أما قبل ذلك يا محافظ بنك السودان

عرض المادة
أما قبل ذلك يا محافظ بنك السودان
824 زائر
07-10-2018

صدق محافظ بنك السودان، د. محمد خير الزبير، حين قال، إنه (لن يكون هناك سبب (بعد اليوم) لتهريب الذهب)، بعد أن انتفت الأسباب التي كانت تدفع الناس إلى تهريبه، وسأعلق على مبررات ذلك القول بعد قليل.

قبل ذلك، أود أن أذكر بأن بنك السودان قد اتخذ حزمة من التدابير الاقتصادية أحدها يتمثل في قرار الإعلان عن سعر صرف يومي للجنيه السوداني وفقاً لمؤشرات العرض والطلب في السوق، من خلال آلية تضطلع بذلك الإجراء بصورة يومية بعيداً عن أي تدخل للبنك المركزي.

وفقاً لمحافظ البنك المركزي، فإن (آلية صناع السوق) المكونة من عدد من البنوك التجارية والصرافات المحلية والخارجية والخبراء هي التي تُحدّد (سعر الصرف الواقعي)، والذي سيكون - حسب قوله - مجزياً للمصدرين والمغتربين، وأن تلك الآلية ستكون مستقلة تماماً عن الحكومة، وسيكون مقرها اتحاد المصارف، وليس بنك السودان، وسيقوم بنك السودان بشراء الذهب بالسعر الذي تحدده تلك الآلية كل يوم ويقوم كذلك بتصديره.

التحدي الأكبر الذي يواجه هذه الآلية أن تُثبت للعاملين في إنتاج الذهب وعمال التعدين الأهلي بصورة عامة، خاصة خلال الأيام أو الشهر أو الشهور الأولى بعد بداية عملها أن السعر المُعلن من جانبها يزيد على السعر المعروض من السماسرة وتجار السوق الموازي داخل السودان وخارجه.

أود أن أطمئن المسؤولين في تلك الآلية أن السعر المُعلن منهم سيبلغ بسرعة البرق كل السودان بل وخارجه لحظة الإعلان عنه من خلال الوسائط الحديثة والموبايل، لكني في ذات الوقت أقول محذّراً إن العاملين الذين يحفرون الصخر نصباً وعرقاً بين جبال ووهاد ووديان السودان للحصول على الجرام والجرامين من ذلك المعدن النفيس، أقول إن أولئك العاملين لن يجاملوا تلك الآلية بقرش واحد ينقص عن سعر السوق الموازي، وسيستمر التهريب ما لم تنبنِ الثقة الكاملة في نفوس أولئك العاملين في إنتاج الذهب، لذلك أرجو أن تحرص آلية صناع السوق على ألا تخطئ ولو ليوم واحد أو ساعة أو مرة واحدة، سيما وأن الثقة مفقودة أصلاً في النظام المصرفي بعد أزمة السيولة التي لا تزال تُمسك بخناق البلاد، الأمر الذي ينبغي أن يجعل إنجاح هذا القرار من خلال استعادة الثقة على رأس اهتمامات د. محمد خير الزبير، بل محل اهتمام رئيس الوزراء الذي لا يزال الناس ينظرون إليه بكثير من الأمل والتفاؤل.

أرجع لأذكر العبارة التي وردت على لسان محافظ بنك السودان، فقد قال إنه لن يكون هناك سبب (بعد اليوم) لتهريب الذهب!

لا أحتاج إلى كثير شرح لما يعنيه المحافظ بعبارة (بعد اليوم)، فقد كان تصريحه بمثابة الاعتراف الجلي بأن التجار والمتعاملين في إنتاج الذهب (كان لهم حق (قبل اليوم) في أن يهربوا الذهب)، نظرا للفرق الهائل بين سعر السوق الموازي والسعر (الظالم) المُحدد من بنك السودان.

طيّب، إذا كان تصريح المحافظ يعني أنه كان لمهربي الذهب حق في البحث عن سعر أفضل لإنتاجهم فأين العدل في مطاردتهم وتجريمهم على بيع شيء مملوك لهم ثم أليس في ذلك ظلم فادح أن تحدد سعراً يظلم المنتجين ثم تعاقبهم وربما تصادر ذهبهم إن بحثوا عن سعر مجزٍ لإنتاجهم؟! أليس في ذلك ظلم كبير يزيد من فداحته أنه ظلمات يوم القيامة؟

أما الآن بعد تطبيق السعر المجزي - الأعلى من سعر السوق الموازي المُقدّم من المضاربين - فلا حرج البتة في أن يضيق الخناق على من يهرب الذهب، وفي أن يُعاقب بل ويُصادر إنتاجه، لانه لا يوجد مبرر لفعله غير السعي للإضرار بالاقتصاد الوطني.

هناك نقطة جديرة بالاهتمام، أرجو أن ألفت نظر رئيس الوزراء معتز موسى والمحافظ محمد خير إليها، وقد سمعتُها من رئيس اللجنة الاقتصادية في المجلس الوطني - وزير المالية الأسبق علي محمود، وهو اقتصادي لا يُشق له غبار، وتتلخص في أن هناك أكثر من سبعين مكتباً تابعاً لوزارة المعادن في مناطق التعدين في شتى أنحاء السودان ..أليس الأيسر والأفضل أن يفوض بنك السودان تلك المكاتب القريبة من المنتجين بشراء الذهب حتى ولو بوضع موظفين تابعين للبنك في تلك المكاتب التي تتسلم العوائد الجليلة وغيرها من شركات التعدين؟ لماذا لا يُيسّر لمنتجي الذهب البيع قريباً من مناطق إنتاجهم؟!

نقطة أخرى تحدث عنها محمد خير تتعلق بتحويلات المغتربين، فقد قال إن هناك سياسات تشجيعية للمغتربين تُضاف إلى السعر المجزي، وهي التي أعلن عنها أمين جهاز المغتربين د. كرار التهامي، وقد جُرّبت بنجاح تام خلال فترة ثمانينات القرن الماضي، حين كنا مغتربين في الخليج، فهلا تم التعجيل بتطبيق تلك السياسات مع تطبيق سعر صناع السوق حتى يتناقل المغتربون ذلك، ويُعلن عنه في الوسائط حتى تستعيد الحكومة الثقة التي فقدتها جراء (الخرمجة) التي سادت الأداء الاقتصادي خلال الفترة الماضية؟

أما السوق الجديد الهادف لامتصاص السيولة والشبيه بأوراق شهامة، فليت بنك السوان يتأنى في تطبيقها إلى حين استعادة الثقة في النظام المصرفي وتخفيض نسبة التضخّم، وكذلك للتركيز على إنجاح سياسة تحرير سعر الصرف الجديدة سيما وأنه يحتاج إلى (وسادة) (cushion) من النقد الأجنبي تضخ مبالغ كافية لكبح جماح أي انفلات أو زيادة كبيرة في سعر الصرف يفرضها المضاربون لإفشال السياسة الجديدة.

إن أكثر ما يدعو إلى تأجيل شهادة بريق أهمية بناء الثقة في نجاح السياسات الجديدة التي يفترض أن تُخفّض من معدلات التضخم، إذ لا يمكن إغراء الناس بشراء شهادات بريق أو شهامة في وقت تتناقص فيه قيمة العملة بنسبة تزيد عن (60)% جراء التضخم الذي يفوق الربح المتوقّع لتلك الشهادة مهما بلغت قيمته.

   طباعة 
1 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
6 + 2 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية