30 يونيو (الإنقاذ)... البحث عن ضوء في آخر النفق ما بين البيان الأول والواقع تباينات جبّتها التجربة

عرض المادة
30 يونيو (الإنقاذ)... البحث عن ضوء في آخر النفق ما بين البيان الأول والواقع تباينات جبّتها التجربة
تاريخ الخبر 01-07-2018 | عدد الزوار 187

إنجازات قهرتها المستجدات وعقبات ظرفية تمردت على الحل

المشروع الحضاري هل ابتلعه فقه الضرورة؟

المشاركة السياسية الفاعلة تواجه مطبات قانونية وإجرائية

الخرطوم: أحمد طه صديق

ما إن توقفت المارشات العسكرية حتى بدأت حكومة الإنقاذ خاصة في ولاية الخرطوم حملات على الأسواق والمخابز، فأغلقت بعضها وصادرت بعض السيارات بفرمان الثورة الملتهب التي شكل دخانها الكثيف غطاء لذلك الحراك وسط التعبئة المدعومة بأشواق المواطنين المتطلعين لحركة الإصلاح والتحول السريع، فلم يكن معظم العامة يهمهم ضحايا عجلة الثورة التي يسقطون تحتها، طالما كان ذلك قرباناً لأحلام طال غيابها في الحياة الكريمة المستقرة ، لكن لاحقاً قال العقيد يوسف عبد الفتاح عندما سألته عبر حوار صحفي بعد سنوات طويلة من الحدث، قال إن طبيعة المرحلة اقتضت ذلك، فقد كانت البلاد تواجه أزمات في البنزين والدقيق بعد أن ورثت وضعاً صعباً من الحكومة الحزبية التعددية، بيد أنه أكد أن القرارات كانت للتخويف وأن كل السيارات تم إرجاعها لأصحابها وأن تصديق الأفران المتوقفة عاد إليها، إذن كانت تلك المراجعات الهادئة للأحكام الثورية بداية التحول لحركة الإنقاذ من الطابع الراديكالي إلى مرحلة الشرعية الدستورية، وهي مرحلة بالطبع لازمة وضرورية، لكن تلك العودة بدل أن تركن إلى ديناميكية التغيير المتكئ على مكنيزم الإصلاح المدروس والإستراتيجي، استراحت في ميس رخو تداخلت فيه التقاطعات المتعددة والأفكار التي سجنت في قوالب ضيقة أسيرة الظرف المتغير، الذي صعّب من المهام في ظل تحديات داخلية وخارجية ضاغطة مما جعل الموازنة صعبة بين تحقيق المشروع الأساس للثورة المتكئ على مرجعية الإسلام وبين تحديات الواقع المتجدد، لكن كيف كان الحصاد بعد ثمانية وعشرين عاماً خلت؟

كوامن الأزمة

ربما من السهل أن يقيس أي مراقب بل رجل التريسو العادي ثيرموميتر حصاد الإنقاذ بالنظر إلى بيانها الأول الذي أشار إلى التدهور الاقتصادي وخراب المؤسسات العامة وانهيار الخدمات الصحية والتعليمية وتعطل الإنتاج وعجز البلاد عن أن تتحول إلى سلة غذاء العالم حيث باتت تستجدي غذاءها ضرورياتها من خارج الحدود، كما أشار البيان تمدد الفساد في كل مرافق الدولة واستشراء التهريب والسوق الأسود كذلك تعرض البيان إلى قرارات التشريد تحت مظلة الصالح العام الذي أدى الى انهيار الخدمة المدنية مما أدى للولاء الحزبي والمحسوبية والفساد إلى تقديم الفاشلين في قيادة الخدمة المدنية وإفساد العمل الإداري فضاعت على أيديهم هيبة الحكم وسلطات الدولة ومصالح القطاع العام ، تلك أبرز ملامح البيان الأول لحركة الثلاثين من يونيو 1989 فما هو الحال الآن؟

لا شك أن حكومة الإنقاذ بجلبابها الجديد واجهتها العديد من الأزمات الاقتصادية والأمنية المتمثلة في نمو الحركات المتمردة وإشكالات التآكل السلبي في البنية التحتية والقيمية والتعليمية ومشكلات التنمية الضرورية بالإضافة إلى التمدد الكبير في الجسم الحكومي الاتحادي والولائي وما ترتب عليه من صرف متزايد علاوة على التجاوزات الكبيرة والمتصاعدة في المال العام، فهناك الموازنات السياسية والقبلية والولاء والكفاءة والسبق والاستمرارية في المناصب، فكلها عوامل قد تتداخل وقد تنفرد بعضها أحياناً، ولكن هل يضع الوزراء خططا وخارطة طريق لتسيير وزاراتهم خاصة أن معظمهم يتولون مهاماً بعيدة عن تخصصاتهم، وإذا كانت هناك خطط هل هناك متابعة؟ أم إنهم تركوا الأمر لمستجدات التجربة العملية بحيث يكون لكل حادث حديث؟

فعلى الصعيد الاقتصادي تراجع الجنيه السوداني بمقابل الدولار والعملات الحرة بفعل تراجع الصادر بسبب ضعف الإنتاج الزراعي والصناعي والمعوقات العديدة التي تصاحبه من ارتفاع في مدخلاته من رسوم وجمارك وضرائب وعثرات إدارية عديدة، كما تراجعت المشاريع التنموية بذات السبب، وقلت شهية المستثمريين الأجانب للاستثمار في البلاد نسبة للوضع الاقتصادي الراهن فضلاً عن المطبات التي تواجههم من إجراءات بيروقراطية وإشكالات مع أهالي المناطق المستثمرة بسبب حيازات الأراضي وصعوبات تحويل العائد لبلدانهم. كما ازدادت الاعتداءات على المال العام بحسب تقارير المراجع العام، وبالتالي زيادة الفساد المالي والإداري، وغياب المحاسبة الفاعلة حتى الآن بالنظر إلى تلك التجاوزات التي شملت قروضاً خارجية أشار المراجع العام أنه لم يجد أوجهاً لصرفها.

إنجازات تحققت

ولا شك أن هناك إنجازات تمت في عهد الإنقاذ مثل شبكة الطرق التي تربط بين الولايات أو الطرق الداخلية فيها بالإضافة إلى التوسع في التعليم الأساس والثانوي والجامعي رغم السلبيات التي واجهته من بنية تحتية وإشكالات في المناهج وتدريب غير كافٍ للمعلمين.

بالإضافة إلى التنمية في مشروعات التنقيب عن البترول والذهب ، غير أن العائد حتى الآن لم يتم توظيفه كما هو منشود، فهو لم ينعكس على مشروعات الزراعة عصب التنمية الأساس في بلد زرعاي ناهض مثل السودان .

البعد السياسي

خاضت حكومة الإنقاذ انتخابات برلمانية في العام 2010 و2015 واعترفت المفوضية بحدوث أخطاء وقالت المفوضية في بيان لها بعد الانتخابات الأولى إن أخطاء فنية وقعت خلال توزيع بطاقات الاقتراع على المراكز الاقتراعية المنتشرة في أنحاء البلاد. وأشارت في بيانها الذي تلاه مستشارها الإعلامى آنذاك إلى وقوع تجاوزات في ستة وعشرين مركز اقتراع حتى إنها تتعلق بتبديل بطاقات ناخبين وأسمائهم من مناطق إلى أخرى. إضافة إلى تغييرات في رموز حوالي عشرة مرشحين.

في حين أشار المراقبون إلى جملة من الأخطاء تمثلت في سحب مكان السكن وعنوان الناخب من السجل الانتخابي مما استحال معه التأكّد من صحَّة أسماء الناخبين ولم تقم المفوضية بجهد لمعالجة مشكلة السجل الانتخابي؛ وعدم نشر السجل الانتخابي في وقت مبكر حتى تتم مراجعته من قبل الأحزاب والمراقبين، وخلت الكشوفات المنشورة من ختم المفوضية مع اختلاف هذه الكشوفات من تلك التي اعتمدتها مراكز الاقتراع؛ وتحديد سقوف الإنفاق على الحملة الانتخابية التي أعلنت قبل أسبوع واحد من تاريخ الاقتراع، وجاءت عالية فوق مقدرات معظم المرشحين؛ بالإضافة إلى ما اعتبروه من سيطرة الحزب الحاكم على أجهزة الإعلام الرسمية دون أن تتمكن المفوضية من تصحيح ذلك، كذلك سمحت المفوضية بتسجيل القوات النظامية في أماكن العمل مخالفة بذلك القانون ووافقت لهم بالاقتراع الجماعي خارج أماكن السكن والعمل؛ ووصول المواد والمعدات متأخرة إلى مراكز الاقتراع في معظم أنحاء السُّودان، واختلاف الأسماء بين السجل المنشور والسجل المستخدم للتصويت، وسقوط أسماء ورموز مرشحين واختلاط أسماء الناخبين بين الدوائر واستبدال بطاقات الاقتراع؛ وعدم تمكين الوكلاء الحزبيين من تأمين وحراسة صناديق الاقتراع؛ كذلك استعمال حبر تسهل إزالته، وقبول شهادات السكن دون ضوابط، وتصدرها لجان تابعة للحزب الحاكم، الأمر الذي فتح الباب واسعاً للتلاعب، والتزوير وانتحال الشخصية .

وشاركت بعض الأحزاب المنشقة من أحزابها الرئيسة بالإضافة إلى الحزب الاتحادي الأصل في الحكومة الحالية والسابقات، مع ذلك يرى كثير من المراقبين أن المشاركة السياسية الفاعلة لم تتحقق بما هو مطلوب فالعديد من التيارات السياسية المسجلة تواجه إشكالات في ممارسة نشاطها من ندوات ومؤتمرات، كما هناك عدة قوانين ما زالت تعوق الحريات السياسية والتعبيرية، ولعل من أبرز إسقاطت الحصاد السياسي للإنقاذ هو الترهل الكبير في المناصب الدستورية والتغيير المستمر فيها وإعادة بعض الشخصيات مجدداً إلى مناصبها دون أن يعلم أحد أسباب الإقصاء وتجديد الثقة مرة أخرى.

مشروع الإنقاذ الحضاري

ربما من أبرز منطلقات الإنقاذ وفلسفتها في الاستيلاء على السلطة هو التمكين لمشروع ديني حضاري يوائم بين الدين والدنيا، بيد أن هذا المشروع يرى حتى أهله الثقات إنه تاه عن الدرب فكثيرون الآن من أعضاء الحركة الإسلامية يتساءلون همساً فيما بينهم عن قطار المشروع الحضاري وعن المحطات التي نجح في الوصول إليها والتي عجز حتى عن مشارفها. والأسئلة متباينة ومتشابكة والسؤال يظل مطروحاً أيضاً خارج أسوار الحركة وتبدو دائماً قضية المثال والواقع الماثل هي الجدلية الأساسية للنقاش واختبار التجربة، فالشعارات بحرارتها ومثالية معانيها تخترق وجدان الجماهير وتستقر فيها دون عناء، ولكن عندما يزول فوران اللحظة وتتولد أصداء التجربة الظرفية يتدخل العقل لفض الاشتباك ويبدو البحث جارياً بين المثال المسموع وبين التجربة الحاضرة.

ولعل أبرز إشكالات الحركات الإسلامية السياسية هي اعتبار التنظيم ليس كآلية لازمة للانتقال نحو تكوين بناء الدولة الإسلامية المثال، ولكن باعتباره الدولة نفسها وبدل أن تكون الجماهير المسلمة هي الأمانة في ذمتها والهدف المعني قد يعلو التنظيم بعصبيته وأسريته الموغلة متجاوزاً إياها ثم يغدو وصياً على إرادتها في غياب المواعين الشورية الواسعة، وقد أفرز هذا الاحتفاء والقداسة التي تضفيها بعض التنظيمات الإسلامية على نفسها أنها لم تعد تتقبل المساس بنقد تجربتها أو القبول بمحاسبة أعضائها باعتبار أن ذلك قد يقدح في شفافية التنظيم ويعرقل مساره، وهو فقه استراح له العقل الجمعي داخل التنظيم وركن إليه بل واطمأن حتى الخطائين غير التوابين إليه .

وكلما ظهرت التحديات والعقبات بدا فقه الضرورة جاهزاً بمرونته الفضفاضة في إزاحتها وابتلاعها دون ثمة احترازات فقهية كافية، فكان السباق والانطلاق اللاهث الذي يحرق المراحل اللازمة للبناء الإسلامي مما أحدث تبايناً بائناً بين الواقع والمثال المطروح واتساع الفجوة بين القول والفعل واتخاذ البرجماتية كسلوك دائم (لحلحلة) القضايا الطارئة وبالتالي التوسع في التكتيكات المرحلية على حساب الثوابت الاستراتيجية والمبادئ القيمية.

بينما بدت رسالتها الأساس أسيرة الملفات حتى غطاها الغبار ولفها النسيان إلا من بعض الهتافات العابرة وتأكيدات الانتماء والوفاء بالعهد المقطوع.

وهكذا تجد دولة التنظيم بمرور الوقت انها بدأت تنقض غزلها عروة عروة دون أن تدري أو حتى تندم على ذلك، من هنا فإن تحسس المشروع الإسلامي داخل البنية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية أمرٌ لا يحتاج إلى ثيرموميتر لقياسه، فالمشروع ليس حالة من الإسقاط المباشر للتعليمات والقرارات أو إضفاء شعارات محددة، إنما هو حالة من الاستبطان والاستلهام للمفاهيم القيمية الإسلامية يتنفس بها ويتحرك بهديها، فالمناهج التعليمية ليست حشواً لمفاهيم باردة يلقَّن بها التلاميذ ولكن التفاعل التربوي لا ينفصل عن البنية المدرسية بمعلميها والمجتمع الخارجي والإعلام المحيط. وحركة الإصلاح الاجتماعي لا تبنى بالقوانين أو بحملات الضبط الأمني بكل آلياتها وأذرعها الطويلة، إنها جزء من منظومة الحراك الاجتماعي المتجذر في بحار الدين وشواطئه.

آلية مغرية

إن حالة التمييز التنظيمي للأفراد داخل الحركات الإسلامية قد تصبح آلية مغرية لاستقطاب العناصر الهشة والكسولة في غياب المفاهيم الرسالية وفقه العزائم والتجرد للعطاء. فصحيح أن الحركات الإسلامية بهذه الإغراءات ضخَّمت عضويتها واكتسحت الاتحادات الطلابية والشبابية والمهنية وبات هناك التزام عضوي بمناهج العمل وآليته لا بمبادئه القيمية. لذا فإن هذه الكوادر عرضة للتساقط عند الابتلاءات الحقيقية والإغراءات كما أن مردودها يظل دائماً محل جدل من منظور الشفافية والالتزام الحقيقي بالمضمون الرسالي. ولهذا فلابد للحركات الإسلامية أن تدرك أن الجامع الحقيقي هو آصرة العقيدة الصحيحة وفق الألوهية الواحدة التي يركن إليها المسلمون في ضعفهم وقوتهم وأن التنظيم مجرد وسيلة لغاية سامية، ولهذا فإن الأهداف النبيلة لا تقبل إلا الوسائل النبيلة أيضاً .ولاشك أن التعقيدات السياسية وما فرضته من تكتيكات وتوازنات في الحكم بالإضافة إلى تمدد التدخلات الدولية وضغوطها، كان لها إسقاطاتها السلبية في بسط المفاهيم الإسلامية واستلهامها وإسقاطاتها على الواقع الحياتي والمؤسسي في الحكم .

فضلاً عن أن أي حديث بالنهوض بالحركة لا يمكن أن يتم إلا في ظل إستقلالية الحركة من القبضة الحكومية وأن تصبح الحركة بوصلة للسلطة هادية لها لكن بعد أن تستنير بمصباح الوجدان الصافي الذي يستصحب العقل لكنه لا يرتفع به بعيداً ليس فقط عن نصوص الدين المعروفة بالضرورة لكن أيضاً مع روحه وحمى أسواره الطيبة.

أخيراً هل تصحو الحركة الإسلامية من سباتها وفي ظل المتغيرات والتحديدات العديدة التي تواجه البلاد وأن تكون لها كلمة السر في الإصلاح المنشود فعلاً لا قولاً؟ نحسب أنه لا يمكن لأحد الإجابة على هذا السؤال على الأقل في المرحلة الحالية.

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
1 + 8 = أدخل الكود