يا حمدوك.. يا رفدوك..!!!

عرض المادة
يا حمدوك.. يا رفدوك..!!!
429 زائر
17-09-2018

الخميس الأسود يعرفه كل الذين كانوا يعملون في دواوين الحكومة خاصة في عهد الرئيس المرحوم جعفر نميري، حيث يقال إن الرئيس نميري كان يُعلن إقالة الشخصيات المهمة من الإذاعة في منتصف نهار الخميس وتحديداً فيما بين الساعة العاشرة صباحاً والساعة الثانية عشرة منتصف النهار.. وعندما يعلم "المرفود" أنه قد تم فصله من العمل في الساعة العاشرة مثلاً، فإنه يحتاج إلى ساعتين لكي يتمكن من استيعاب "الصدمة" القاسية والضربة القاضية، ويظل مشتت الفكر والرأي وربما يصيبه الصداع النصفي حتى منتصف النهار.. والمسؤول الذي يتم إعلان فصله يوم الخميس الأسود على أيامنا هذه وعندما يستوعب المشكلة بعد ساعتين، يجد أن كل الناس قد بدأوا يتجهون نحو منازلهم وقراهم خاصة أولاد الجزيرة وشندي، وقد يجد من يواسيه وينصحه بالخروج من المؤسسة والذهاب إلى منزله، ويقوم الرجل وهو يجرجر رجليه ويذهب ليقع على السرير دون كلام ودون حراك حتى تطلب منه زوجته أن يتناول طعام الغداء فيرفض أن يتغدى، ويبدأ في اللوم وكيل الشتائم للمسؤول الذي أوصى بفصله أو الوكيل الذي قام باستخراج الأوراق.

وبحلول المساء يحاول "المرفود" أن يفكر في أفضل الأماكن التي يمكن أن يذهب إليها ويشكو فيها لأصدقائه ومعارفه و"يلوم" ناس الحكومة على نكران الجميل وعلى عدم تقييم المسؤولين الكبار جداً للمجهودات التي بذلها في إقامة ذلك الصرح الضخم وللإنجازات التي يشهد عليها أهل الداخل والخارج. ويذهب إلى أصدقائه القدامى الذين كانوا قد "رُفِدوا" قبله ويجد فيهم الآذان الصاغية ويذكرونه بقولهم "نحن ما قلنا ليك استقيل.. والناس ديل ما ترقد ليهم في أمان"، وفي دخيلة أنفسهم تجدهم سعداء جداً لأنه شرب من نفس الكأس التي شربوا منها، وجاء دوره في "المرمطة" و"خم الرماد" و"سعاية الأمجاد"، وبالطبع تجدهم يضحكون على "الرجفة" التي تصيبه و"الكبكبة" التي تلازمه طيلة يوم الخميس الأسود والأسبوع الذي يليه..

ويحاول "المرافيد" القدامى أن يهونوا عليه الأمر بأن يساهموا معه في "شتيمة" وسب ناس الحكومة، وكل "جماعتها" ويصفونهم بأنهم "ما عندهم عشرة ونكارين جميل" ويظلون يسبون "سنسفيل" أبو الحكومة إلى أن ينتصف الليل ويصبح عليه يوم الجمعة فيقوم من النوم مبكراً ويصلي الصبح "حاضر"، ويتوافد عليه الأهل والأقارب وهم يتظاهرون بأنهم يريدون مواساته، وفي الحقيقة معظمهم كلهم شامتون عليه وضاحكين منه، وتملأ صدورهم الغبطة وهم يرونه مواطناً عادياً يلبس الطاقية والجلابية والسفنجة ويحوم بلا هدف بعد أن كان في السابق دائماً "متظبط" بالبدلة والكرفتة..

وقد يقوم واحد من أهله بإحضار خروف ويذبحه أمام الدار حتى لا يشمت عليهم الآخرون من الجيران، وناس القبيلة المناوئة ويدعي القريب أن هذه كرامة لله لأن "وزيرنا" الحمد لله "مرق بالسلامة". وفي نهاية يوم الجمعة يكون الرجل قد أًنهك تماماً من كثرة "المعزين" و"المواسين" و"المتشامتين" وينام ليله يحلم بنفس كوابيس الخميس الأسود.. ليصحو يوم السبت ويصلي الصبح بعد شروق الشمس قائلاً في نفسه "أنا امبارح صليت الصبح حاضر، وما حصل حاجة يعني الليلة حيحصل شنو؟" ولأن السبت "برضو" إجازة والحركة فيه ضعيفة، فإن الزوار ينقطعون عنه مثلما ينقطع عنه الأهل والأصدقاء وكل الجماعة الذين كانوا يتصلون به على تلفونه السيار طالبين منه قضاء الحاجات وترتيب الأمور.. ويمر يوم السبت ثقيلاً جداً إلى أن يصبح عليه يوم الأحد فيجد نفسه وهو يقول.. يا حمدوك.. يا رفدوك..!

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
4 + 5 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية
جديد المواد
جديد المواد
دَهْ حَرامْ !! - د. عبد الماجد عبد القادر
غيِّروا المستشار !! - د. عبد الماجد عبد القادر
نقول شنو !! - د. عبد الماجد عبد القادر
جدنا مدفون هنا !! - د. عبد الماجد عبد القادر
تاني.. سيولة ما في ليه؟!! - د. عبد الماجد عبد القادر