عودة الأوراق من جديد لقاء سلفا ومشار .. هل تنجح الخرطوم في تجفيف منابع الدماء؟

عرض المادة
عودة الأوراق من جديد لقاء سلفا ومشار .. هل تنجح الخرطوم في تجفيف منابع الدماء؟
تاريخ الخبر 25-06-2018 | عدد الزوار 308

صرامة سلفا ومكر مشار في امتحان القبول الصعب

قرنق اتهم مشار بطعن الحركة.. وسلفا وصفه برجل الخراب

سلفا وصف قرنق بأنه وضع الحركة في حقيبته

الخرطوم: أحمد طه صديق

في العام 2004 اجتمع قادة الحركة الشعبية الجنوبية في اجتماع عاصف بجوبا وكانت الخلافات الحادة والمكتومة بين سلفاكير وقرنق لا تغادر دائرة الهمس، وحين تحدث أحد القادة عن ما أسماه بأحاديث تدور حول خلافات بين قائد الحركة جون قرنق والقائد العسكري سلفاكير ميارديت، انتهز الفرصة سلفاكير وفاجأ الجميع بأن وصف كل ما نقل عن الخلافات بعبارة (ما في دخان بدون نار) ثم بعد ذلك أفصح عن مكنونات نفسه بشكل صارخ غير مألوف متهماً قرنق بأنه يسيطر على الحركة ويعتبرها كأنها ملك له، بل يضعها في حقيبته الخاصة، وفي العام 2005 عندما تحطمت طائرة جون قرنق بعد توقيعه اتفاقية نيفاشا مع حكومة الخرطوم وعين نائباً للرئيس السوداني ربما كان سلفا من أكثر الذين سعدوا بالحدث، فالطائرة المحطمة اختزلت أحلامه نحو رئاسة الحركة وأحرقت المراحل لتوليه فيما بعد رئاسة جنوب السودان بعد انفصاله عن الشمال .

حروب دامية

في العام 1983 تمردت قوة من الجنوبيين في القوات المسلحة السودانية بقيادة كاربينو كوانين، فكلفت القيادة العقيد جون قرنق الذي كان ضابطاً في منظومة الجيش آنذاك لإخماد التمرد لكنه فاجأ الجميع بأن أصبح زعيماً لهذه القوة مستغلاً قدرته على التأثير والكاريزما التي يتمتع بها باعتباره من الذين نالوا تعليماً عالياً في حين كانت القوة تقريباً كلها من الأميين، وسرعان ما كون قرنق الجيش الشعبي لتحرير السودان بعد أن أعلن مانفيستو لهذه الحركة الوليدة يعبر عن توجه ماركسي لجماعات تغلب عليها القبلية ويطحنها الفقر ولا تتوفر في بيئتها الاشتراطات الظرفية للصراع الطبقي، غير أن قرنق بعد عدة سنوات قليلة لم يعد يتبنى أي توجه من هذا القبيل ربما لرغبته في كسب ود الغرب والولايات المتحدة والمنظمات المسيحية، وبدأت الحركة المتمردة صراعاً مع حكومة الخرطوم بزعامة الرئيس جعفر نميري، وفي أعقاب الإطاحة بنظامه في السادس من أبريل 1985 بقيادة المشير سوار الذهب القائد العام للجيش آنذاك عبر انتفاضة شعبية سبقت التحرك العسكري، سرعان ما اشتد أوار التمرد وأخذت تقوى شوكته وسقطت العديد من المدن في قبضته، وحين أجريت انتخابات عقب انتهاء الفترة الانتقالية برئاسة سوار الذهب والحكومة المدنية بزعامة د. الجزولي دفع الله أبرم التجمع الديمقراطي المكون من عدة تيارات سياسية اتفاقاً مع الحركة الشعبية في العشرين من مارس 1986، لكن لم يتم تفعيله، بل تم تصعيد العمل العسكري من قبل الحركة الشعبية بعد تكوين حكومة منتخبة في أبريل 1986 حيث استولت الحركة على مدينة الكرمك، لكن القوات المسلحة تمكنت من استعادتها.

الإنقاذ والحركة الشعبية

وعند قيام حكومة الإنقاذ تصاعدت وتيرة الصراع بين القوات الحكومية وجيش التمرد بقيادة جون قرنق، وتدخلت أطراف إقليمية في الصراع لصالحه، حيث تدخلت القوات اليوغندية في العام 1995 عبر ما اسمته بعملية الأمطار الغزيرة، بيد أن قوات الدفاع الشعبي والقوات المسلحة دحرت العدوان، وفي العام 1997 وقعت الحكومة مع الفصيل المنشق من الحركة بقيادة ريك مشار اتفاقية الخرطوم للسلام، وعلق قرنق على الاتفاقية قائلاً عبر راديو الـ "بي بي سي" (إن التاريخ سيظل يذكر رياك مشار بالشخص الذي طعن الحركة في ظهرها حينما كنا على وشك الانتصار)، وكان مشار قد انشق من الحركة عام 1991، وأسس مع بعض المنشقين على قرنق ما عرف بمجموعة الناصر، وهي تنتمي لقبيلة النوير التي تعتبر ثاني أكبر قبيلة في الجنوب عدداً وأسس الحركة الموحدة عام 1992، ثم حركة استقلال جنوب السودان عام 1995.

عاش مشار في شمال السودان، حيث تابع دراسته النظامية حتى تخرج في كلية الهندسة بجامعة الخرطوم، ثم سافر إلى بريطانيا لإكمال تعليمه فحصل عام 1984 على الدكتوراه في الهندسة الصناعية والتخطيط الإستراتيجي من جامعة برادفورد.

تولى مشار عام 1997 عقب اتفاقية الخرطوم للسلام منصب رئيس مجلس تنسيق الولايات الجنوبية وصار مساعداً للرئيس السوداني عمر البشير حتى 2000، حين عاد إلى استئناف التمرد العسكري، وبعد انفصال جنوب السودان عن شماله 2011 شغل منصب نائب رئيس الجمهورية، لكن سرعان ما بدأت الخلافات بينه وبين رئيس الدولة سلفاكير الذي أقاله من منصبه في يوليو 2013، وخاض الفريقان المتخاصمان معارك دامية أسفرت عن مقتل الآلاف من المدنيين وحوالي ثلاثة ملايين لاجئ تشردوا في دول الجوار وأكثرهم في السودان.

الخصم اللدود

يعتبر رئيس الحركة الشعبية ورئيس دولة الجنوب ريك مشار نائبه السابق بمثابة الخصم اللدود له بعد الخلافات الحادة بينهما والتي تبلورت إلى معارك طاحنة بين الفريقين المتناحرين حيث كان قبلها قد اتهم سلفاكير مشار بتدبير محاولة انقلابية يقودها نائبه وأمين عام الحركة باقان أموم وآخرون. وعلى إثر المعارك الدامية من الفريقين تدخلت الأمم المتحدة، حيث تم التوصل إلى اتفاق سلام بين رياك مشار وخصومه عام 2015 في أديس أبابا، ثم عاد وشغل بعدها منصبه السابق نائباً للرئيس في حين تحفظ سلفاكير على بعض بنود الاتفاق، لكن الولايات المتحدة هددت بمحاسبة القادة الذين ينتهكون الاتفاق على لسان المتحدث باسم الخارجية الأميركية جون كيربي متوعداً بتطبيق العقوبات ضدهم"، وتأكيده على عدم اعتراف واشنطن بتحفظات سلفاكير.

غير أن الاتفاق لم يسهم في وضع حد للخلافات بين الفريقين المتشاكسين، فسرعان ما اندلعت المعارك الحامية بينهما لتخلف أكير المآسي من قتل واغتصاب وتشريد، كانت الاشتباكات المسلحة تندلع بين القوات المؤيدة لكل طرف، مخلفة نحو ثلاثمئة قتيل خلافاً لعمليات الاغتصاب وتداعيات النزوح، بينما سارع الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون بمطالبة مجلس الأمن الدولي باتخاذ إجراءات تشمل فرض حظر على توريد السلاح إلى دولة جنوب السودان، وتوسيع العقوبات على القادة السياسيين والعسكريين الذين يعرقلون تنفيذ اتفاق السلام، كما طلب بأن تُعزّز قوات حفظ السلام الأممية في جنوب السودان بوسائل تشمل مروحيات هجومية لتمكينها من حماية المدنيين، وحث الدول المساهمة في هذه المهمة على عدم الانسحاب منها، وسط تقارير تحدثت عن فرار عشرات الآلاف من القتال الذي دار في جوبا.

محاولات تحقيق السلام

وعلى إثر اندلاع الحرب ومحاصرة مشار، فرّ خارج البلاد واستقر في دولة جنوب إفريقيا، قبل أن تفرض عليه الإيقاد بالتنسيق مع الولايات المتحدة الإقامة الجبرية هناك، ويبرر مشار رفضه لمقترح الإيقاد قائلاً عبر حوار صحفي (مقترح الإيجاد، حدد تقاسم السلطة على المستوى المركزي، والترتيبات الأمنية، وأعطى السلطة القائمة 55% والمعارضة 45%، واعتبرت الحركة الشعبية أن مبادرة تقسيم السلطة بتلك النسب سوف تزيد من سيطرة السلطة القائمة بقيادة سلفاكير، والتي فشلت في إدارة البلاد خلال السنوات الماضية ووجودها سيؤدي إلى تدهور الأوضاع وتعقدها بصورة أكبر من ذي قبل.

المعارضة طرحت نظام الحكم الفيدرالي في المرحلة الانتقالية، وهو ما لم يناقشه مقترح السلام الذي تقدمت به "الإيجاد"، علاوة على ذلك، فإن الحكومة في العاصمة جوبا نقضت كل الاتفاقات وقامت بعمل تقسيم إداري جديد أوصل عدد الولايات إلى 32 ولاية بدلاً من 10 ولايات في الاتفاق السابق، والولايات الجديدة جاءت عن طريق قيام الحكومة بنزع أراضٍ من باقي مناطق جنوب السودان وأعطت ما يقرب من 43% من أراضي الجنوب إلى قبيلة "الدينكا"، وهي قبيلة الرئيس سلفاكير، وبالتالي تحدثنا في المعارضة عن العودة للولايات العشر.

مقترح الإيغاد

مقترح الإيغاد للسلام لم يتحدث عن تلك النقاط، وكانت مطالبنا كمعارضة، أن يتم دمج الجيشين التابعين لـ"الحكومة والمعارضة"، علاوة على إبعاد معسكرات الجيش عن المناطق المأهوله بالسكان، ورفضت الحكومة تلك المقترحات، وربما أدى ذلك أو كان سبباً في الأزمة الأخيرة، وكان مقترحنا الأول مع بداية المفاوضات، أن يتم تقاسم السلطة على أساس، 40% للحركة الشعبية في المعارضة و40% للحكومة، و20% لباقي الفئات، وأن يتم العمل بالتقسيمة الإدارية القديمة للولايات والتي ينص عليها دستور جنوب السودان والاعتراف بوجود جيشين في البلاد على أن يتم دمج الجيشين خلال فترة انتقالية لعامين، وهذه هي البنود الأساسية في مقترحاتنا لعملية التفاوض.

وإزاء عدم الوصول إلى اتفاق بين الأطراف المتقاتلة اقترحت الولايات المتحدة في مشروع قرار، فرض مجلس الأمن الدولي عقوبات على وزراء ومسؤولين من جنوب السودان، متهمة إياهم بعرقلة جهود السلام ومنع وصول المساعدات الإنسانية إلى المدنيين حيث شملت العقوبات عدداً من المسؤولين البارزين

لقاء أثيوبيا

وفي وقت توصل فيه السودان مع أطراف النزاع سلفاكير ومشار بعقد لقاء بينهما في الخرطوم بغرض الوصول إلى محاور للسلام تفاجأت الخرطوم بعقد هذا الاجتماع في العاصمة الإثيوبية أديس كانت وزارة الخارجية الإثيوبية أعلنت أمس أن لقاء الرجلين يأتي في إطار محادثات بشأن إنهاء الحرب الأهلية التي اندلعت عام 2013.

وذكرت الوزارة أن هذا اللقاء الذي يعد الأول منذ سنتين يأتي بدعوة من رئيس الوزراء الأثيوبي آبي أحمد الذي يرأس الهيئة الحكومية للتنمية في شرق أفريقيا (إيغاد)، وأضافت أن آبي أحمد سيحث المسؤوليْن على تقليص خلافاتهما والعمل على إرساء السلام في جنوب السودان وتخفيف حملة الموت والتهجير عن سكان جنوب السودان.

عودة الأوراق

لكن سرعان ما عادت الأورق للخرطوم من جديد حيث أعلن عن عقد اجتماع بين سلفاكير ومشار عقب اجتماع أثيوبيا في الخامس والعشرين من شهر يوليو القادم، ويرى كثير من المراقبين أن الخرطوم بحكم الجوار والجذور التاريخية والمصالح

الإقتصادية وقدرة الخرطوم على التواصل التفاهمي مع المعارضة الجنوبية يعطيها ميزة عن كل دول المنطقة للعب دور مهم وربما حاسم لوقف هذا الصراع الدامي، كما أن كلاً من جوبا والخرطوم وفقاً للواقع الظرفي الذي يعايشانه سيكونان أكثر حرصاً على تسوية هذا النزاع، فالخرطوم تحتاج إلى وصول النفط عبر شريان الأنابيب السودانية بعد تفاقم الأزمة الاقتصادية بينما تعاني جوبا من شبح الفقر والجوع جراء ويلات الحرب الدامية، ولأن الخرطوم تدرك أيضاً أهمية دولة يوغندا في

تقوية اتفاقية السلام المنتظرة وتأمينها فلهذا أوفدت وزير الخارجية إلى هناك حاملاً رسالة إلى الرئيس موسفيني، ومن هنا يبدو أن عودة أوراق التفاوض للعاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة يوغندية ستكون بمثابة النجاح لهذه المساعي السلمية لحرب دامية سحقت آلاف الأرواح وشردت الملايين وحفلت بفظائع يندى لها جيبن الإنسانية.

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
7 + 8 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية
جديد المواد
جديد المواد
اندياح - قضايا وملفات
اندياح - قضايا وملفات
رؤى - قضايا وملفات
اندياح - قضايا وملفات