الفضيلة الغائبة

عرض المادة
الفضيلة الغائبة
525 زائر
30-06-2018

الناظر إلى مجتمعنا السوداني يجده سمحاً في كل شيء إلا موضع لبنة تستكمل الجمال ... هذه اللبنة هي غياب ثقافة الاعتذار... هذا "الغياب" يكاد أن يكون القاسم المشترك بيننا ساسة ومسيوسين، علية وسابلة عامة.. ثقافتنا رغم سماحتها وتتويجها بصفات الكرم والنخوة والمروءة والنجدة إلا أنها لم تنل حظاً من فضيلة الاعتذارعن الخطأ وكأنما الاعتذار منقصة وليست استكمالاً للفضائل والقيم ...

القادم إلى بلادنا عليه ألاّ يندهش إن رأى في الشارع العام شخصاً يرتكب خطأ شنيعاً أو يتصرف تصرفاً خاطئاً أو يمارس فعلاً غير لائق ومع ذلك تثور ثائرته إن أحد من الناس استنكر عليه فعله أو نبّهه مجرد تنبيه للخطأ الذي اقترفه... وأظن كثير من الناس يلاحظون ذلك على الدوام...

الداخل لتوه في قروب واتساب قد يشهد عراكاً شرساً بين الأعضاء وما إن يتبين الأمر سيجد أن شخصاً ما قد أخطأ خطأ كبيراً في حق آخر أو جماعة ومنعه "الكِبْرُ" من الاعتذار الذي لو فعله لانتهت كل المساجلات والملاسنات والمخاشنات...

وهكذا تظل ثقافة الاعتذار فضيلة غائبة تماماً في مجتمعنا السوداني وكأن الناس هنا في بلادي يعتبرونها ضعفاً... هذه الفضيلة الغائبة افتقدناها في مسرحنا السياسي فكانت المحصلة النهائية فجوراً في الخصومة يحل محل التسامح الذي كان يمكن أن يطفئ كثيراً من نيران الغضب والصراع والفجور والرغبة في الانتقام وكلها أمور عقّدت القضايا وعطّلت الإعمار ... وقبل المسرح السياسي افتقدناها كذلك في معاملاتنا اليومية وفي الأسواق وفي كل تعاملاتنا الحياتية...

وفي تقديري أن المصدر الأساسي لغياب فضيلة الاعتذار هو "المُكَابرة" ولا شك أن المكابرة والكبر من الشيطان وهي سلوك إبليس وأسلوبه وثقافته التي جبل عليها وراقت له.. إنها ثقافة "أنا خير منه، خلقتني من نار وخلقته من طين"، وهي ثقافة الفرعون أيضاً "أنا خير أم هذا الذي هو مهين"... وهي ثقافة تتغذى من الكبر والمكابرة وتعتبر أن الاعتذار جبن وضعف وانتقاص لشخصية المكابر المغرور...

وددتُ لو أصبح شعارنا في الحياة عبارة "رحم الله امرءاً أهدى إليَّ عيوبي" لنحترم كل من يخطئ ولا نحتقره لمجرد خطأ ارتكبه فهو بشر وليس لبشر عصمة من الخطأ ولنحترم أكثر الذي يخطئ ويكفر عن خطأه فخير الخطائين التوابون، وإذا كانت التوبة تستوجب إظهار الندم والعزم على عدم العودة لارتكاب الخطأ فمن الحسن أن نظهر الندم للشخص الذي نخطئ في حقه ولن يكون ذلك إلا بالاعتذار... الشعب السوداني سريع الاشتعال بنيران الغضب ونفوسه مستودع لبراكين وثورات من الغضب ورغم كل ذلك تكفيه كلمة "معليش" لتطفئ كل براكين الغضب... ليتنا تمسكّنا بهذه الشفرة لنطفئ الحرائق بدواخلنا لنتّقي الكثير من المهالك... اللهم هذا قسمي فيما أملك...

نبضة أخيرة:

ضع نفسك دائماً في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
6 + 1 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية
جديد المواد
جديد المواد
مرحبا بالخدّاعين - أحمد يوسف التاي
النخب - أحمد يوسف التاي
الغبن المكتوم - أحمد يوسف التاي
إعلام العمل الطوعي - أحمد يوسف التاي
حالة توهان - أحمد يوسف التاي