الشيخ الدكتور عبد الحي يوسف في إطلالة استثنائية عبر الصيحة (2-2):

عرض المادة
الشيخ الدكتور عبد الحي يوسف في إطلالة استثنائية عبر الصيحة (2-2):
تاريخ الخبر 13-09-2018 | عدد الزوار 708

الإسلام ضاع بين شيوخ (جامدين) وشباب (جاهلين)

الإعلام هو جهاد العصر وبدأنا مسجد خاتم المرسلين بغرفة من الطين

تأثرت بتواضع (الحبر نور الدائم) الجم وأخلاقه الدمثة

الوسطية شعار مظلوم، يدعيه من يريد تمييع الدين

هذه هي مهددات الدعوة الإسلامية في عصرنا الحاضر

ألعب (الكرة) مع أبنائي في حوش المنزل ولا علاقة لي بالمطبخ

علاقتي بالزوجات والأولاد يسودها – غالباً - الود والألفة

حوار: رمضان محجوب

على مدى شهر وجهود ناشر الصيحة في إقناع الشيخ الدكتور عبد الحي يوسف للجلوس إلى الصيحة متحاوراً تبذل ولم تنثن، حتى استجاب فضيلته مشكوراً .. وأجاب على أسئلة الصحيفة المختلفة دونما تردد منه، ففضيلة الشيخ الدكتور عبد الحي يوسف هو نائب لرئيس هيئة علماء السودان، وإمام وخطيب مسجد خاتم المرسلين بجبرة، ووهو كذلك الداعية المشهور داخل وخارج السودان.. جلسنا إليه لنجري معه حواراً خفيفاً غير تقليدي فاستجاب مشكوراً رغم أنه كما أخبرنا لا يجري حوارات مع الصحف، والحوار مع تتعدد مداخله لما يتمتع به الرجل من رصيد (موسوعي)، إلا أننا ركزنا فيه على محطات حياة فضيلته، فاحتوى على كثير من المعلومات الطريفة التي ربما يسمع بها الكثيرون لأول مرة، مثل مولده بالقاهرة ودراسته المرحلة المتوسطة بالمدرسة الإنجيلية، والمرحلة الثانوية بالكلية القبطية.. إلى غيرها من الإفادات التي تأخذ تميزها من تميز فضيلة الشيخ عبد الحي.. إلى تفاصيل الحوار.

*حدثنا عن قصة تأسيس ومسيرة (شبكة المشكاة الإسلامية)؟

- قد توفر على إنشائها مجموعة من كرام رجال الأعمال والدعاة إلى الله تعالى؛ وكان أولهم أخا الصدق والوفاء محمد الحبيب أحمد الطيب – رحمه الله وغفر له وأجزل له المثوبة مع ثلة آخرين كأخينا المهندس مالك علي دنقلا وأخينا الدكتور أحمد البدوي - حين رأوا أن المساحة المتاحة للدعوة في السودان لا يكاد يماثلها واقع آخر في بلد ما، والأجهزة الرسمية والشعبية الموجودة – مهما بلغت قدراتها – لا تستطيع تغطية تلك المساحة، ولذلك قامت المنظمة – ومن أدواتها الشبكة – بالعمل على إقامة الدورات المتخصصة، وتسيير القوافل الدعوية إلى أرجاء السودان المختلفة، وكذلك توزيع الكتب والمطويات، وكان لها جهد مشكور في محاربة التشيع الذي ذَرَّ بقرنه في وقت ما، وكان بعض الناس يهوِّن من شأنه، فاستهدفت المنظمة النخب المثقفة بتوزيع موسوعة (التشيع) للدكتور السالوس، وكذلك عملت على ترقية أداء الأئمة والخطباء، وللمنظمة جهد مشكور في إقامة الدورات النسائية والأنشطة الطلابية.

ومن أعظم مشروعاتها استضافة مشاهير الدعاة والأئمة الذين جعل الله لهم قبولاً، وأيامهم التي يزورون فيها السودان تعتبر مهرجانات دعوية في المساجد والمدارس والجامعات وغيرها.

ومن باب إحقاق الحق أقول: إن هذه المشكاة ورصيفاتها – كقناة طيبة وباقة قنوات إفريقيا – قد قاد دفتها وعانى لأواها الأخ المهندس ماهر سالم، وهو شاب يتوقد ذكاء وحيوية وحباً للدعوة وأهلها، وقد تعلمت منه – على حداثة سنه – التعاون مع الناس على خصال الخير وقبولهم على علاتهم إلى غير ذلك مما فتح الله به عليه.

* وماذا عن شبكة قنوات طيبة وإذاعاتها؟

- الإعلام هو جهاد العصر، ويحصل به من النفع – لو أحسن الناس توجيهه – ما لا يحصل بغيره من وسائل التعليم؛ ومن هنا جاءت فكرة الإذاعة ثم القناة، وكلتاهما اعتمدت أسلوب الدعوة المباشر بنشر التلاوات والخطب والدروس والمواعظ والبرامج الحوارية، ثم اتسع فقه القائمين عليها وأخذوا ببعض الرخص فأدخلوا الدف والمؤثرات الصوتية ثم الدراما والفكاهة؛ بعدما علموا يقيناً – وبمشورة أهل الاختصاص - أن المشهد التمثيلي يفعل ما لا تفعل مئات الخطب.

*حدثنا عن تأسيسك للقنوات الإفريقية؟

- هذه القنوات قامت بجهد مشترك بين إخوة كرام من السعودية والسودان لمخاطبة أبناء القارة السمراء بلغاتهم، فافتتحت أربع قنوات بالأمهرية والسواحيلية والهوساوية والصومالية، ثم أكرمنا الله بباقة قنوات إفريقيا الجديدة والتي سارت أخيراً على درب قناة طيبة في الانفتاح على الناس بإدخال المرأة والمؤثرات الصوتية، ولنا أمل في الله تعالى أن يعيننا على مخاطبة إخواننا في القارة الإفريقية بأربعين لغة مختلفة.

*وماذا عن مسجد خاتم المرسلين؟

- بدأناه بغرفة من الطين، ثم بني على مساحة 18 x 20 وقد قام بذلك العم الأمين البشير، ولم تمض سوى شهور حتى ضاق بالمصلين، فحصلت له توسعة من أخينا الدكتور أحمد البدوي جزاه الله خيراً، وهو مالك ومدير مصنع أميفارما للأدوية، ثم لما ضاق بالمصلين، كانت التوسعة الأكبر على يد أخينا الدكتور حسن سكوتة بارك الله له في ماله وأهله وولده، والحمد لله من يومه الأول حين كان طيناً – وإلى يوم الناس هذا - تقام فيه الدروس والمحاضرات.

ولا بد أن أنوه ها هنا – تحدثاً بنعمة الله وإحقاقاً للحق – أن الدولة القائمة في السودان ترعى النشاط الدعوي وتسهل له كثيراً من الصعوبات، بل أقول: إن الأخ الرئيس عمر البشير له اهتمام فائق بقضايا الدعوة، وما زال داعماً لكل مشروع يُرجى نفعه للإسلام وأهله، جزاه الله خيراً وأصلح له البطانة وختم له بالحسنى.

*لننتقل إلى جانب آخر من حياتك حدِّثنا فضيلتك عن الأسرة .. الأولاد والبنات؟

- قد أكرمني الله تعالى بذرية طيبة فيها بنون وحفدة، حيث تزوجت في عمر مبكر نسبياً، فكنت ابن خمس وعشرين سنة، وعلاقتي والحمد لله بالزوجات والأولاد يسودها – غالباً - الود والألفة، وحين سمعت مرة من يقول لأحد الأبناء: كيف تصنع ذلك وأنت ابن الشيخ؟ قلت لذلك الناصح: دعه يعيش كما يعيش الناس ويتعلم من أخطائه، ولا تجعله يشعر بتلك القيود التي ما كانت علينا ونحن في مثل سنه.

*كيف هي علاقة الشيخ بالرياضة؟

- لي والحمد لله حصة يومية أمارس فيها رياضة المشي أو الركض، خاصة إذا كنت خارج السودان؛ حيث الفرصة أكبر، وأحياناً ألعب الكرة مع الأبناء في حوش المنزل، أما في يوم الجمعة فلنا حصة رياضية بديعة عجيبة، فيها الرياضة النفسية بالفكاهة والطرفة وفيها الرياضة الجسدية العلمية، وذلك في حديقة منزل البروفسيور عبد اللطيف عشميق، ويؤمها نفر كرام من الأساتذة والأطباء، يقودهم النطاسي الماهر والمربي الفاضل بروفسور حسن أبو عائشة.

*علاقة الشيخ بالمطبخ في البيت؟

- لا علاقة لي بالمطبخ، وحين حاولت – يوماً ما – كاد يحصل حريق لولا لطف الله، والحمد لله آكل ما يُقدَّم لي رطباً كان أو يابسا سوى أصناف يسيرة، وشعاري هو:

الجوعُ يُطرَدُ بالرغيفِ اليابسِ. فعلامَ تَكْثرُ حسرتي ووساوسي.

*أساتذة وشيوخ في مسيرة الشيخ عبد الحي يوسف؟

- في المرحلة المتوسطة الأستاذ فتحي محمد، وكان يدرِّسنا الرياضيات، وكان مثالاً للخلق الرفيع والأدب الجم والإتقان المذهل، وفي الثانوية الأستاذ ظريف لوس – وهو نصراني - وكان يدرِّسنا اللغة الإنجليزية وهو مثال للانضباط في المواعيد والتجويد في الأداء مع حسن العلاقة مع الطلبة، أما في الجامعة فالأصولي العالم الورع الفاضل الدكتور علي مصطفى رمضان رحمه الله وغفر له ونوَّر ضريحه، ما تأخر عن محاضرة قط، ولا جلس في محاضرة قط، وكان يعيد الشرح مرتين وثلاثاً إذا شعر أن كلامه لم يُفهم، وكذلك الشيخ المربي بحاله قبل مقاله الدكتور محمد المختار الشنقيطي، ومن السودانيين الذين كانت لهم قدم صدق في الجامعة الإسلامية الدكتور مبارك محمد أحمد رحمة والدكتور علي أحمد بابكر، وكذلك الدكتور أحمد علي الأزرق والدكتور عبد العزيز محمد عثمان رحمة الله عليهما. وفي مرحلة الدراسات العليا تتلمذت على أستاذي الدكتور الحبر يوسف نور الدائم، وقد تأثرت بتواضعه الجم وأخلاقه الدمثة ومحبته الخير للناس جميعاً، وممن أكرمني الله بصحبتهم حيناً من الدهر شيخنا العلامة الدكتور سلمان العودة في صفاء ذهنه وطيبة قلبه وسلاسة أسلوبه مع عميق فكره، وكنت حريصاً على زيارته والجلوس معه الساعات الطوال كلما وفدت إلى الرياض، أو زارنا في السودان.

وأما شيخنا العلامة الشيخ محمد الحسن الددو فهو نسيج وحده وفريد دهره في إحاطته بفقه الواقع مع حدة حافظته وسعة علمه ورحابة صدره؛ حتى ما أراه كدِراً قط ولا غاضباً قط، ولا يضيق صدره بسؤال سائل مع رقة قلب وعظيم تواضع في كرم وجود لا يبارى، واهتمام بقضايا المسلمين في كل مكان، ومعرفة بالدعاة في المشارق والمغارب.

*برأيك ما هي مهددات الدعوة الإسلامية في عصرنا الحاضر؟

- أولاً: الغلو الحاصل من بعض شباب الأمة وشيوخها؛ حين يحصرون الحق في قول جماعة معينة من شيوخهم ويحسبون أقوالها الحقَّ الذي لا شك فيه، وكذلك مسارعة بعضهم إلى التبديع والتكفير بأدنى شبهة.

ثانياً: التعصب الحزبي الواقع من بعض المنتمين إلى بعض الجماعات الدعوية العاملة في الساحة؛ مما يؤدي إلى تفتيت الجهود وإساءة الظن بالآخرين.

ثالثاً: موجة الإلحاد التي تغذيها جهات معادية للإسلام وتنتشر بين الشباب انتشار النار في الهشيم.

رابعاً: تبديل الدين الحاصل من بعض المنتسبين إليه بل من بعض من يشار إليه بالعلم؛ حيث أنكروا ما هو من بدهيات الدين كالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكانوا ردءاً لدعاة العلمنة.

خامساً: فئة مُغذَّاة من أجهزة مخابراتية عالمية لا همَّ لها إلا الطعن في الدعاة إلى الله في كل بلد وإلصاق التهم بهم وتنفير الناس منهم وتجرئة الأحداث عليهم، وقد تجترئ على سفك دماء المخالفين كما هو حادث منهم في اليمن وليبيا، فهم بغاة ظالمون، ولسان حالهم قول الجاهلي عمرو بن كلثوم التغلبي:

بغاة ظالمين وما ظُلِمْنا ولكنا سنبقى ظالمينا

* ما هو رأيك في الوسطية؟

- الوسطية شعار مظلوم، حيث صار يدعيه من يريد تمييع الدين، ووسم الملتزمين به مظهراً وسلوكاً بأنهم غلاة متطرفون، وما زلت أذكر أن بعض اللصوص المتغلبة ممن حكموا بعض بلاد المسلمين، وهو من المبدِّلين لشرع الله المغيِّبين لأحكام الله، لما سئل عن حاله مع الدين قال: أنا مسلم معتدل جداً.. وبعيداً عن هؤلاء فالوسطية مبدأ إسلامي نطقت به نصوص القرآن والسنة، وسطية في المعتقد بين الغلاة والجفاة وكذلك وسطية بين عبودية الإنسان المطلقة لله، ومقام الإنسان الكريم في الكون، ووسطية في مجال العبادة والتحليل والتحريم، ووسطية في المجالات المادية والروحية، ووسطية في الأخلاق بين المثالية الخيالية والواقعية المتزمتة، وكذلك المسلم وسط في الفكر لا يجمد على ما علم ولا يتبع كل ناعق

*كيف هي علاقتك بالجماعات الإسلامية والمجموعات الدعوية؟

-علاقة جيدة والحمد لله في الجملة؛ حيث أحرص على التواصل معهم جميعاً، ولا أكاشح منهم أحداً، بل أعتقد أنهم جميعاً إخوة لي يسعنا ما وسع أسلافنا من الاختلاف مع بقاء آصرة الأخوة ورابطة الدين، وأحرص على الاستجابة لدعوة من دعاني، ومن آخر ذلك حين دعيت إلى التعليق على ورقة قدمها الإمام الصادق المهدي في ندوة جماهيرية، فكتبت ما أريد قوله وبعثت به إليهم لأني كنت على جناح سفر، وقد تلي مكتوبي على الناس وحصل التعليق عليه، وكذلك لي صداقات مع القيادات في كافة المكوِّنات الدعوية، مع حرصي – غالباً - على تعزيتهم في أتراحهم وتهنئتهم في أفراحهم وفيما يتعلق بإخواننا المتصوفة – بوجه عام – فاني أستجيب لدعوتهم وأحرص على إلقاء المحاضرات والمواعظ في مساجدهم – خاصة عند زيارتي للولايات – وألتقي بشيوخهم، وأجد منهم كل تقدير، بل إنني أدعوهم متى ما عرض أمر يحتاج إلى مشورة وتعاون، وقد كان لكثير منهم قدم صدق في التصدي لموجة نشر التشيع، وكذلك حين أسيء لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما زلت على قناعة بأن الهجمة الموجهة للإسلام وأهله لا بد في مواجهتها من تكاتف الجهود وتآلف القلوب.

* ما رأيك فيما نسب إلى رئيس وزراء ماليزيا مهاتير محمد من تصريحات حول سبل النهضة بأمة الإسلام؟

- كلامه صحيح في الجملة، فالإسلام قد ضاع بين شيوخ جامدين وشباب جاهلين، وقد صور ذلك أحد العلماء الكبار وهو الشيخ محمد سالم عدود رحمه الله تعالى فقال:

شكا دين الهدى مما دهاه بأيدي جامدينا وملحـــــدينا

شباب يحسِبون الدين جهلاً وشيب يحسِبون الجهل ديناً

وقال آخر:

أشكو إلى الرحمن من دهر غدا قد قلَّ من تلقاه فيه على هـــــــدى

فذوو الهداية لا ثقافة عندهم وذوو الثقافة ناكبون عن الهدى

وقد كان في شيوخ الدين – كما ذكر الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله تعالى في بعض مؤلفاته - من حرَّموا استعمال الميكرفون وزعموا أن (فون) شيطان وهذا من مكره!! فصار (مكرفون) ومنهم من حرم استعمال (الراديو) وكان إلى عهد قريب - بل لا يزال فيهم - من يفتي بحرمة التصوير الفوتوغرافي، وكان منهم من يحرم قيادة المرأة للسيارات!! وفي شيوخ الشام من حرم السيارات عموماً، وهكذا.. فلو أن كل فريق اقتصر على ما يحسن وترك ما سوى ذلك لأهله لكان خيراً لنا جميعاً.

* ماذا أنت قائل في ختام هذا الحوار ؟

- أشكر للصيحة هذه المبادرة الكريمة، وقد استجبت لدعوتها تقديراً لدورها العملاق في إثراء الحياة الثقافية في بلدنا، وتوقيراً لشخص أخي الكريم الأستاذ الطيب مصطفى جزاه الله خيراً.

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
3 + 1 = أدخل الكود