المعرفة قدر الحاجة!!

عرض المادة
المعرفة قدر الحاجة!!
134 زائر
12-07-2018

العاملون في الأجهزة الأمنية المختلفة سواء أكانت جيشاً أو بوليساً أو أمنًا وطنيًا لديهم شعار وعرف كاد أن يكون قانوناً.... فهم دائماً يقولون "المعرفة قدر الحاجة" بمعنى أنه ليس من المستحسن أو المرغوب فيه أن تعطي شخصاً معلومات أكثر من اللازم فربما تكون هذه المعلومات الإضافية ذات تأثير سالب على أدائه... مثلاً إذا أراد أحد الضباط من أحد العساكر أن يحرس مكاناً به شخصيات هامة جداً... فيكفي فقط أن يقول له أن عليه أن يقف أمام الباب من الخارج ويمنع الآخرين من الدخول ولكن ليس من الضروري أن يعرف العسكري أن الشخص الذي بالداخل هو فلان أو علان فربما تجعل هذه المعلومة أن يعرف العسكري أن من بالداخل عمه شقيق والده.. أو هو الشخص الذي قتل خاله قبل عامين وكل هذا له من التأثيرات السالبة ما له... ولعلنا نضطر لإعادة حكاية الرجل الذي اشتكى أن شيخ الحلة قد ظلمه وأخذ أرضه وحاول إدخال الوساطات ولكنه لم ينجح في الحصول على شيء مما اضطره إلى أن يستعين بأحد المحامين ليكتب له عريضة طويلة جداً ويشتكي الشيخ... وعندما قرأ المحامي عريضة الدعوى على الرجل صار يبكي ويبكي وينتحب وقال إنه لم يكن يعرف أنه مظلوم بهذه الدرجة وأنه قد قرر أن يقتل الشيخ بدلاً من أن يشتكيه.. ويحدث هذا لأنه عرف أكثر من حاجته. وعادة ما تأتينا الصحف بأخبار صغيرة فى الحجم ومزعجة فى التفسير لتقول مثلاً "إنخفاض معدل التضخم إلى 23%" أو ارتفاع التضخم الى 46%..

وبالطبع أي بني آدم عاقل و واعٍ.. سوف يكون قد فكر ألف مرة في الأسباب التي جعلت الجهة المعنية "تخوِّف" المواطنين وترعبهم.. وترهبهم بالإعلان عن معدل التضخم.. ثم إن الجهة المعنية يبدو وكأنها تقول للمواطنين "خُمُّوا وصُرُّوا فإن معدل التضخم الآن ثلاثة وعشرون في المائة" دون أن تعطيهم المبرر أو الأسباب أو ضرورة أن يعرفوا المعلومة.

والكثيرون... بل معظم الناس بل كل الناس من غير الفقهاء الاقتصاديين لا يعرفون ما هو التضخم Inflation ولا ما هو معدل زيادة التضخم Rate of Inflation وماذا تعني زيادته أو نقصانه ولا يهمهم كثيراً، ومن المؤكد أن معدل التضخم "كما نعلم" ليس هو التعبير المباشر عن ارتفاع سعر السلع وإن كان في جزئياته يحوي مؤشراً لهذه الزيادة... ومعدل التضخم رقم معياري يستعمله الاقتصاديون والمحللون "الكبار جداً" ولا يحتاج له المواطن العادي ولا يعرف كيف يتعامل مع القيم المعيارية والمعاني والمفاهيم المشتقة من زيادة هذا المعدل...

طيب يا جماعة لماذا لا تقوم الجهة المعنية بمخاطبة من يهمه الأمر من المسئولين إن كان ذلك ضرورياً بخطاب بسيط وقصير جداً في شكل نشرة يومية أو أسبوعية أو حتى شهرية تخطرهم فيها بمعدل الزيادة في التضخم والتي كما قلنا إنها تهم المتخصصين والمحللين وليست هي زيادة للأسعار بأي حال من الأحوال... يعني بعربي جوبا الذي يعرفه أي جنوبي فإن زيادة وإنخفاض معدل التضخم إلى 23% لا تعني أن السكر زاد أو نقص بنسبة 23% ولا تعني أن الزيت والبترول والفول والشاي والملح واللبن والرغيف قد زادت بنسبة ثلاثة وعشرين في المائة. فالزيادة في معدل السعر شيء والزيادة في معدل التضخم "حاجة تانية خالص" وهي قيمة معيارية... والكثيرون طبعاً لا يعرفون معنى "معيارية" ولا مجال هنا لشرح هذا المصطلح العلمي ويبقى أن نقول إن جهة الإختصاص ما كان يجدر بها أن تدخل الهلع والذعر فينا كمواطنين لا نحتاج كثيرًا إلى معرفة "مالا يجب معرفته" وكان عليها أن تتعامل معنا في ضوء مفهوم المعرفة قدر الحاجة need to know .. أما أن نعرف أكثر مما يجب فهذا قد يقود "الواحد" إلى أن يعتقد أنه مظلوم أكثر مما يجب مثله مثل صاحب العريضة وبدلاً من أن يشتكي "الشيخ" قد يفكر في وقفة احتجاجية... أو على أحسن الفروض يفكر في أن يطلع في مظاهرة صاخبة ولا اعتقد أن الجهات المختصة لهم مصلحة في أن يطلع الناس مظاهرة..

ولو كنت في مكان الجهة المعنية لأعلنت قائلاً "أن الأسعار مستقرة ونمطية وكلاسيكية على الرغم من أن معدل التضخم يتراوح بين 23%-24% علماً بأن معدلات التضخم لا تعني حجم الزيادة في الأٍسعار وإنما هي مؤشر معياري يختص بالتحليل الإقتصادي لحزمة مكونات مجموعة الأغذية والمشروبات... وهو الأمر الذي يتطلبه التماهي مع المتطلبات القياسية المعيارية للمؤسسات الدولية"... طبعاً انتو مافاهمين حاجة وأنا ذاتى معاكم....

   طباعة 
1 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
4 + 7 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية
جديد المواد
جديد المواد
كلامي جاكم ؟!! - د. عبد الماجد عبد القادر
كدوس فيهو قشة !!؟ - د. عبد الماجد عبد القادر
سنتر الخرطوم... جنريترات بالكوم..!!!؟ - د. عبد الماجد عبد القادر
النسوان شالن القروش - د. عبد الماجد عبد القادر
الزول في الزي القومي !!! - د. عبد الماجد عبد القادر