لأنه كان يحمل قيماً فقط تنقصه بعض الجونب الفنية، وهوغناء خاص بفئة معينة، أما اليوم فقد سقط هذا الغناء بشكل غريب للدرجة التي لا يمكن احتمالها، وظل هذا النوع من الغناء مرغوباً ومطلوباً بشدة مما جعل بعض الشعراء الكبار أن يهبطوا اضطرارياً لمجاراة الشباب.

وعي الفنان

ويؤكد الناقد عبد الله الميري، أن هنالك جانباً معرفياً وثقافياً ساهم بشكل كبير في تدني مستوى الأغنية وهبوطها فثقافة الفنان تلعب دوراً مهماً في اختياره للنص فالفنان الواعي الذي يعي أبعاد رسالته الفنية من الصعوبة بمكان أن يتغني بأغنية هابطة، لأن الثقافة تربي الذوق وتشذب الوجدان فواضح تماماً أن جيل اليوم من الفنانين يفتقرون إلى الاستنارة وقد انعكس ذلك على تجاربهم الفطيرة .

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
9 + 3 = أدخل الكود