بساطة

عرض المادة
بساطة
62 زائر
27-09-2018

يُتيح إليك التنقل بالمواصلات العامة فرصة نادرة من المشاهدة والملاحظة والتقييم ومعرفة ما إذا كنا شعباً متحضراً أم أننا نخوض وفق ما توجهنا الريح.

وهكذا كنت أهتبل تلك الفرص وأنظر داخل الحافلة لأناس مختلفي السحنات والثقافات واللهجات ثم أتبعها بنظرة أخرى عبر النافذة لأولئك السائرين على الاقدام، لا أخفيكم سراً إن قلت لكم أننا شعب في غاية البساطة، تلك البساطة التي تجعل من صاحبها يفعل كل شيء دون مراعاة لمشاعر الآخرين، فبذات البساطة التي يتحدث بها إليك أحدهم دون سابق معرفة سارداً عليك أسراره دون طلب منك، يمكنه ببساطة أن يخرج ذلك الكيس المحشو(بالتمباك) ويبدأ في تدوير تلك المادة داكنة اللون بيده ثم ما يلبث أن يجد لها مكانا بين تجاويف فمه، وهو لا يزال يشرح لك كيف أن هذه الحكومة قد أغلقت عليه باب رزقه ويسمعك دعوة عليها علها تُستجاب.

هذه البساطة التي نتميز بها عن غيرنا تجعلنا نقسم على الغرباء الذين التقيناهم تواً وهم تائهون يبحثون عن منزل لقريب لهم بجوارك أن يرتاحوا قليلاً، وبعد تناول الوجبة التي يصادفونها تتبرع بالوصف أو التوصيل، ثم أن هذه البساطة هي التي تخرج نصف المواطنين من مساكنهم تاركين كؤوس الشاي مع عائلاتهم ليحتسوها على الطرقات من بائعات الشاي الباحثات عن رزقهن.

بذات تلك البساطة لا يتورع أحدهم وهو يرتدي بزة أنيقة من فتح نافذة عربته وإلقاء بقايا طعامه وقارورة المياه و(السفة) على الطريق العام الذي تم تنظيفه للتو، وبكل أريحية وبساطة يغلق نافذة عربته ليواصل رحلته وكأن شيئاً لم يكن.

أليست هذه بساطة إن كان لها توصيف آخر مدوني به رجاء، هذه البساطة التي يتمتع بها أغلب الشعب السوداني تجعلنا كذلك الشعب الوحيد الذي يكتب تحذيراً بخط عريض يمنع التبول على الجدران والطرقات التي يمر بها الناس يومياً من وإلى أماكن عملهم محتملين تلك الروائح المقززة دون أن يبدر منهم ما يوحي بأنهم سيقومون بعمل إيجابي يمنع مثل هذا التصرف العشوائي، فقط يتأففون ثم يواصلون عبورهم.

بساطتنا غريبة الأطوار تجعلنا نعبر الطرقات القذرة والمليئة بطفح المجاري ومياه الأمطار الراكدة بصورة أشبه ببهلوانات السيرك نتقافز من مكان إلى آخر دون أن نفعل شيئاً سوى سب الحكومة التي جاءت بالأمطار ولم تستطع تصريفها، ثم وبذات البساطة نبتاع من الخضروات والفاكهة المفروشة على جوالات الخيش وسط هذه القذارة.

البساطة التي ابتلينا بها تجعلنا نسب بلادنا واليوم الذي ولدنا فيه ونغادرها دون أمل في العودة، ثم ما نلبث أن نستمع للأغاني الحزينة التي تذكرنا ببلدنا وتتساقط دموعنا شوقاً وحباً للسودان، ألم أقل لكم نحن بسيطون لحد بعيد، بسيطون للدرجة التي تجعلنا نصبر على حكم استمر ثلاثين عاماً أصبحنا فيه كفئران التجارب ونصرخ بأننا لا نريد هذا الحكم وهذه الحكومة، لكننا بذات الوقت نتساءل في بلاهة، أين البديل؟. هل هذه بساطة أم لها اسم آخر أكاد أجزم أن نصفكم قد قاله في سره.

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
1 + 4 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية
جديد المواد
جديد المواد
متفرقات - أمنية الفضل
هل تكفي النوايا ؟ - أمنية الفضل
بساطة مرة أخرى - أمنية الفضل
هل من جديد؟. - أمنية الفضل