رجل الدولة

عرض المادة
رجل الدولة
395 زائر
26-09-2018

شهدنا خلال الأيام القليلة الماضية سيلًا من التصريحات الرسمية حول تفشي الحميات الغريبة المثيرة للجدل بولاية كسلا، وهي تصريحات من مسؤولين كبار تراوحت مابين النفي والإثبات ، النفي لوجود حالات وفاة، ونفي وجود إصابات من أصلها، والفضاء المفتوح الذي نعيش تحت سقفه يشف عن كل شيء ويكشف عن ساقيه ، ولايحتاج الناس إلى اجتهاد لرؤية الخلخال والأسورة...الذي يحتاج إلى اجتهاد كبير هي الدولة، الدولة بحاجة إلى تدريب مسؤوليها ليصبحوا رجال دولة بصحيح...

رجل الدولة لابد أن يزن تصريحاته بميزان الذهب، ولايصرح بأي معلومة إلا بعد التأكد من صحتها، ولايتعمد الكذب، لأن عاقبة أمره خسرا. والدولة هي التي تدفع ثمن كذب مسؤوليها، لأن المسؤول عندما يصرح يمثل رأي الدولة ومؤسساتها ولايمثل نفسه، وعندما يكذب ويضلل، هذا يعني أن الدولة هي التي فعلت، وعندما تتقاطع وتتضارب تصريحاتهم، هذا يعني أن الدولة مضطربة ومرتبكة، وأي مسؤول (شايت براهو..)

عندما أستغرقُ في التفكير متأملًا عمق الأزمة السياسية في بلادنا والتي خرجت من رحمها الأزمات الاقتصادية والأمنية والاجتماعية، تتقافز إلى ذهني بلا استئذان قصص وروايات وحكايات لا أجدها إلا في الأفلام والمسلسلات الدرامية التي يسخر فيها الكاتب من الواقع البئيس... وبالطبع تتداعى إلى ذهني حكايات مثل "النصّابة" التي قدِمت إلى البلاد وقدمت نفسها على أساس أنها ملكة جزيرة "ترينداد"، وأنها جاءت لتقف على فرص الاستثمار في السودان، و(طبعاً ما خلت مسؤول ما لاقتو، والجرايد تشيل وتكتب..)، كل ذلك مصحوبًا بالمواكب و"السارينات"، وما أنْ غادرت "الملكة" الضيفة بلادنا اكتشفنا أنها لم تكن سوى نصابة... ومثل هذه "الحكاية" تقتحم خلوتي ألف حكاية وحكاية، من ذلك تلك القصة المضحكة المبكية المخجلة حكاية الرجل المصاب بمرض نفسي وهرب من المصحة بالخرطوم واستقر في سنار وقدم نفسه لحكومتها على أنه مستثمر وطني يريد الاطلاع على فرص الاستثمار في الولاية، وكذلك حكاية وفد التجارالأمريكيين الذي قدم نفسه على أساس أنه وفد دبلوماسي يزور السودان في مهمة رسمية، وقابل عدداً من كبار المسؤولين بالدولة والبرلمان، وهكذا يتم التعامل الرسمي ببساطة وتلقائية كما نستقبل الضيوف العاديين في بيوتنا...

طبعاً هذه نماذج بسيطة جداً من حكايات كثيرة مذهلة ومضحكة... وفي كل تلك الحكايات قابلت الدولة هذه الحالات ضاحكة مستبشرة، وكأنها قد ملكت الدنيا (مبسوطة أوي)، وهي تتعامل مع هذه "الأفلام" بمنتهى العشوائية، تحتفي وتحتفل بكل القادمين من وراء البحار حتى لو كانوا "نصابين" لا يهُم ، المُهم أن قدومهم قد كسر الحصار والعزلة الدولية المفروضة علينا...

نموذج آخر أرى فيه مُعضلة تُجسّد بعض ملامح أزمتنا السياسية، وهو الخلط الكبير بين السلوك الشخصي، والسلوك الرسمي الذي يجب أن يمارسه رجل الدولة في تعامله مع الآخرين حال كونه رجل دولة يتكلم بانضباط، ويمشي بانضباط ، ويجعل الانضباط عنواناً لكل تصرفاته وممارساته، بعكس رجل الشارع العادي مثلنا...

نبضة أخيرة:

ضع نفسك دائمًا في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
5 + 5 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية
جديد المواد
جديد المواد
مرحبا بالخدّاعين - أحمد يوسف التاي
النخب - أحمد يوسف التاي
الغبن المكتوم - أحمد يوسف التاي
إعلام العمل الطوعي - أحمد يوسف التاي
حالة توهان - أحمد يوسف التاي