يا حليل زمان

عرض المادة
يا حليل زمان
409 زائر
09-10-2018

بطبيعة الحال يحِنُ الإنسان إلى الماضي عندما يكون حاضره بائسًا لا يرى فيه حسناً، ويصبح الماضي ذكرى شجية تدغدغ المشاعر، عندما يبقى وحده الطريق الوحيد للهروب من ذلك الواقع المتجهّم.. الحنين إلى الماضي هو سلوى النفوس المُنْكدرة، والقلوب المنفطرة، بل هو "أفيون" الخواطر المنكسرة... تصبح الحاجة ماسة للتزود من ذكريات الزمن الجميل للهروب من قبضة الحاضر... فكرة الحنين إلى الماضي ألمحها دائمًا في المثل القائل: (إذا أفلس التاجر فتش دفاتره القديمة)، وتشخص أمامي فأجدها في الحكمة التي تقول: (الصحة تاج على رؤوس الأصحاء، لا يراه إلا المرضى)، وكذا نعمة المال، والحرية والعافية، لهذا تراني ميالاً لإيجاد العذر لكل من أراه (حبيساً) في سجن الحنين إلى الماضي وهو ينظر إلى واقع التعليم، الصحة، الخدمة المدنية، السياسة، الاقتصاد...الخ ...

وقبل كل ذلك، أجد لنفسي العذر حينما أراني مزهواً – حد الافتتان- برموزنا الوطنية التي أعطت السودان وشعبه ولم تستبق شيئاً، وعاشت بين أهله كما واحد من غمار الناس بساطة وصدقًا وتجردًا وإخلاصًا، ولعلي أذكر حديثاً خاصاً جرى بيني وبين أحد أعيان البلد – وهو يحدثني عن صديق له كان مخلصاً وودودًا لا يفرقهما إلا النصف الثاني من الليل، حيث يأوي كل منهما إلى فراشه.. يقول: عندما تم تعيين صديقي وزيراً لم تكن الفرحة تسعني لجهة أن لدي مشكلة مزمنة تتعلق بأرض زراعية نزعها مني دون وجه حق الوزير الذي سبق صديقي على المنصب، وظننتُ أن الفرصة أتت حتى عتبة بابي لإعادة حقي المسلوب، وبعد فترة طويلة ذهبت إليه بالمنزل ليلاً وشرعتُ في عرض المشكلة، وقبل أن أكمل شعرت بالضيق بادياً على وجهه، فتوقفت وقلت له إن كان هذا الأمر يسبب لك حرجًا سأعرض عنه كي لا أخسر صداقتك فقال بحزم قبل أن يعرف التفاصيل:(والله أنا ما بغضِبْ الله عشان أرضيك وأحابيك إنت، إنت أو أي زول من أهلي عندو مظلمة يمشي القضاء، قصة أرضك دي الزمن دا كلو إنت ما جبتا لي سيرتا إلا بعد ما بقيت وزير؟، دا براه بالنسبة لي دليل) ... قال صديقه أخذت في خاطري كثيرًا منه وحدثت القطيعة وبعد فترة طويلة زالت الجفوة وعاتبني عتابًا قاسياً وقال لي نحنا عايزين نغيِّر مفاهيم الناس عشان ما كل زول بقى وزير ولا رئيس أهلوا وأقاربو يكسروا ضهرو ويحطموه وفي النهاية يدخلوه النار بدل ما يبقوا ليهو ناصحين وبطانة صالحة..) عرفتم لماذا كم نتوق إلى ماضٍ جميل تهفو إليه قلوبنا المجهدة، وترنو إليه خواطرنا المنكسرة ... اللهم هذا قسمي فيما أملك.

نبضة أخيرة:

ضع نفسك دائماً في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله وثق أنه يراك في كل حين.

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
6 + 6 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية
جديد المواد
جديد المواد
مرحبا بالخدّاعين - أحمد يوسف التاي
النخب - أحمد يوسف التاي
الغبن المكتوم - أحمد يوسف التاي
إعلام العمل الطوعي - أحمد يوسف التاي
حالة توهان - أحمد يوسف التاي