الخبير الاقتصادي دكتور التجاني الطيب لـ(الصيحة) 1-2:

عرض المادة
الخبير الاقتصادي دكتور التجاني الطيب لـ(الصيحة) 1-2:
تاريخ الخبر 15-10-2018 | عدد الزوار 544

هذه هي مشكلة الاقتصاد السوداني

تعيين اقتصادي بوزارة المالية ليس ضرورياً

التجنيب أضحى مصدراً للفساد وله تبعات خطيرة

الحكومة لم تعترف حتى الآن بفشل البرنامج الثلاثي

انفصال الجنوب لم يترك لنا خياراً اقتصادياً آخر

السودان لم يستفد من البترول وانقلب نقمة عليه

لا أجد مبرراً للجمع بين منصبي رئاسة الوزراء والمالية

هناك عدم وضوح للرؤية في السياسات وغياب تام للإرادة

اعتذار حمدوك عن منصب المالية أساء لهيبة الدولة

حوار: عاصم إسماعيل

قطع الدكتور التجاني الطيب، الخبير الدولي ووزير الدولة الأسبق بالمالية، بعدم جدوى سياسة سعر الصرف الجديدة عبر الآلية ما لم يتوفر لها غطاء جيد وفق سياسة مالية وهيكلية تضمن نجاحها وقال في حواره مع "الصيحة" إنه سبق وأن طبقت حكومة الديمقراطية الثالثة مسألة سعري الصرف، ولكن بعد استشارة صندوق النقد الدولي الذي يمنع تطبيق سعرين في بلد واحدة.

وأكد الطيب أن السودان يعتبر من الدول التي تتميز بوضوح المشاكل والحلول، إلا أنها تتطلب إرادة سياسية وسياسات واضحة، ورهن نجاح السياسات بالاهتمام بالقطاعات الحقيقية في الاقتصاد السوداني إلا أنه أشار إلى عدم وجود قطاع خاص فاعل لتنفيذ السياسات معتبراً أنه يتلون حسب مصلحته الشخصية ما دعا الكثير من أمواله للهرب للاستثمار في الخارج.

*ما الذي يحدث اقتصادياً في السودان؟

- المشكلة الاقتصادية في السودان في الواقع متعلقة بالإرادة السياسية والسياسات الخاطئة، ففي خلال الثلاثين عاماً الماضية مررنا بثلاث مراحل أولها مرحلة الجاهلية والتي كانت منذ العام 90-1995م حينما جاء نظام جديد واضح أنه لا يمتلك سياسات ورؤية واضحة لمعالجة الوضع أو برامج أو حتى سياسات رغم أن تلك الفترة بها كثير من المشاكل والأزمات، لكن للأسف الشديد مشيناً في الخط واعتمدت الحكومة وقتها مبدأ "اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب".

*ولكن أيضاً الوضع كان متأزماً والتضخم مرتفعاً 80%؟

- لو افترضنا أن معدل التضخم وصل إلى أرقام عالية كما يزعم كثيرون، ونتيجة للصرف وصل التضخم في تلك الفترة 90-95م إلى 115% وبعد ذلك شهدت البلاد انهياراً كبيراً تلاشت من خلاله الطبقة الوسطى، انهارت الطاقة الشرائية للمواد وتآكلت الأجور وبدأ يعاني الاقتصاد من الصدمات التضخمية، ما أثر على النمو وقلّت فرص العمل وبدأ التفكير للتغيير.

* كيف بدأ التغيير؟

- هذه هي المرحلة الثانية التي مررنا بها خلال الـ30 عاماً، وهي مرحلة الإصلاح التي جاءت متزامنة مع استثمارات النفط، وأيضاً دخول صندوق النقد الدولي مرة أخرى في الملعب لمعالجة الأوضاع، وبدأت الجدية من الحكومة، وبدأ العلاج تدريجياً إلى نهاية التسعينيات.

* يعني السياسات نجحت لحد كبير؟

- نعم، نجحت سياسات الإصلاح ما أدى إلى انخفاض معدل التضخم إلى أن وصل أحادياً، ولكن للأسف ظهور النفط لم يستفد منه فكان أن انقلب نقمة تسلل من خلاله المرض النيجيري بعدما تم تجاهل القطاعات المحلية من زراعة وإنتاج محلي، واعتقدنا أن مورد النفط سيعوض النقص نتيجة للتراجع السابق وأهملنا الاستثمار في القطاعات الحقيقية.

*بماذا تفسر ذلك الأمر؟

- هذه هي المرحلة الثالثة والتي سميتها مرحلة الردة والتي استمرت إلى العام 2006م، وبدأت الأمور تكون أكثر وضوحاً بأن النفط ليس هو الحل، إلى أن جاءت الأزمة المالية العالمية، رغم ان كثيرين كذبوا تأثيرها على السودان، لكنها كانت أكبر من ذلكم الحديث، وبما أن العالم ونحن جزء منه قد ساده الكساد للأسف لم نعمل على معالجة الأوضاع الداخلية، وظللنا نقول بعدم تأثيرها على السودان.

*ولكن برغم ذلك فهنالك تحركات أيضاً مع دولة الجنوب في حينها؟

- نعم، عندما جاءت نيفاشا ودخل الجنوب شريكاً في إيرادات النفط، حدث ترهل، حيث أن الموارد ظلت توجه نحو الإنفاق التشغيلي، وأصبحت التنمية بالاقتراض ما رفع معدلات التضخم مرة أخرى، وكل عام الإنفاق في تزايد إلى أن قرر الجنوبيون الانفصال في العام 2011م.

*ولكن أيضاً الحكومة كانت مدركة لأثر الانفصال؟

- انفصال دولة الجنوب لم يترك لنا خياراً آخر أو حتى شيئاً، فذهب الجنوب بمورده، رغم آثاره السابقة فعملت الحكومة برنامجاً ثلاثياً أهم أهدافه تقليص حجم الحكومة بنسبة 45%، ولكن للأسف الشديد فبدلاً من التقليص زاد حجم الحكومة بنسبة 70% ما فاقم من الأوضاع وعجزت الحكومة عن مواجهة الإنفاق التشغيلي أو التنموي، ولكنها لم تعترف بفشل البرنامج الثلاثي.

*فكرت الحكومة فعملت البرنامج الخماسي وهو مستمر إلى الآن؟

- الحكومة لم تعترف حتى الآن بفشل البرنامج الثلاثي فماذا سوف يفعل الخماسي، هى بنت الخماسي على فشل الثلاثي والنتيجة معروفة مسبقاً، والغريب في الأمر حتى الحكومة الجديدة لم تتحدث إلى الآن عن البرنامج الخماسي.

*وهل هذا يبرر فشل البرنامج الخماسي؟

- هنالك أخطاء سياسية تتطلب إصلاحاً، فالحكومة تظل تصرف كل الإيرادات القومية على برامج غير فاعلة، ومن ثم تطبع عملات دون غطاء، فالغطاء يمثل نجاحاً بنسبة 20% لتغطية الإنفاق والتنمية كما أن التنمية التي تمت كلها عبر قروض.

*في اعتقادك لماذا يحدث كل هذا؟

- الحكومة لا تملك ادخاراً وطلبات القطاع العام ظلت تتسبب في ارتفاع مستويات التضخم، وحتى في التعامل مع المواطن العادي نجدها تعتمد على ادخاره، ولذلك فإن الحكومة ظلت على مدى سنوات العدو الأول للمواطن، قلصت من معدلات النمو وزاد الفقر وأصبح الفقر والبطالة ومعدلات التضخم فلكية.

*ألا تعتقد أن المشكلة مرتبطة بجوانب أخرى؟

- أهم شئ هو التشخيص وإلى الآن نقول إن المشاكل ظاهرة وليست مرضاً، كل المعالجات السابقة فشلت لأن التشخيص خط، دون توازن الأمر الذي أدى إلى تدهور القطاعات الحقيقية.

* هل تعتقد بغياب التخطيط تفاقمت الأزمات؟

-التخطيط ظهر في فترة الاشتراكية، وكانت ظاهرة أكثر منها اشتراكية حاكمة، وبعد تحول معظم الدول تلاشى تواجد هيئات ووزارات للتخطيط، وأصبح تركيزه على السياسات، وهو ليس بمحرك أساسي ولا يبقى المحرك بل السياسات التي تحرك بجانب القطاع الخاص.

*التفكير خارج الصندوق كيف تراه.. ولماذا التركيز على قطاعات فشلنا فيها سنوات عدة؟

- لو نظرت الآن إلى مساهمة القطاعات المتعددة في الناتج المحلي الإجمالي نجد أن القطاع الخدمي مستحوذ على أكثر من 50%، وكل القطاعات الناشئة وصلت إلى مراحل متقدمة عبر الزراعة.

* ولكن هنالك دول أصبح القطاع الخدمي جزءاً أصيلاً من تنميتها؟

- السؤال هو، كيف وصلت تلك الدول إلى الاعتماد على القطاعات الخدمية، وصلوا إليها في مرحلة الكبر، ففي حال السودان لابد من الاهتمام أولاً بالقطاعات الحقيقية حتى نصل إلى مرحلة الخدمات وهي مرحلة لاحقة من مرحلة النمو ثم إلى النشوء ومن ثم مرحلة الكبر، وهذه الوصول إليها عبر التطور وفق مراحله الطبيعية.

* القطاعات الحقيقية في الولايات ونظام الحكم به تعقيدات؟

- مشكلة الحكومة في المركز والولايات أن الإنفاق الجاري يصل إلى 13 ملياراً، ونفس النسبة تأخذها الولايات من الجبايات وتصب في نفس الاتجاه، وتؤثر على معيشة المواطن، بالتالي المواطن يدفع فاتورة رفاه الحكومة، وليس الحكم الاتحادي الذي يعتبر مشكلة في حد ذاته.

*بمعنى أدق؟

- إذا أردت معالجة الإنفاق الجاري لابد من معالجة نظام الحكم الاتحادي أولاً، هنالك جيوش جرارة بالولايات والمحليات، ويجب تغيير هذا النظام لأنه اتجاه خاطئ، فمن أوائل الأشياء كان على الحكومة الجديدة النظر إلى نظام الحكم الاتحادي.

*ولكنها بدأت في حل بعض المشاكل الآنية؟

- هذه ليست آنية بل أعتبرها قفزت بالتضحم لمراحل جديدة دون اتخاذ تدابير لتقليل أثر التضخم، ومن ضمنها الإنفاق على الحكم الاتحادي، ويمكن تخفيض الإنفاق على المجالس التشريعية دون أثر على المواطن لمعالجة مشاكل أصلاً فيها خلل تؤثر على المواطن في معيشته.

*يعني أن المشكلة تراها سياسية؟

هذه من ضمن المشاكل، إنفاق عام، وأصبحت المشكلة سياسية أكثر منها اقتصادية، فالعلاج مكلف جداً، وظللنا سنوات نلف وندور حول المرض والثمن تكلفة سياسية عالية، وأي إصلاح يتطلب إرادة سياسية لتنفيذ ما هو مطلوب في مصلحة الاقتصاد.

*ما هو الأهم والمهم قرار سياسي أم اقتصادي؟

- الاثنان مهمان، ولكن دون إرادة سياسية، فلن ينجح القرار السياسي أو الاقتصادي، فالإرادة هي المقدرة على تحمّل التبعات والوقوف مع تطبيق سياسات إصلاحية كاملة، لذا فإن القرارين يتماشيان مع بعض، فالإرادة داعم للإصلاح.

* حالة السودان تتطلب خبراء ذوي مقدرات مختلفة؟

- الاقتصاد السوداني أكثر اقتصاد في العالم مشاكله معروفة وحلوله أيضاً، مثلاً التجنيب، هنالك لوائح تمنعه، ولكن بلا دعم سياسي، فأصبح مصدراً للفساد، ولكني أعتقد أنه أحد دعائم بقاء السلطة، فإذا حاربته بالطبع سيكون له تبعات سياسية خطيرة، وأي شخص يعاقب بالقانون، ولكن في الظروف الحالية لن تستطيع معاقبته دون إرادة سياسية.

* البحث عن حكومة وفاق فاعلة هل تعتقد بالأشخاص أم السياسات؟

- أنا أعتقد بالاثنين "سياسات وأشخاص"، نحن ليست لدينا سياسات، وكنت أعتقد أن أول اعتراف من الحكومة أن يكون بالخطأ خلال السنوات السابقة، ولكن إذا قلنا مثلاً هنالك تشوهات دون تفسير لها، يبقى أيضاً هنالك عدم إرادة سياسية، أول الإصلاح هو الاعتراف أن الذي حدث نتيجة لأخطاء أشخاص وسياسات، فالسياسات الخاطئة لا تعالج المرض وإذا لم تعترف أيضاً بالخطأ لا تعرف الصحيح، فغياب السياسات جاء بالأشخاص الخطـأ.

*كثيرون يرون أن سياسات الترضيات لها تأثير؟

- لا أعتقد ذلك، كما ليس من الضروري تعيين وزير مالية أن يكون متخصصاً فى الاقتصاد، بل الأمر يتعلق بالسياسات، ومن ثم الوزير أو المدير لتنفيذها، ليس مهماً، إذا وجدت سياسات وبرامج وأهداف واضحة، ولكن حتى الآن لم نصل إلى هذه المرحلة، وهي جزء من السياسات عدم توظيف الأشخاص المتخصصين.

*برأيك لماذا الهروب من منصب وزير المالية... واعتذار حمدوك دليل على ذلك؟

- ليس لدي أدنى تفاصيل لماذا تم اختياره، ولماذا رفض.. ولكني أعتقد أن الحادثة نوعية في حد ذاتها. كيف يتم الاتصال بشخص يوافق وأخيرا يعتذر، هنالك معلومة غائبة، كيف تمت هذه المسرحية، فالأمر مسئ لهيبة الدولة، ولكن كما ذكرت ليس المهم حمدوك أو غيره، فالأهم معرفة السياسات والإرادة السياسية الفاعلة، وبعد ذلك لا نفرق بين فلان وآخر، والدليل على ذلك مهاتير محمد، رجل طبيب، ولكنه يفهم في الاقتصاد وسياساته.

* الجمع بين منصبين فى السودان كيف تراه؟

- صحيح، هنالك دول كثيرة تنتهج الجمع بين منصبين، ولكن في حالة السودان لأول مرة يحدث فيها هذا الأمر، وهي تجربة جديدة ليس لها معنى وليس هنالك مبرر للخلط بين منصب رئيس الوزراء ووزراة المالية، وحتى منصب رئيس الوزراء يحتاج لأكثر من شخص، ومنصب وزير المالية أيضا به أعباء، وهذه واحدة من مؤشرات تجذير مشكلة الاقتصاد، كان من المفترض إيجاد أشخاص لتخفيف عبء رئيس الوزراء، وليس العكس، فالسودان مليء بالخبرات والمؤتمر الوطني لا يخلو من تلك الخبرات.

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
7 + 3 = أدخل الكود